تمثال أرسطو في مدينة ثيسالونيكي باليونان- صورة برخصة المشاع الإبداعي

"أفضل نسخة منك": أو السعادة وفق أرسطو

"من الصعب معرفة ما إذا كانت السعادة شيئًا يمكن تعلمه، أو أنه يمكن تحصيلها بالعادة أو من خلال تمارين أخرى، وما إذا كانت تتأثر من خلال تشارك بعض القيم السامية أو حتى بالمصادفة؟"

أرسطو


السعادة، دخان، سراب. القبض عليها باليد أمر عصي، لكنه ممكن أيضًا، إذا ما قبلت أن الأمر برمته يعتمد على إرادتك للسعادة، وأن لا حلول سحرية، بل فكرة عليك بنفسك أن تنفخ فيها الروح، أن تهبها عظامًا وجسدًا، لكن هل يجدي ذلك حقًا؟ إنها كتحولات كائنات أوفيد التي تظهر في كتاب مسخ الكائنات دائمة التبدل من هيئة إلى أخرى، حيث كل ملاك قابل أن يتحول لمسخ وبالعكس. حيث الدودة كامنة في الأساس بقلب الإنسان؟ فهل تنتبه؟

بإمكاننا على الأقل أن نضيق احتمالاتها النهائية، بسؤال شجاع: ما الذي يجعلني سعيدًا؟ تختلف الإجابة من فرد لآخر وفق استعداده ومزاجه وحساسيته وموقعه من الحياة، سواءً كانت إجابته شيئًا بسيطًا أو معقدًا؛ في الثروة أم في توافر خبز يومك؟ في إنتاج فن أو المساهمة في تحسين البيئة؟ في بناء قصر أم في زرع شجرة؟ في الحب، الصداقة، الأبوة، الأمومة، العزلة، التسلية، الفراغ، الإنجاز، السلطة، الانكفاء على الذات، انفتاحها على الآخر؟ أم في التوازن العاقل بين أشياء عدة؟ أم... فلنترك القوس مفتوحًا.

يقول فريدريك لونوار في كتابه في السعادة.. رحلة فلسفية، إن السعادة غالبًا ما تأتينا متنكرة على هيئة ما ينقصنا: الصحة للمريض، المال للفقير، تكوين أسرة للعزاب، التحرر من الزواج للمتزوجين، وهكذا.

لا يتعلق الأمر بالضخامة أو الضآلة، بل في ذلك الجزء العميق والصادق داخل عقلك، الذي يستجيب لما يسعده دون أن يفكر في معايير الآخرين، شريطة أن يدرك أن الأمر مماثل بالنسبة لهم.

معضلة كل حياة وكل لذة أنها خيار بين: الآن وفورًا أو الأبد.

وإذا كنا في المقال السابق، أوضحنا اعتراض ألبير كامو على فكرة أساسية عند أرسطو عن السعادة، بكونها تتعلق بالإنجاز، كشيء نعمل طيلة حياتنا من أجل تحقيقه. في رأي كامو أن ذلك لا يحدث إلا لقلة ويدين في أغلب الحالات لتقلبات الحظ، وأن من الخطأ ربط السعادة بمنجز نهائي، بل بالتفاصيل الكامنة في العملية نفسها. ورغم وعينا بأن لا معنى بالصعود بصخرة سيزيف إلى أعلى.

ولأن كاتب هذه السطور، لا يؤمن بوصفة ثابتة، بل يستعرض سبلًا في خلاء موحش وشاسع يدعى الحياة، قد تكون مفيدة للبعض، أو يجدها البعض آخر هراء لا يناسبه.

لذا دعنا نفحص تلك المرة عن قرب فكرة أرسطو.

اللذة في مقابل الهدف

رأى عدد من الفلاسفة اللذين سبقوا أرسطو أو تلوه أن اللذة هي الغرض الأقصى من الحياة، كأرستبس تلميذ سقراط، الذي طور مذهب المتعة أو اللذة، الفكرة التي أحياها جريمي بنثام في القرن الثامن عشر، عبر مذهب النفعية، الذي وضع الناس المتأثرين بقرارك في اتباع اللذة في الحسبان، لكن ظلت المصلحة الذاتية تغلب الإيثار، وهو الأمر الذي انتقده تلميذه جون ستيورات مل، ليطور النظرية في اتجاه يغلب إيثار المجتمع على المصلحة الذاتية دون أن يغادر الإطار العام: تعظيم اللذة.

لكن فَكِّر في اللذات القصيرة المدى مقارنة بالألم الطويل الذي تسببه على المدى البعيد: الإفراط في الطعام مثلًا؟ تعاطي المخدرات؟ الإفراط في ممارسة الجنس؟ بالتأكيد واجهت تلك المعضلة في حياتك، وهي معضلة كل حياة وكل لذة أنها خيار بين: الآن وفورًا أو الأبد.

إذا ورثت مليون جنيه مثلًا (يالسقف طموحات المرء) سيكون لديك عدد من الخيارات: أن تستمع بها كلها الآن وفورًا، أن تستثمرها لتصير مليارًا أو حتى أن تدخرها بالكامل حتى تستمع بها في شيخوختك، أو أن تكون سندًا لمستقبل أولادك، في كل الخيارات ثمة ألم ما. الآن وفورًا قد يعقبه ألم الندم لاحقًا. أما اختيار الأبد، فيعني ألم التأجيل.

في رأيي كل الخيارات الإنسانية صحيحة، شريطة أن يدرك المرء أن ثمة ثمن وأن يقبل دفعه بشجاعة دون عويل أطفال.

ما يخبرنا إياه أرسطو (وهو أمر تتعلق صحته من عدمه بخياراتك واستعدادك الشخصي) هو أن السعادة أكبر من مجرد متع لحظية، بل بناء طويل الأمد يعتمد على الفضيلة والأنشطة البناءة الموجهة نحو غاية.

ما الخير الأسمى؟

تحقيق السعادة وفق أرسطو، هي مهمة الوجود البشري وهدفه النهائي، وكذلك كل ما تدور حوله أفعالنا، أنت لا تفعل شيئا تعتقد أنه سيعود عليك بالضرر. لكنه لا يجعل من الأنشطة التي نظن أنها تحقق السعادة، كالثروة والسمعة الطيبة والنجاح هدفا نهائيًا بتحققه تتحقق السعادة، بل علينا أن نرغب في إدراك السعادة لذاتها وليس لأنها ستحقق شيئا آخر (هل يسمح لنا ذلك بالتفكير مرة أخرى بتعدد الخيارات والتحرر من معايير المجتمع للسعادة؟ إذا كانت الثروة لم تعد تحقق لك السعادة، فعليك أن تفكر فيما يجلبه لك السعي وراءها حقا، ومتى يجب أن تتوقف).

استخدم أرسطو لوصف تحقيق الخير الأسمى للإنسان مصطلح يودايمونيا Eudaimonia، الذي يترجم أحيانًا إلى السعادة أو الرخاء، لكنه يعني بشكل أكثر دقة: الازدهار أو النجاح، أي أنها مجمل إنجازك الشخصي.

ما يجب أن يسعى إليه المرء وفقًا لأرسطو هو تحقيق أفضل نسخة منه ومن إمكاناته، وهو ما يتطلب أن نقوم بتحليل واع لأهدافنا وسلوكنا، وأن ندرب العقل يوميًا على التصرف بشكل صحيح.

يرى المعلم الأول أنه لا يمكن للمرء أن يقول إنه عاش حياة سعيدة حتى تنتهي، لأن إمكانياته في الازدهار لم تنته بعد، "طائر سنونو واحد لا يجعل من الفصل صيفًا، ليس يومًا واحدًا أو وقتا قصيرًا يجعل الرجل مباركًا وسعيدًا " بحسب كتابه في الأخلاق إلى نيقوماخوس.


مونولوج كلنا عايزين سعادة- إسماعيل ياسين


"بإمكانك أن تبدأ في أي وقت"

يرى أرسطو أن الخير للإنسان ليس في لذة حواسه فقط، لأن الإحساس وحده وظيفة الحيوان لا الإنسان، أما وظيفة الإنسان التي امتاز بها هي العقل، دون أن ينكر عليه حق أن يملك شهوة أو رغبة، شريطة أن يخضعها لحكم العقل.

يقول إن ثمار الخير تأتي جنبًا إلى جنب مع عملية التعلم والجهد، يمكن لكل إنسان أن يمارس أسلوب حياة يجعله أكثر سعادة. عبر تطوير الفضائل القويمة داخله، إنماء العادات الحسنة من السلوك تماما كالنبات. أن نصير أفضل ولو كل يوم خطوة. أمرًا أهم من السعي وراء متع لحظية زائلة.

بلوتو ينظر لأرسطو، متحف ريكز أمستردام- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

تدريب النفس على تبني القيم السلوكية الحسنة، هو قرار بالإمكان اتخاذه في أي نقطة من حياتنا، فنحن لم نولد كأشخاص جيدين أو سيئين، عبر مران العقل على ضبط النفس وتحكيم العقل والتزام أوامره يمكن ترويض الشهوة وتذليلها، فكلما طال وضع الشهوة تحت نير العقل اعتادت ذلك؛ ولهذا علق أهمية كبرى على العادة، وقال إن تدريب الإنسان على العادات الطيبة هو السبيل الوحيد لتكوين الإنسان الطيب، إذا كنت تستجيب بطريقة ودية، عن قصد، لكل شخص تقابله، فستبدأ في القيام بذلك دون وعي لاحقًا، مما ينعكس بأثر السعادة على نفسك وعلى الآخرين.

التوازن

لم يستبعد أرسطو أيضًا خيار التوازن بين لذة الآن ولذة الأبد، بل رأى أن من حق الإنسان أن يمارس أي لذة تسعده شريطة أن يخضعها لشرط العقل، أن تكون أمرا وسطا بين شيئين.

الفضيلة وفق أرسطو هي الصفات المتأصلة في العقل وشخصية المرء، وليس مجرد التصرف وفق ما نعتقد أنه السلوك الصحيح، ويعرفها بأنها كل حد متوسط بين متناقضين: الشجاعة مثلًا، هي الوسط بين التهور والجبن، الكرم، هو شيء وسط بين الإسراف والبخل. وكذلك الشهوات التي لم ينكر وجودها.

حتى الغضب والانتقام، يعتقد أرسطو أنهما مشاعر لا غنى عنها من أجل صحة النفس، شريطة أن تكون وسطًا بين شيئين.

مثلا من الجيد أن تتحلى بالصبر عند مواجهة الغضب، ولكن بين الحين والآخر عليك أن تظهر قدرًا ضئيلًا من الغضب.

الشهوة الجنسية ضرورية لازدهار الشخصية، لكن بعد أن تخضع لحكم العقل، فكل ما هو مفرط أو غير كاف يؤدي إلى التعاسة.

الشيء الوحيد الذي يستثنيه أرسطو من حالة الوسط بين الإفراط والنقص: هو العدل.

حب النفس

يشترط أرسطو ألا تتحول الفضيلة إلى عائق في حياتك، لا يجب أن يظلم المرء نفسه أو يعاني منها طواعية، كما لا يمكنك أن تطلب من الآخرين أن يعاملوك بشكل عادل دون أن تحب نفسك أولًا، ويعلي من تلك القيمة على الصداقة (التي يراها أيضًا ضرورية لازدهار الذات).

كما أن النجاح أو تراكم الإنجاز مشروط كذلك بالفضيلة الأخلاقية، فأرسطو الذي عاش أجواء المؤامرات والدسائس في بلاط الطاغية فيليب الثاني ملك مقدونيا، كان يدرك كيف يبدو الأشخاص غير الأخلاقيين، أنهم غالبًا ما يملكون ذواتًا بائسة، لا يعوضها ما امتلكوه من ثروة أو ما حققوه من قوة أو نجاح.

يقول في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس "لا يمكن أن يسمى رجلًا ما سعيدًا إذا لم يكن لديه شيء من الشجاعة والاعتدال والحشمة والحس السليم، أو إذا لم يستطع الامتناع عن الأعمال الفظيعة من أجل إشباع الرغبة في الأكل أو الشرب، أو أن يفسد علاقته مع أعز أصدقائه من أجل فلس واحد".