محاولات تعويم حاملة الحاويات العملاقة إيفر جيفن في قناة السويس. الصورة: هيئة قناة السويس

دليلك المختصر لفهم آثار توقف المجرى الملاحي لقناة السويس

سفينة توقف الحركة في أهم مجرى ملاحي في العالم لثلاثة أيام حتى الآن ولا تزال عالقة حتى الآن، وتأخر في تسليم البضائع حول العالم، وارتفاع لأسعار النفط. مجموعة أخبار استحقت أن تكون على الصفحات الرئيسية لأهم المواقع الاقتصادية والإخبارية في العالم.

لكن؛ لماذا أثار هذا الخبر اهتمامًا غير مسبوق بخلاف حوادث الجنوح، الشحوط، السابقة، وما هي التأثيرات المتوقعة على حركة التجارة العالمية التي تستحوذ قناة السويس على نسبة تزيد عن 10% منها، وكيف يؤثر الحادث على المستهلكين حول العالم، وعلى المصريين الذين يشكل دخل قناة السويس واحدًا من أهم مصادر الدخل السنوية المضمونة بالنسبة لهم.

هذا التقرير الشارح يقدم إجابات مفصلة على هذه الأسئلة، وأكثر، من خلال خبراء نقل بحري ومحللين اقتصاديين.

اتفق الخبراء الذين تحدثت معهم المنصة أن تأثيرات هذا الحادث وإن كانت كبيرة إلا أنها ستكون لحظية، مرجعين أسباب الاهتمام الكبير بهذا الحادث لأهمية قناة السويس باعتباره الممر الأهم والأشهر في العالم، وأضاف بعضهم "دخول السوشيال ميديا" على الخط، كسبب لزيادة الاهتمام، وهو ما لم يكن موجودًا حوادث الشحوط السابقة.

لماذا الاهتمام هذه المرة كبيرًا؟

على الرغم من أنه ليس الحادث الأول في القناة أو غيرها من الممرات المائية، لكن اهتمامًا بالغًا بمجريات أحداثه أثار دهشة بعض المتابعين، لدرجة دفعت البعض للجوء إلى نظريات المؤامرة.

يقدم المحاضر في قسم الدراسات الإدارية بكلية الشرق الأوسط في سلطنة عُمان، محمد صلاح الدين، تفسيرًا لذلك بالقول"أعتقد أن الاختلاف هذه المرة بسبب وقوع الحادث في زمن كورونا، وبالتالي خوف من ارتفاعات إضافية في أسعار السلع، خصوصًا مع معاناة المستهلكين حول العالم من ارتفاع الأسعار بسبب الجائحة"، يضيف صلاح الدين سببًا ثانيًا للاهتمام الكبير بهذا الحادث، بالقول "التوسع الحالي في استخدام السوشيال ميديا يمكن اعتباره سببًا إضافيًا للاهتمام".

تتفق مع هذا الرأي الخبيرة الاقتصادية في شركة بلتون المالية القابضة، علياء ممدوح، وتضيف أسبابًا جديدة تفسر ما يحدث الآن "للأهمية الاستراتيجية لقناة السويس، بجانب اسم الشركة المالكة للناقلة الضخمة، ثانيًا لأن الحوادث السابقة لم تتسبب في تعطل الممر الملاحي لأكثر من يومين مثلما يحدث الآن مع السفينة إيفر جيفن العالقة الآن في المجرى الملاحي".

تضيف ممدوح "أهم الأسباب هو الخوف الكبير لدى المستهلكين والتجار من تأثيرات إضافية بجانب خسائرهم من كورونا. الجميع متخوف من أي خسائر جديدة محتملة، خاصة وأن عبارات مثل سد مجرى ملاحي أو تعطّل حركة سُفن ليست بالهيّنة حين يكون الحديث عن ممر مائي عالمي بحجم قناة السويس".

تقدّم مديرة المركز الدولي للاستشارات الدولية ودراسات الجدوى، الدكتورة هدى الملاح، عواقب محتملة للحادث، قائلة "قد يستغل الحادث جهات تتحين الفرصة للعب بالأسعار ورفعها كمحاولة لتعويض شيء من خسائر فترة كورونا وإغلاق المطارات وتعطل حركة التجارة، وقد يحدث استغلال سياسي للحدث ضد مصر".

وتختتم الملاح بالتعليق على احتمالية أن يكون للاستغلال الاقتصادي للحادث أثر كبير، بقولها "ما حدث من توقف لحركة التجارة هو أمر لحظي وليس لأسباب دائمة، أو لسياسات تجارية احتكارية على سبيل المثال".

كانت السفينة العملاقة إيفر جيفن التي تحمل علم بنما، ويبلغ طولها 400 متر وعرضها 59 متر وحمولتها 224 ألف طن، جنحت في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء بالكيلو متر 151 ترقيم القناة، خلال عبورها ضمن قافلة الجنوب في رحلة من الصين إلى ميناء روتردام الهولندي.

وشهد الممر الملاحي حوادث مشابهة، كان منها ما وقع عام 2017، بتعطل سفينة تابعة لشركة يابانية، بعد عطل ميكانيكي. وفي 2012، تعطلت حركة الملاحة بمجرى القناة، إثر شحوط سفينة ماليزية تنقل بترول تعطّلت أجهزة التوجيه بها؛ مما تسبب في احتجاز قافلة الشمال بالكامل في مجرى القناة.

توقف حركة الملاحة في قناة السويس لم يحدث نتيجة أعطال فنية أو جنوح سفن فقط، إذ سبق وأن كان التوقف بسبب حادث تصادم وقع عام 2014 بين سفينتين إحداهما تنقل حاويات وترفع علم ألمانيا، كانت ضمن قافلة الشمال المقبلة من البحر المتوسط، والثانية تحمل علم سنغافورة كانت تُغادر الميناء للانضمام إلى القافلة نفسها؛ ما أدى لسقوط حاويات في المجرى الملاحي، عطًل الحركة به.

وكذلك على المستوى العالمي، وقعت حوادث مُشابهة استمرت آثارها لأيام، مع اختلاف أهمية المجرى الملاحي عن قناة السويس، مثلما حدث عام 2008 مع سفينة كانت متجهة من فرنسا لكندا، وبقيت متعطلة لأسابيع.

ما هي التأثيرات العالمية للحادث؟

على الرغم من ارتفاع أسعار النفط؛ فإن الأثر ليس ضخمًا وفقًا لما ذكرته للمنصّة الخبيرة الاقتصادية علياء ممدوح، إذ أرجعت سبب ارتفاع سعر البترول في حالات مشكلات الموانئ أو الممرات الملاحية إلى أن "طبيعة هذه السلعة تُشبه البورصة في استجابتها وتأثرها السريع بأي حدث طارئ أو أخبار متداولة، وهو ما يجعل من هذا الارتفاع مجرد ردّ فعل وقتي".

بالمثل، تقول الدكتورة هدى الملاح إن "العرض والطلب يتحكم في أسعار البترول كما هو معروف، وبالتالي جاء الارتفاع في السعر رد فعل متوقع بعد سدّ مجرى القناة، وما حدث هو أمر استثنائي".

ترى الخبيرتان أن الآثار "بسيطة ولحظية"، وهو ما يتفق معهما فيه مُحلل الاقتصاد الكُلّي بشركة كابيتال الاستثمارية، نُعمان خالد، بقوله للمنصّة "النفط سلعة حساسة لأي تغيرات طارئة سواء حروب أو أزمات، ويكون الأمر مؤشرًا على ضعف الكمية المعروض".

لكن خالد يشير إلى مشكلة أكبر من ارتفاع طفيف في أسعار النفط "فيه مشكلة أكبر من النفط، وتتمثل في البضائع لأن سفنها متوقفة، وهو ما يعني تأثيرات سلبية وتكلفة أعلى على المصدرين والمستوردين، هؤلاء سيعوضون خسائرهم من شركات التأمين لكن الضرر سينعكس في النهاية على المُستهلك العالمي للبضائع".

ما أثر الحوادث السابقة على أسعار البضائع؟

يقول المحاضِر محمد صلاح الدين، المُتخصص في مجال اللوجيستيات وسلاسل الإمداد، عن أثر آخر جنوح سفينة تسببت في تعطيل المجرى الملاحي، إن الأثر لحظي وطفيف، حسبما يرى، مقدمًا شرحه لهذا الرأي "هناك حاويات لابد وأن تمر بطرق ومسارات ثابتة ومُحددة مسبقًا دون أن تحيد عنها، لأنها متعلقة ببضائع وشحنات إما ستأخذها من موانئ الدول التي ستمر عليها أو ستفرّغها فيها، وهو ما يعني ارتباطات وتعاقدات مع موردين ومصدرين محسوب مواعيدها بالدقيقة".

ويضيف الأكاديمي "هذا الأمر ينطبق على حركة التصنيع، فوفقًا لسلسلة الإمداد، قد تحمل الناقلات المعطّلة في ممر ملاحي مواد خام من بلد ينتظرها بلد ثان لتجميعها أو تصنيعها، قبل أن يتم توزيعها وبيعها في بلدان أخرى. وبالتالي فإن العطلة تُكلف جميع الأطراف، لكنها لحظية وهو ما رأيناه في حوادث سابقة".

ماذا لو استمر الحادث لأيام؟

رغم اتفاق المحلل الاقتصادي نعمان خالد مع رأي صلاح الدين بـ "الأثر قصير الأجل للحادث"، لكنه يرى أن استمرار توقف الحركة في قناة السويس لأيام سيؤثر على قطاع الشحن العالمي "لأن حركته تكون مُرتّبة باتفاقات مسبقة قبل شهور، وأي تأخير سيسبب عطلًا في الدورة الكاملة التي تربط بين الشركات والموانيء والتجار".

ويتابع المحلل الاقتصادي "لهذا وبناءً على ما رأيناه في حالات جنوح سابقة، فإن سعر البضائع وأبرزها البترول هو ما يُحدد الحلول التي تلجأ إليها الشركات بشأن سُفنها المتعطّلة. بمعنى أن الشركة القادرة على سداد التكلفة قد تلجأ إلى ممر ملاحي آخر ولو بتكلفة أعلى إذا رأت أن حل أزمة الجنوح سيكبدها خسائر أكبر، أما لو كان لديها متسع من الوقت فيما يخص شحناتها، فقد تقرر البقاء في القناة لحين حل الأزمة".

كيف يؤثر توقف القناة على المصريين؟

تخسر مصر من كل يوم تتوقف فيه القناة من 18 إلى 20 مليون دولار، بحسب أرقام رسمية أعلنها رئيس الهيئة الفريق أسامة ربيع، قبل بداية أزمة كورونا.

يقول نعمان خالد "ستفقد مصر إيراد عدة أيام من عوائد القناة. لكن الآثار السلبية الأكبر ستكون على حركة التجارة العالمية".

تشاركه الرأي الخبيرة في شركة بلتون المالية القابضة علياء ممدوح بقولها "تأثر إيرادات القناة ليومين أو ثلاثة؛ سيتم تعويضه بإيرادات بقية الشهر. وكأن ما حدث من تكدّس أو بطء أو تعطّل يُشبه أيامًا تكون فيها حركة الملاحة بالقناة ضعيفة. وهذا أمر وارد وتعوّضه إيرادات أيام أخرى تكون فيها حركة الملاحة منتعشة".

وتضيف "ما حدث أمر عارض، وليس متكررًا أو ممنهجًا ومخططًا كما كان يحدث قبل أعوام عندما كانت تتعرض السُفن للقرصنة للدرجة التي أثرت كثيرًا على عائدات قناة السويس السنوية".

وبلغت عائدات مصر من قناة السويس 5.72 مليار دولار خلال عام 2020، بعد انخفاض طفيف عن أرقام 2019، العام السابق على أزمة كورونا، عندما حققت مصر إيرادات 5.75 مليار دولار.

وشهد العقد الأول من الألفية الحالية هجمات من قراصنة في الصومال على السفن العابرة في قناة السويس بصورة كانت مُهددة لمستقبلها وإيرادتها وفقًا لخبراء، وذلك بسبب ما كانت عليه من خطورة بلغت حد السماح في عام 2011 للسفن التجارية البريطانية العابرة للبحر الأحمر وخليج عدن بحمل حُرّاس مُسلّحين على متنها.

لماذا تجنح السفن في الممرات المائية؟

وفقًا لما أعلنته هيئة قناة السويس أمس عن حادث جنوح حاملة الحاويات العملاقة إيفر جيفين فإن سبب الحادث يعود إلى "الطقس السيئ وانعدام الرؤية، نظرًا لمرور البلاد بعاصفة ترابية، بلغت معها سرعة الرياح 40 عقدة، مما أدى إلى فقدان القدرة على توجيه السفينة ومن ثم جنوحها".

كان السبب هذه المرّة نتيجة عوامل طبيعية، لكن هناك عوامل أخرى لجنوح السفن، تختلف بين العوامل الطبيعية المتعلّقة بحالة الطقس أو اضطراب التيار البحري وحالة المد والجزر، أو العوامل البشرية من طاقم السفينة، أو العوامل التقنية بعدم استجابة طاقم سفينة لأوامر الرُبان.

عن الأخطاء التقنية أو البشرية، يوضح المحاضر في قسم الدراسات الإدارية بكلية الشرق الأوسط في سلطنة عُمان، محمد صلاح، أن السفن "تكون ممدودة بخرائط تعلم من خلالها النقاط المناسبة للغاطس الخاص بها، كما يكون على متنها مرشدًا من قناة السويس يتعاون مع فريقها بالرأي الاستشاري"، مُضيفًا "لهذا ننتظر نتائج التحقيق الفني الذي أعلنت عنه هيئة القناة، بمشاركة ممثلين عنها وكذلك للشركة المالكة للسفينة".

يرجح مُحلل الاقتصاد الكُلّي بشركة كابيتال نعمان خالد، أن ينتهي هذا التحقيق إلى عدم تحميل مصر أي مسؤولية، وذلك "لأن الشركة المالكة للسفينة قبل المرور بالمجرى الملاحي تكون قد قررت إذا ما كان المجرى مناسبًا لها أم لا".

لكن ماذا لو ثبتت براءة الشركة، يُشير المحاضِر محمد صلاح الدين إلى ضمانات وسُبل لتعويض الشركة الخاسرة، قائلًا "في المجال البحري، هناك ما يُعرف باسم نوادي التأمين والحماية. تكون عبارة عن كيانات مُشكّلة من مجموعة من مُلاّك السفن يساهمون بمبالغ مالية تكافلية مُخصصة لحالات الكوارث".

ويضيف "لكن صرف مبالغ التعويض لا يتم إلاّ بعد إجراء تحقيق يُثبت أن ما حدث للسفينة ليس خطأ من أفراد طاقمها، أو نتيجة إهمال في صيانتها، بل لأسباب خارجة عن إرداتهم، وهو ما يتم عن طريق وكلاء هم من البداية المسؤولون عن السفينة وكل إجراءات مرورها في المجرى الملاحي وما يتسلزمه من توكيل عبور وشهادات ورسوم".