من امتحانات العام الماضي. الصورة: صفحة طارق شوقي على فيسبوك

إلكترونية أم ورقية: امتحانات الثانوية تحسمها الحكومة أم بروفات طارق شوقي؟

يعكس التناقض بين البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، وآراء طلاب ثانوية عامة وأولياء أمورهم، أن الفجوة بين الطرفين ما تزال شاسعة حول الامتحانات الإلكترونية للثانوية العامة، المقرَّر لها مطلع يوليو/ تموز المقبل، وذلك بعد جدل على كفاءة منصة الاختبار التجريبي الأول الذي عُقد يوم 18 أبريل/ نيسان الجاري.

تحدثت المنصة في هذا التقرير إلى طلاب ثانوية عامة أظهروا قلقهم من ربط مستقبلهم بامتحان إلكتروني ربما ينتهي بعبارة "فشل الاتصال"، دون توضيح مصير أجوبتهم أو ما ستؤول إليه النتيجة حال وقوع أية أخطاء تقنية، فيما اعتبر مسؤول بوزارة التربية والتعليم أن الطلاب تدربوا بشكل كافٍ على التابلت، خلال قيدهم بالصفين الأول والثاني الثانوي، وهو ما تختلف معه الأكاديمية بمركز البحوث التربوية بجامعة القاهرة، بثينة عبد الرؤوف، مؤكدة أن الأزمة تتجلى في القرى والنجوع والمناطق النائية، التي يستحيل فيها توافر القدرات التقنية بكفاءة.

وقالت وزارة التعليم، في بيان صحفي، يوم الاختبار، إن هناك 574 ألف طالب نجحوا في الدخول على منظومة التحديثات الخاصة بأجهزة التابلت، وإجراء اختبارات تقنية للخوادم الموجودة بالمدارس، خلال أول أيام الامتحانات التجريبية الإلكترونية، عن شهر أبريل، لقياس كفاءة شبكات الإنترنت والشبكات، ما يعني أن التجربة مثمرة.

على الطرف الآخر، جاءت آراء أغلب الطلاب وأولياء الأمور على شبكات التواصل الاجتماعي، مغايرة تمامًا لرواية وزارة التربية والتعليم، وشكَّك كثيرون في صحة أرقام الطلاب الذين نجحوا في الدخول على منصة الامتحان التجريبي، وسط مخاوف من تعامل الحكومة مع التجربة باعتبارها بروفة تعكس إمكانية عقد امتحانات الشهادة الثانوية إلكترونيًا دون مشكلات تقنية.

وترغب الحكومة في إجراء الامتحانات إلكترونيًا للشهادة الثانوية، لأسباب ترتبط بضرورة الاستغناء عن العنصر البشري للقضاء على عمليات الغش والتسريب، وتوفير تكلفة طباعة الأسئلة ونفقات تأمينها ونقلها بين المحافظات، مع إجراء التصحيح بشكل رقمي، لضمانة عدم ارتكاب أخطاء بشرية، وضمان الشفافية ووقف التظلمات على النتائج، كما يحدث كل عام.

واجتمع رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، بوزير التربية والتعليم، طارق شوقي، ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عمرو طلعت، مرتين الشهر الماضي، وأبلغهما بأن كفاءة الشبكات والمنصات خلال الامتحانات التجريبية في أشهر أبريل ومايو ويونيو، هي المعيار الوحيد لعقد امتحانات إلكترونية نهاية العام، أو دراسة بدائل تضمن الحفاظ على حقوق جميع الطلاب.

مخاوف "السيستم"

ما يثير مخاوف شريحة كبيرة من الطلاب، أن وزارة التعليم قررت إلغاء الامتحانات الإلكترونية للصفين الأول والثانوي العام، نهاية السنة، لتكون ورقية، بعد السلبيات الكثيرة التي شهدتها امتحانات الفصل الدراسي الأول، من الغش الجماعي وتسريب الأسئلة وتداول الإجابات على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى ظهرت النتيجة بشكل غير عادل.

وما زال طارق شوقي وزير التعليم، يحاول إقناع طلاب الشهادة الثانوية وأسرهم، بأن طريقة الامتحانات الإلكترونية للصف الثالث مختلفة جذريًا عن الصفين الأول والثاني، باعتبار أن امتحانات الشهادة ستكون على التابلت دون الحاجة إلى إنترنت، بل من خلال منصة داخلية وحواسب سحابية، وفرص سقوط "السيستم" فيها تكاد تكون منعدمة.

طارق شوقي، وزير التعليم. صورة من صفحته الرسمية- فيسبوك

وشهد الامتحان التجريبي، عن شهر أبريل، تدريب الطلاب على الدخول على المنصة الداخلية للمدارس بدون استخدام شبكة الإنترنت، سواء "الواي فاي" أو إنترنت الشريحة المتصلة بجهاز التابلت، لكن كانت هناك صعوبات بالغة واجهها الطلاب، ما اعتبرته وزارة التربية والتعليم "مشكلة طبيعية" سيتم حلها خلال الفترة التي تسبق عقد الامتحان التجريبي الثاني في مايو.

فيما أكد مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم للمنصَّة، شريطة عدم الكشف عن هويته، لأنه غير مخوَّل بالتحدث للإعلام، أن السبب الرئيسي للتمسك بعقد امتحانات الشهادة الثانوية إلكترونيًا، يتمثل في أن طلاب هذه الدفعة (يقصد الصف الثالث ثانوي) تدربوا بشكل كافٍ على التابلت، وخاضوا أربعة امتحانات إلكترونية من قبل، خلال قيدهم بالصفين الأول والثاني الثانوي.

الأزمة الأكبر في القرى والنجوع والمناطق النائية، وهذه مناطق يصعب، بل يستحيل فيها توافر القدرات التقنية بكفاءة.
- الأكاديمية بمركز البحوث التربوية بجامعة القاهرة، بثينة عبدالرؤوف

أضاف المصدر ذاته، أن طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي الجدد، تعرضوا لأزمات كثيرة حالت دون تدريبهم على استخدام التابلت والامتحانات الإلكترونية بشكل حقيقي، لظروف جائحة كورونا، فالمقيدون بالصف الأول، استلموا الأجهزة ولم يذهب أغلبهم للمدارس بسبب الوباء، وزملائهم بالصف الثاني تعرضوا لنفس الأزمة، العامين الماضي والحالي.

ويشكك معارضون للامتحانات الإلكترونية، في جدوى هذه المبررات، ويسوّق بعضهم إلى أن التمسك بعقد امتحانات رقمية رسالة بأن تجربة التابلت نجحت، وملايين الجنيهات التي أنفقت عليها أتت ثمارها، أما إلغاءها واستبدالها بالورقية، فقد يمهِّد لاتهام الحكومة بإهدار المال العام على مشروع كان وما زال يواجه برفض مجتمعي واسع من أغلب الفئات بالمجتمع.

المخرج الوحيد

بالتالي، يعتقد بعض الخبراء التربويون، أن تقييم طلاب الشهادة الثانوية إلكترونيًا، أصبح المخرج الوحيد تقريبًا لوزارة التربية والتعليم، أو الحكومة بشكل عام، للتأكيد على نجاح تجربة التابلت، بعد إلغائها في امتحانات نهاية العام للصفين الأول والثاني الثانوي ولتحل الامتحانات الورقية محلها، اعترفت الوزارة بأنها وسيلة عادلة للتقييم بعيدًا عن الغش والتسريب.

الأكاديمية بمركز البحوث التربوية بجامعة القاهرة، بثينة عبد الرؤوف، قالت للمنصة، إن الأزمة الأكبر في القرى والنجوع والمناطق النائية، وهذه مناطق يصعب، بل يستحيل فيها توافر القدرات التقنية بكفاءة، وهناك أماكن كثيرة بلا خدمة إنترنت منتظمة، ولا يمكن التعويل على نجاح الامتحان الإلكتروني كبروفة مثالية لامتحانات نهاية العام.

معضلة الاختبار التجريبي الذي خاضه طلاب الشهادة الثانوية، عن شهر أبريل، أنه لم يكن جادًا، أو يتضمن أجزاء من المنهج الدراسي، بل كانت الأسئلة أقرب إلى الاستبيان الترفيهي، مثل السؤال عن الألوان المفضلة والمعلومات العامة، ما أثار استياء الطلاب وجعل أغلبهم يفكر في عدم النزول مرة أخرى، باعتبار أن الامتحان لا جدوى منه.

وأقر المصدر بوزارة التعليم، الذي تحدث مع المنصة، بأن الوزارة تعتمد كليًا على تقييم الامتحانات الإلكترونية للشهادة الثانوية نهاية العام، من خلال مشاركة الطلاب بكثافة في الاختبارات التجريبية، للوقوف على المشكلات التقنية والفنية ومدى قدرة منصة الامتحانات على تحمل الضغط وقت الامتحان، وبدون حضور الطلاب بأعداد كبيرة، ستكون هناك أزمة حقيقية.

ويرفض أغلب الطلاب، إجراء امتحانات الشهادة الثانوية إلكترونيا، لأسباب تقنية بحتة، ويبرهن هؤلاء على وجهات نظرهم، بأن طبيعة الأسئلة في التابلت أو الورقي واحدة، وهي التي تقيس الفهم ونواتج التعلم، وليس الحفظ والتلقين كما كان يحدث كل عام، وبالتالي، فإن الاختلاف فقط في الوسيلة التي يتم من خلالها وصول الأسئلة للجان، هل إلكترونية أم ورقية.

من هؤلاء، الطالبة إيناس محمد التي تدرس بالشعبة العلمية، وشاركت في الاختبار التجريبي لشهر أبريل ولم تتمكن من الدخول على منصة الامتحان، وعادت إلى منزلها كما ذهبت للمدرسة دون استفادة، وتخشى تكرار ما حدث معها العام الماضي، عندما انتهت من إجابة كل الأسئلة وعند الضغط على "أيقونة الحفظ والإرسال"، سقط السيستم.

إيناس من الطلاب المتفوقين بالثانوية العامة، وبحكم التجارب الامتحانية التي خاضتها في الصفين الأول والثاني الثانوي من خلال التابلت، فإنها لا تثق في القدرات والإمكانيات التكنولوجية لوزارة التعليم، بشكل يؤهلها لإجراء امتحان الشهادة الثانوية دون مشكلات، وهذا العام سنة مصيرية تحدد مصير الطالب جامعيًا واجتماعيًا ووظيفيًا، وهنا يكون الخوف مشروعًا.

أكدت إيناس للمنصة، أن السبب الآخر التي يجعلها تتحفظ على الامتحانات الإلكترونية، هو رفض وزارة التعليم تظلم الطلاب على النتيجة بدعوى أن التصحيح نزيه ولم يتدخل فيه أي عنصر بشري، فماذا لو لجأ الطالب للقضاء لإعادة تصحيح أوراقه؟

الأهم من ذلك، وفق إيناس، أن هناك مواد علمية يُطلب فيها رسومات بيانية وأسئلة مقالية تحتاج لكتابة طويلة، وهذا صعب عندما يكون الامتحان على التابلت ويتم استخدام القلم الإلكتروني للكتابة على الشاشة، مع غياب الآلية التي تضمن حفظ حق الطالب الذي يفشل في إرسال الإجابة على السحابة الإلكترونية. كيف يحصل على الدرجة، أم سيُعيد الامتحان مرة ثانية.

بغض النظر عن مبررات إيناس، والكثير من أقرانها، فهناك معضلة أكثر تعقيدًا، ترتبط بوجود حوالي مائة ألف طالب مقيدون بالشهادة الثانوية، وهؤلاء لم يتسلموا أجهزة التابلت، إما لأنهم راسبون من العام الماضي، أو باقون للإعادة في مواد بعينها، أو مقيدون بنظام المنازل، وجميعهم لم تدرجهم وزارة التعليم ضمن الطلبة المستحقين للحصول على التابلت.

"لا يوجد طالب في مصر لا يفهم في التكنولوجيا. كلهم يدركون جيدًا طريقة التعامل معها".
- مسؤول بوزارة التربية والتعليم

لم يتدرب أيّ من هؤلاء الطلاب على الامتحانات الإلكترونية من قبل، لأن المسجلين بنظام المنازل كان يتم تقييمهم ورقيًا بالصفين الأول والثاني الثانوي، والراسبون والباقون للإعادة كانت امتحاناتهم ورقية بنظام الأسئلة التقليدية، التي تقيس الحفظ والتلقين، وهذه الشريحة أكثر من يعارضون التقييم الرقمي لعدم درايتهم بتفاصيله وطريقته أو امتلاكهم حواسب إلكترونية.

مشكلة الراسبين والباقين للإعادة في مواد بعينها، أنهم اتخذوا قراراهم بتقسيم الشهادة الثانوية على سنتين (العام الماضي والحالي)، بناء على وعد من وزير التعليم، بأن امتحاناتهم ستكون ورقية وبأسئلة الحفظ، وحينها قال في مجلس الوزراء، مطلع يونيو 2020 "من يخشى على نفسه من كورونا ولا يثق في إجراءات التأمين، يؤجل للعام المقبل 2021 ويمتحن بالنظام القديم".

وعندما سألت المنصة المسؤول التعليمي عن مصير هؤلاء، أجاب بأن وزارة التعليم ستقوم بتجهيز غرف حاسب آلي في المدارس الثانوية، ليؤدي خلالها طلبة المنازل والراسبين الامتحانات الإلكترونية، وعند الاستفسار منه حول كيفية امتحانهم إلكترونيًا دون تدريب مسبق، قال "لا يوجد طالب في مصر لا يفهم في التكنولوجيا. كلهم يدركون جيدًا طريقة التعامل معها".

يشير هذا الارتباك، إلى وجود أزمة حقيقية ترتبط بتشعب الأزمات التي تحيط بالامتحانات الإلكترونية، وهو الأمر الذي يطرح فكرة البحث عن بدائل أخرى أكثر واقعية، حال فشلت تجربة التقييم الرقمي، وحينها لن يكون أمام وزارة التعليم سوى الإقرار بتطبيق الامتحانات الورقية كما جرى مع الصفين الأول والثاني الثانوي.

وحسب الترتيب الزمني الذي وضعته الحكومة للانتهاء من الاختبارات التجريبية لقياس كفاءة السيستم ومعالجة المشكلات التقنية، فإن آخر امتحان تجريبي سيكون 25 يونيو، أي قبل موعد امتحانات نهاية السنة بحوالي أسبوعين فقط (تخطط الوزارة لتكون بعد أول أسبوع من يوليو)، وبالتالي سيكون من الصعب الانتهاء من تجهيز الامتحانات الورقية في هذه الفترة القصيرة.

فيما ترى بثينة عبد الرؤوف، أن التأخير في حسم مصير امتحانات الشهادة الثانوية، يوسع دائرة الرفض لتجربة التعلم الرقمي بكل جوانبها، ولابد أن تدرك الحكومة مخاطر هذا الارتباك على شخصية المراهقين بالمدارس، فهي تخلق معارضين لها بالمجان، وبينهم ابنتها التي تدرس بالثانوية وصارت على قناعة بأنها حقل تجارب ضمن جيل لا يبحث سوى عن إقرار نظام امتحاني عادل.


اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| طارق شوقي يغادر البرلمان مهزومًا للمرة الأولى


وتقوم وزارة التعليم، كل عام، باختيار الهيئات الاستشارية لوضع أسئلة الشهادة الثانوية الورقية في شهر مارس/ أذار، ثم وضع أربعة نماذج امتحانية مختلفة لكل مادة في أبريل، ويتم تسليمها إلى مطابع الشرطة لاختيار نموذج من الأربعة لطباعته (حتى لا يعرف واضعو الامتحان أي نموذج بالضبط تمت طباعته).

وتنتهي عملية الطباعة في منتصف مايو/ أيار ويجري تخزينها بأماكن سرية تابعة لأجهزة أمنية، لحين توزيعها على اللجان بالمحافظات عبر مراكز توزيع الأسئلة، التي لم تتشكل هذا العام أو يتم اختيار مسؤوليها وأعضائها، باعتبار أن الامتحانات ستكون إلكترونية.

وتجري نقاشات ومشاورات داخل وزارة التعليم، لأن يتم اختصار فترة الاختبارات التجريبية، لتنتهي في مايو، وليس يونيو، لتكون هناك فرصة كافية قبل امتحان نهاية السنة، لحسم الموقف النهائي قبل فوات الأوان، بحيث إذا تأزمت الأمور، يتم وضع أسئلة الامتحانات الورقية وطباعتها وتوزيعها، مع ضغط الوقت لإنجاز المهمة قبل حلول الأسبوع الأول من شهر يوليو.