رسم هشام عبد الحميد - المنصة

يوميات 19 شهرًا من الحبس الاحتياطي| الدفس والتدوير وصلاح عبد الصبور (18)

منشور الأحد 28 نوفمبر 2021

عدت للسجن بعد أول جلسة لتجديد الحبس مع عودة المحاكم للعمل عقب التوقف بسبب الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، كانت الطوابير طويلة على غير المعتاد، أساسًا بسبب ضخامة عدد السجناء الذين كان من الضروري تجديد حبسهم حضوريًا للمرة الأولى منذ نحو ستة شهور، وكذلك بسبب تشديد إجراءات التفتيش.

في السجن القاعدة التي تطبقها السلطات هي "السيئة تعم والحسنة تخص"، أي أنه عند ارتكاب سجين لمخالفة ما عن طريق ابتكار حيلة جديدة لتهريب الممنوعات كالهواتف والمخدرات مثلا، أو لارتكاب أعمال عنف وشغب، فإن جميع السجناء يدفعون عواقب هذا الابتكار، وتعم السيئة. عندما جاء دوري للتفتيش الذاتي، فاجأني المخبر أنه بجانب تفعيص كل جزء من جسمي بيديه، سيتم أيضا تعريضي لأشعة إكس  لمنطقة المعدة.

استغربت جدًا من ذلك الإجراء الذي لم أتعرض له شخصيًا من قبل في السجن، وإن كنت سمعت من زملاء عن تعرضهم له بانتظام بعد كل جلسة تجديد. وعندما ألححت على معرفة السبب، قال المخبر إنه في اليوم السابق وأثناء أخذ صورة أشعة لمسجون جنائي تبين وجود ثمانية هواتف محمولة صغيرة وبطاريات في معدته هربها عن طريق "الدفس". 

لم يستوعب عقلي ما يقوله المخبر، ولم أتخيل كيف يمكن لإنسان تهريب هواتف محمولة في معدته عن طريق دفعها من فتحة الشرج بعد تغليفها. ولكني تذكرت على الفور القصص التي كنت أقرأها في الصحف عن ضبط مسافرين في مطار القاهرة يحملون نصف كيلو وربما أكثر من المخدرات عن طريق "الدفس". وكان هؤلاء يتم اكتشافهم عادة عن طريق الاضطراب البادي على وجوههم في أثناء الإجراءات. ولكن أن يتم دفس ثمانية هواتف دفعة واحدة مهما بلغ صغرها! يا للهول.

ولكن اذا عرف السبب، بطل العجب. فالهاتف الصغير جدا غير المتصل بالإنترنت والذي قد لا تتجاوز قيمته 100 أو 150 جنيه في خارج السجن، يتراوح ثمنه بين ثمانية آلاف إلى عشرة الآف جنيه داخل السجن. وقد يتشارك نزلاء عنبر بأكمله في شراء هاتف محمول صغير. ويتم تخصيص يوم أو أقل لكل زنزانة لاستخدام الهاتف، وعادة ما تجري المكالمات بعد إغلاق العنبر في الخامسة مساءً. ولو كان المساجين من ميسوري الحال يمكنهم شراء هاتف ذكي متصل بالانترنت، وهذا يتراوح ثمنه بين عشرين وثلاثين ألف جنيه، بينما قد لا يتجاوز ثمنه خارج السجن ألفين أو ثلاثة. الاتجار في الهواتف داخل السجن يدر دخلًا أكبر بكثير من الاتجار في المخدرات بعد تهريبها.

المخبرون الذين يفتشون الزيارات القادمة من أسر السجناء يقومون كذلك بقسم التفاح والخيار وثقب ثمرات الفلفل الرومي، حيث سبق لمساجين تهريب مخدرات أو شرائح هاتف في تلك الثمرات. ويمكنك أن تطلق لخيالك العنان كيف يمكن قسم تفاحة أو خيارة ووضع مخدرات بداخلها ثم لصقها مرة أخرى وإعادتها لشكلها الطبيعي. غالبا يراهن المهرب على مرور الخيارة التي تحتوي الممنوعات وسط الثمرات الأخرى، ولكن يشاء الحظ العاثر أحيانًا ألا ينتقي المخبر سوى تلك الثمرة، وتكون النتيجة بعد ذلك أن تأتي كل ثمرات التفاح والخيار والفلفل الرومي للمساجين في الزيارات مقسومة أو مثقوبة. السيئة تعم.

رأيت رئيس مباحث السجن واقفًا بجوار المأمور على بعد عدة أمتار أثناء جدالي مع المخبر. توجهت نحوه فورًا طالبًا منه استثنائي من إجراء الأشعة، وأنه من غير المتصور أن يقوم السجناء السياسين ومنهم أساتذة جامعات وصحفيين ومحامين ورجال أعمال بـ "الدفس". عادة لا يتعامل مع السجناء السياسين سوى ضابط الأمن الوطني، وهو الذي يمنح ويمنع كما يشاء، ولكن رئيس مباحث السجن كان يتعامل مع السجناء السياسين باحترام، مدركًا أننا في السجن لظروف استثنائية ولسنا من عتاة الإرهابيين أو المجرمين. ابتسم لي وأنا أؤكد له استحالة أن نلجأ لطرق ملتوية ومؤلمة لتهريب الهواتف، وأمر المخبر أن يعيدني للزنزانة دون تعريضي للأشعة، والاكتفاء بتمرير جهاز كشف المعادن الصغير على جسمي ومعدتي.

أيضًا مع استمرار انتشار وباء كورونا وتزايد أعداد الوفيات والمصابين في الخارج، خابت توقعات السجناء، سياسين وجنائيين على حد سواء، بإمكانية إخلاء سبيل أعداد كبيرة من السجناء ضمن الإجراءات الاحترازية كما فعلت العديد من دول العالم. ولذا لجأ بعض السجناء الجنائيين إلى حيلة جهنمية تقوم على خلط الحلاوة الطحينية التي تنتشر بكثرة في السجن مع الشطة الحمراء لزيادة درجة حرارة الجسم لكي يبدو عليهم أعراض الإصابة بالفيروس فتضطر إدارة السجن لاخلاء سبيلهم، أو نقلهم على الأقل للمستشفى بعيدًا عن الزنزانة لعدة أيام. عرفنا بتلك الحيلة عندما أخبرنا السجين الذي يقوم بتوزيع البضائع التي نطلبها من كافيتريا السجن أنه تقرر من الآن فصاعدًا منع بيع أكياس صغيرة من الشطة الحمراء كنا نحصل عليها بانتظام، ولاحقا تم منع بيع الفلفل الأسود، لأنه أيضا سلاح فعال في المشاجرات التي تجري بين السجناء في عنابر الجنائيين، إلى جانب المعادن الحادة.

كان قد مر عام كامل تقريبا على حبسي، وهو موعد آخر وهمي كنت افترضته لإخلاء سبيلي، متصورًا أن الجهة أو الشخص الذي أمر بسجني سيكتفي بعام واحد عقابًا لي على ما رأى أنه تجاوزات تفوهت بها أو كتبتها على مواقع التواصل الاجتماعي أو في مقابلات تلفزيونية. وكان الصديق والمحامي خالد علي تقدم كذلك بالتماس للنائب العام يطالبه بإطلاق سراحي بعد وفاة شقيقتي، موضحًا ضرورة وجودي بجوار والدي الذي يتلقى علاجًا لمرض السرطان، ويبلغ من العمر 83 عامًا. ولكن هيهات.

في نفس التوقيت تقريبًا، جاءنا من الخارج كتاب الأعمال المسرحية الكاملة للشاعر صلاح عبد الصبور. لم أعتد قراءة الشعر، ولست من متذوقيه، رغم أن جيلي من الناحية العمرية تربى على أهمية الشعر والشعراء. ولكن الراحل صلاح عبد الصبور لا يكتب شعرًا وحسب بل فلسفة، ونظرات عميقة للحياة والنفس البشرية المعقدة. 

كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها مسرحية ليلى والمجنون، التي صدرت في 1972. تحكي المسرحية عن العلاقات المتشابكة بين مجموعة من الصحفيين يعملون في جريدة في فترة ما قبل 1952 والإطاحة بالملك فاروق على يد الضباط الأحرار. ومن بين الشخصيات "حسام" الذي تعرض لتجربة اعتقال قاسية بسبب آراءه، وخرج من السجن ليصبح جاسوسًا على زملائه وينقل أخبارهم للأمن. يهاجمه زميله حسان بعد اكتشاف أمر خيانته، ليرد عليه حسام محاولا تبرير موقفه:

"حسان .. أرجوك إنك لا تعرف ما السجن...

 لا تعرف معنى أن ينغرس القفل الصلب بأعصابك حتى تتحطم رأسك

 أن تلقيك الأيام الفاقدة المعنى والاسم فى أيام فاقدة المعنى والاسم

حتى تخشى أن تصحو يومًا لا تعرف من أنت".

ويضيف "حسام" في وصف دقيق لما كنت شخصيا أشعر به تجاه "الحبس الاحتياطي" المفتوح، وعدم وجود موعد متوقع لإنتهاء هذه المحنة:

"ما كنت سجينًا، يحسب أيامه

يسقط يومًا فيعدّ،

كم بقي على الموعد

تتعلق عيناه في حبل الغد

يتوقع يومًا أن يأتي السجان، وفي عينيه

 نظرة إنسان في عيني إنسان،

 بل معتقلًا

 لا يدري هل يبقى عامًا أو أعوامًا أو أجيالًا حتى يتحلل

في الأسفلت الأسود

سيان لديه اليوم الواحد والأبد الممتد"

هل سأبقى عامًا آخر، أو أعوامًا حتى أتحلل؟ لم يكن هذا السؤال فلسفيًا، شعريًا، بل واقعًا عمليًا. هناك أصدقاء وزملاء عديدين انقضت فترة حبسهم الاحتياطي، والتي كنا نفترض أنها عامين بحد أقصى وفق القانون، ولكنهم ما زالوا في السجون. إذن التجربة لن تمتد عامين وحسب حتى لو قبلنا بأسوأ الظروف، ونحن لم نرتكب ما يستحق قضاء يوم واحد في السجن من الأساس.

وقرب نهاية العام 2020، وبينما كان المحامون في الخارج يبشرون بقرب خروجنا بعد الانتخابات البرلمانية، كان كل ما يبلغنا في السجون هو المؤشرات السيئة، تحديدًا في ما يتعلق بما يعرف بـ"تدوير" السجناء السياسين في قضايا جديدة بعد انتهاء العامين. 

كانت دوائر الإرهاب التي تنظر في تجديد حبس المتهمين في القضايا السياسية تأمر أحيانًا بالإفراج عن سجناء أمضوا عامين في السجن الاحتياطي. ولكن فور أن يحدث ذلك، يتم الإفراج عنهم على الورق فقط بموجب قرار المحكمة، وفي اليوم التالي يتم اصطحابهم لنيابة أمن الدولة العليا حيث يواجهون اتهامات شبيهة كمشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل، ولكن في قضية جديدة تحمل رقمًا جديدًا، ثم تبدأ نفس الدورة: تجديدات لمدة 15 يوما أمام نيابة أمن الدولة تمتد خمسة أشهر، ثم المثول أمام دوائر الإرهاب لتجديد الحبس 45 يوما في كل مرة، وهكذا.

 

تم اتهام زياد بنشر أخبار كاذبة وأتت النيابة للسجن للتحقيق معه، وأحالته للمحكمة التي قضت بحبسه عامًا. فأصبح الوحيد بيننا الذي يرتدي الأزرق. كان يحضر جلسات قضية الأمل بالأزرق حتى انتهى العام، ثم عاد لارتداء الأبيض. ربما يكون الأمر برمته نظريًا ولكنه ليس كذلك بالنسبة للسجين.

كنا نسمع عن "التدوير" الذي تتعرض له الزميلات والزملاء مثل ماهينور المصري وإسراء عبد الفتاح وسلافة مجدي وعمرو إمام وآخرين، واتهامهم بتشكيل تنظيم من داخل السجن، ونتساءل إذا ما كنا سنلقى نفس المصير. من سيتعرض للتدوير، ومن سينجو من تلك المقصلة؟ الزميل زياد العليمي كان تعرض بالفعل لعملية تدوير بينما هو قيد الحبس الاحتياطي في قضية الأمل. 

تم اتهام زياد بنشر أخبار كاذبة في مقابلة تلفزيونية وأتت النيابة للسجن للتحقيق معه، وتمت إحالته للمحكمة التي قضت بحبسه عامًا. وكان الوحيد بيننا الذي يرتدي الزي الأزرق الخاص بالمحكومين، على عكس السجناء الاحتياطيين الذين يرتدون الزي الأبيض. كان زياد يحضر جلسات تجديد حبسه في قضية الأمل بالزي الأزرق، وبقي كذلك حتى انتهى العام، ثم عاد لارتداء الزي الأبيض. ربما يكون الأمر برمته نظريًا، وسواء ارتديت أبيض أو أزرق فأنت في السجن. ولكن بالنسبة للسجين يكون الأمر مختلفًا، ويبقى الزي الأزرق المكتوب على ظهره "نزيل" أثقل وطأة من الأبيض المكتوب على ظهره "احتياطي".

في مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، فوجئت أنا والدكتور حازم حسني بفتح باب الزنزانة فجأة. كان أمامنا مخبران وضابط مباحث وجها لي الأوامر بسرعة جمع متعلقاتي للانتقال للزنزانة المجاورة مع زياد العليمي، على أن يحل محلي حسام مؤنس في الإقامة مع الدكتور حازم حسني. أما الرفيق هشام فؤاد والذي كان النزيل الثالث في زنزانة حسام وزياد منذ إلقاء القبض عليهم في نهاية يونيو/ حزيران 2019، فتم نقله للإقامة مع الممثل طارق النهري، والذي كان يقضي حكمًا بالسجن خمسة عشر عامًا بعد إدانته في أحداث رئاسة مجلس الوزراء في العام 2012. 

يسمون هذه التنقلات في السجن عملية "إعادة تسكين"، وبدت لنا غير مفهومة وغير مبررة، خاصة أننا بقينا جميعًا في نفس العنبر، وظل بإمكاننا التواصل مع بعضنا البعض. ووسط ملل السجن، وساعات الحبس الطويلة في زنزانة ضيقة، يعد الانتقال إلى الإقامة مع زياد تغييرًا محببًا، فرحبت به. 

عرفت زياد فقط بعد ثورة 25 يناير، وكان ممثلًا مفوهًا لجيل الشباب الذي تصدر الثورة، إلى جانب نجاحه الباهر في الفوز بمقعد في انتخابات أول مجلس للنواب بعد الثورة عام 2012. كما تصادف حضورنا  مؤتمرات تتعلق بحقوق الإنسان في العالم العربي في المغرب وتونس في الأعوام التالية بصحبة أصدقاء آخرين. 

زياد لا يتميز فقط بروحه المرحة والساخرة، ولكنه أيضا متذوق جيد للطعام ويجيد ويحب طهي أطعمة متنوعة، وهو ما يساعد في قتل الوقت في اليوم الطويل. وكان هناك يوم يخصصه زياد كل شهر لتعاون زنازين السجناء السياسيين لإعداد وجبة كشري فاخرة. زنزانة تقوم بإعداد الأرز والصلصة والبصل المحمر، وأخرى تسلق المكرونة، وثالثة تتولى إعداد العدس والحمص، ورابعة تتولى جمع تلك المكونات في علب بلاستيكية لتوزيعها على المشاركين. ربما يبدو الأمر تافهًا، ولكنه نشاط يجعل اليوم مزدحمًا، ويشمل اتصالات مع المسير والشاويشية والمخبرين لتسهيل انتقال المكونات بين الزنازين. كما أنه بانتقالي للإقامة مع زياد، تبادلنا حكايات ونقاشات جديدة ومطولة ساهمت بدورها في التخفيف من حدة الملل داخل السجن. 

وتزامنا مع حركة "إعادة التسكين"، صدرت الأوامر بالتوقف عن السماح للسجناء السياسيين في العنبر  بالخروج في وقت واحد للتريض جماعة، وعدنا لنظام قديم يتم بمقتضاه خروج نزلاء كل زنزانة منفردين لمدة ساعة بداية من الساعة الثامنة صباحًا. ويتغير هذا الموعد مرة كل أسبوع لأن دائما هناك من لا يفضل الخروج في التريض صباحًا، خاصة في فصل الشتاء. 

كان الزملاء يتعاملون بشكل مختلف مع ساعة التريض، البعض يفضل التوجه لزنازين الزملاء للتحدث والمزاح، بينما كنت أعتبر ساعة التريض هي المناسبة الوحيدة لتحريك عضلاتي المتيبسة، ولم أكن أتوقف عن الدوران في ساحة العنبر مشيا وركضًا قدر المستطاع، وقدر ما يسمح به اقترابي من منتصف العقد السادس من العمر.

اقترب شبح التدوير منا كثيرًا في مطلع شهر نوفمبر، حين توجهت لحضور جلسة تجديد بصحبة الدكتور حازم حسني. كان المحامي خالد علي قد صمم أن نتحدث أمام القاضي مباشرة في محاولة لإقناعه بإخلاء سبيلنا بعد مضي حوالي عام وشهرين على حبسنا. سبقني للحديث أمام القاضي محامٍ محبوس احتياطيًا قال لي قبل الجلسة إنه محبوس بسبب خلاف بينه وبين شخصية ما في حزب قريب من النظام. وتساقطت الدموع من عينه وهو يسرد أمام القاضي علاقته الوثيقة بالأمن الوطني وحبه الشديد للرئيس عبد الفتاح السيسي وكيف أنه كان من المشاركين في دعم حملته لتجديد فترة الرئاسة في العام 2018، ولاحقًا لتعديل مواد الدستور للسماح له بمد فترة الرئاسة الثانية عامين والترشح لفترة ثالثة مدتها ست سنوات. مازحه القاضي قائلا "يعني مش حلاقي عندك على فيسبوك بوستات كده كده؟" ورد المتهم "أبدًا والله يافندم".

جاء دوري. كل بوستاتي على فيسبوك "كده كده". ولم أجد داعيا للإنكار فبالتأكيد تلك البوستات مفصلة ومرتبة في ملفي أمام القاضي. قلت للقاضي "أنا يافندم علاقتي بالأمن الوطني مش كويسة، ومعارض للرئيس، بس في إطار ما يسمح به القانون والدستور، ولم ارتكب أي مخالفة، ولا علاقة لي بأي جماعة إرهابية، ولم أنشر أخبار كاذبة، ولم أسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. أعمل صحفيًا وأستاذًا جامعيًا غير متفرغ، ولا توجد أي مبررات لاستمرار حبسي احتياطيًا وأطالب بإخلاء سبيلي".

كما توقعت، لم يبتسم القاضي أو يمازحني. فقط طالب الأمن بإعادتي للحبسخانة من حيث أتيت. جاء دور الدكتور حازم حسني، ولكن كانت المفاجأة أنه تم إعادته خطأ للسجن قبل مثوله أمام القاضي. عدت للسجن مع بقية الزملاء، وفي طريقي للدخول إلى العنبر، وجدت دكتور حازم حسني أمامي متوجها مرة أخرى للمحكمة. لم نكن نفهم شيئا، ولكن هذا هو الطبيعي والمعتاد.

عاد الدكتور حازم لزنزانته، وتوقعنا أنه تم التجديد لنا جميعا كما كل مرة. ولكن بعد ثلاثة أيام فقط، فوجئنا باصطحاب الدكتور حازم مجددا لجلسة محكمة. لم نفهم. لقد تم التجديد له للتو 45 يوما. هل قام محاميه باستئناف القرار؟ ربما. 

لم يتم اصطحاب الدكتور حازم للمحكمة، بل لمقر نيابة أمن الدولة العليا حيث تبين أنه تم إخلاء سبيله من القضية 488 وتدويره في قضية جديدة رقم 955. وكانت هذه هي أول جلسة تحقيق في القضية الجديدة أمام نيابة أمن الدولة، وستليها جلسات مماثلة كل 15 يوما. ولم تمضِ أيام أخرى حتى تم اصطحاب دكتور حازم للمرة الثالثة إلى النيابة، ولكنها كانت هذه المرة النيابة العامة لاتهامه بنشر أخبار كاذبة في مقابلة تلفزيونية، وهي قضية شبيهة بتلك التي تلقى بموجبها الزميل زياد العليمي حكمًا بالسجن لمدة عام. قضيتان جديدتان دفعة واحدة للدكتور حازم؟ هل سيكون هذا مصيرنا جميعًا؟ متى يأتي دوري في "التدوير"؟ هل سأصحو يومًا لا أعرف من أنا،  كما قال صلاح عبد الصبور، سيان لدي اليوم الواحد والأبد الممتد؟  


الحلقة 1: زي ما انت

الحلقة 2: احكيلنا عن نفسك

الحلقة 3: أجواء ما قبل الحبس

الحلقة 4: سريرك سقف الحمام

الحلقة 5:  أنت في الإيراد  الحلقة 6: عد على صوابعك 150 يوم الحلقة 7: مش هترجعونا السجن بقى؟

الحلقة 8: عندك مطلب غير إخلاء السبيل؟

الحلقة 9: القادمون الجدد الحلقة 10: لو كان الوقت رجلًا الحلقة 11: لعبة الأمل

الحلقة 12: كورونا.. الثقب الأسود

الحلقة 13:  كورونا؟ خليها على الله

الحلقة 14: وإنا على فراقك لمحزونون

الحلقة 15: مع الله والقرآن الحلقة 16: خطابات السجن وخناقاته

الحلقة 17: الموت عرقًا

الحلقة 19: إقامة قصيرة

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.