جال جادوت في دور وندر وومان. الصورة: IMDB

إسرائيل براند: ملصقات دعم المثليين لا تغسل الأيدي من الدماء

عام 2007، تصدرت صورة النجمة الهوليودية الإسرائيلية جال جادوت أغلفة المجلات كملكة جمال إسرائيل لذلك العام، بينما نُشرت صورة أخرى لأربعة شباب ممشوقي البنيان، كانت تلك هي صورة إسرائيل في الحملة التي انطلقت برعاية الحكومة والوكالة اليهودية باسم Brand Israel.

وكان الهدف من نشر صورة جال جادوت، التي أصبحت وجهًا سينمائيًا معروفًا للكثيرين فيما بعد بسبب لعبها دور Wonder Women في عالم Marvel السينمائي الشهير، هو أن تستخدم صورتها لجذب الشباب الأمريكي للدولة العبرية بوسمها الجديد، أما ترويج تلك الصورة للشباب الأربعة كانت بمثابة ترويج لتل أبيب على أنها عاصمة المثلية الجنسية في إسرائيل، وكانت كل تلك مساعٍ لترويج صورة جديدة أخرى عن إسرائيل.

ولكن لا يتوقف النشاط الإسرائيلي في قضية المثلية الجنسية عند العام 2007 بالطبع، ففي الرابع من يناير/ كانون الثاني من العام الجاري، أعلن وزير الصحة نيتسان هورويتسز عن حق جميع مواطني إسرائيل استئجار الأرحام، بما فيهم الآباء غير المتزوجين، والأزواج من نفس الجنس، والمتحولين جنسيًا، ووُصف القرار بأنه قرار تاريخي في نضال حركة المثلية الجنسية داخل إسرائيل. إذن تلك الصورة التي ترسمها إسرائيل عن نفسها كواحة خضراء تتسع للجميع في منطقة متفجرة، لازالت جهدًا قائمًا للحكومة الإسرائيلية.

إسرائيل كعلامة

يستعرض الفيلسوف والمؤرخ إيلان بابيه في كتابه فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة تاريخ حملة إسرائيل براند التي بدأت في صيف العام 2005 حين فرغ وزير الشؤون الخارجية ومكتب رئيس الوزراء ووزير المالية من مناقشات استمرت سنوات ثلاثة مع رؤساء تنفيذيين في شركات تسويق أمريكية، وتم الاتفاق على الحملة التي تستهدف إعادة رسم صورة البلاد من لجعلها مقبولة وحديثة، بدلًا من كونها عسكرية أرثوذكسية منغلقة.

وفي سبيل ذلك خصصت إسرائيل مبالغ طائلة للتصدي لما وصفته النخبة الأكاديمية والسياسية هناك بأنه "حملة عالمية لتقويض شرعية الدولة اليهودية"، التي كانت بدأت تهتز من حملة المقاطعة BDS والتي انطلقت من جنوب أفريقيا في 2005 أعقاب انتفاضة الأقصى الثانية، وانتشار صور الضحايا الفلسطينيين وبشاعة القمع المرتكب من الأمن الإٍسرائيلي في وجه المتظاهرين الفلسطينيين، الذين تصدرت صورة مأساتهم وفاة محمد الدرة.


عن حملة براند إسرائيل


كانت المهمة الأساسية للحملة جعل إسرائيل تبدو للعالم كأنها جنة على الأرض وحلم صار حقيقة، وأن تربط إسرائيل بكل ما هو جميل وممتع ومتقدم تقنيًا، هذه النسخة الجديدة التي تعبر عن إسرائيل، وكان رسل تلك الحملة موزعين في العالم كله في شكل مؤسسات ضخمة، وكان أحد تلك المؤسسات هي "مشروع ديفيد" في أمريكا الشمالية، والتي نشطت في الترويج للحملة بين طلبة الجامعات، وقامت بالعديد من الأنشطة أهمها معالجة النظرة إلى إسرائيل بصفتها واحدة من أكثر الدول المكروهة في العالم كإيران وكوريا الشمالية، والتركيز بدلًا من ذلك على أنها بين الدول الخمس والعشرين الأولى التي يشعر سكانها بالسعادة للعيش فيها.

وشعر فريق إسرائيل براند أن تاريخ إسرائيل هام جدًا ويمكن الاستفادة منه في تلميع الصورة في القرن الحادي والعشرين، فظلوا يُصدّرون الحديث عن المعالم السياحية الأثرية في إسرائيل باعتبارها موطنًا لأهم المعالم التاريخية والدينية في العالم، كالحائط الغربي وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى ومعبد البهائيين في حيفا، كما أنها تتمتع بمقاييس متقدمة لجودة الحياة، ولا سيما أن قيمها الديمقراطية تضمن العيش المشترك والمشاركة السياسية لكل المواطنين وتمثيل المرأة والأقليات الدينية والعرقية، في الوقت الذي كانت تدور فيه النقاشات في وسائل الإعلام عن إسرائيل بصفتها دولة استعمارية غاصبة وقمعها باطش، وكان السؤال الأهم لحملة إسرائيل براند هو كيف تتصدى لتلك الصورة؟

ظهر الجواب بالفعل في موقع وزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية، حيث اقترحت الوزارة ترك الاعتماد على الحقائق والمعلومات والحجج الأخلاقية، والتركيز عوضًا عن ذلك على خلق براند لإسرائيل والتسويق له كمنتج من المنتجات، وتكلم جدعون مير المسؤول في الوزارة عام 2007 في حوار مع جريدة هآرتس الإسرائيلية أوردها إيلان بابيه في كتابه، قائلًا إنه يفضل أن يرى اسم إسرائيل في قسم الاستايل والموضة في الصحيفة، وأن ذلك بالنسبة له أفضل من ظهوره على الصفحة الأولى.

ويقصد بذلك أن تتجنب أي حملة علاقات عامة لصالح إسرائيل الحديث عن الصراع الدائر أو التطرق إلى القضية الفلسطينية، وكان هذا ما حدث بالفعل حيث كانت التوجيهات لمؤسسة تدعى "إسرائيل القرن 21" في كاليفورنيا بالعمل على إعادة توجيه الحوار حول إسرائيل وتسليط الضوء على الجهود الإسرائيلية في شتى المجالات.

كان تركيز الحملة جهودها على أوروبا والولايات المتحدة بشكل أكثر كثافة، حيث شعروا أن جهود تقويض الشرعية كلها أتت أكلها وأثمرت في الولايات المتحدة، وذلك بخلاف ما قد يعتقده المرء من أن الإسرائيليين يرون في الولايات المتحدة حصنًا حصينًا دائم التحيز لإسرائيل.

وسبق أن قال خبير مجال العلاقات العامة في الحملة، ديفيد سارانجا، لمجلة PR WEEK إن إسرائيل تستهدف في حملتها مجموعتين أساسيتين؛ الليبراليين والشباب من عمر السادسة عشر حتى الثلاثين، وهذا ما يفسره أن تتصدر صور الحملة جال جودت العارية، والشباب المثليين بملابس السباحة.

لم تكتف الحملة بتوظيف خبراء العلاقات العامة والتسويق من الولايات المتحدة، بل قامت بعمل برنامج يسمى "السفير" وتقوم فكرته على منافسة بين المشاركين في التصفيات على مدى ثلاثة عشر أسبوعًا، ينال الفائز منهم عرض عمل مع مجموعة مناصرة صهيونية تدعى "إسرائيل في القلب"، لربط الدبلوماسيين بأفضل الكفاءات الإسرائيلية الشابة، ومن بين أنشطة المبادرة كان إرسال يهود فلاشا للحديث في كنائس الأمريكيين السود، وأوكلت تلك المهمة من بعد لطلاب من المدراس الثانوية الإسرائيلية، وذلك قبل عصر الفلوجر والذي تستخدمه إسرائيل بشكل جيد وفعال الآن من خلال مؤسسات مثل ناس ديلي ومذيعها الشهير نصير ياسين.

الغسيل الوردي

سعت المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية لكتم الدعوات التي تنادي بمقاطعتها في بداية الألفية الثالثة، من خلال تعاونها مع جماعات المثليين الضاغطة حول العالم، وهي مساع عرفت آنذاك باسم الغسيل الوردي Pink Washing.

لا تسير الأمور بتلك البساطة، وليس لمجرد أن إسرائيل أعلنت أنها عاصمة للمثليين يكون ذلك كافيًا لتبييض صورة إسرائيل.

وهناك تعاون بدأ عام 2010 للتأثير على مجتمع المثليين من خلال التأكيد على أن تل أبيب وجهة محببة وصديقة للمثليين من كلا الجنسين، وأنها الوجهة المفضلة لمجتمع المثليين ومزدوجي الميول والمتحولين جنسيًا من أوروبا، وتعاون في تلك الحملة وزارة السياحة وهيئة تشجيع السياحة في تل أبيب، وأكبر منظمة للمثليين في إسرائيل "أجودة" وأطلق على الحملة اسم "اللحظة المثلية في تل أبيب"، ولكنها قوبلت بهجوم أيضًا حيث اتُهمت بكونها حملة غسيل وردي تسعى لاستغلال حقوق المثليين لشرعنة الاضطهاد المستمر للفلسطينيين.

ومن بين هذه الحملات الدعائية، الإشارة إلى تل أبيب باعتبارها أفضل مدينة صديقة للمثليين في الغرب، وهذا لقب استطاعت أن تحوزه المدينة فعليًا، وتلقت هذه الحملة دعمًا مكثفًا من الحكومة الإسرائيلية بغية أن تفشل جهود المقاطعة لإسرائيل، وبرزت بعض المجموعات منها مجموعات ذات تأثير في الولايات المتحدة رفضت في المشاركة في براند إسرائيل.

ليست بتلك البساطة

لا تسير الأمور بتلك البساطة، وليس لمجرد أن إسرائيل أعلنت أنها عاصمة للمثليين يكون ذلك كافيًا لتبييض صورة إسرائيل، ففي الواقع يتخذ النضال المِثلي أشكالًا ضد حكومة إسرائيل نفسها، وضد استخدامهم كدمى للسياسة الإسرائيلية.

في تقرير نشرته مؤسسة كارنيجي عام 2016، كان هناك تسليط ضوءٍ يكشف عن بعض مما لا يعرفه العالم عن "عاصمة المثليين المثالية".

شارك 25 ألف شخصًا في "مسيرة فخر" في القدس ليسلطوا الضوء على أن إسرائيل ليست بلدًا آمنًا على الإطلاق للمثليين ومزدوجي الميول الجنسية والمتحولين، ويمكننا أن نرى من التقرير أيضًا أن إسرائيل شرعت في عمليات ابتزاز للحصول على المعلومات من مثليي الجنس الفلسطينيين الذين يطلبون لجوءًا داخل إسرائيل، كما أن مثليي إسرائيل ليسوا في أمان تام، حيث للحاخامات داخل إسرائيل نوع من أنواع السُلطة النافذة التي تطلق خطابات كراهية ضد المثليين دون عقاب من الحكومة، تلك الخطابات التي تسببت في جرائم قتل ضد أشخاص مثليين، أو مجرد داعمين لحقوقهم، دون أن يحصلوا على حكم مشدد في السجن.

كان رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو يحب أن يكرر دائمًا شعاره "في منطقة تُرجم فيها النساء، يُشنق فيها المثليون، ويُضطهد فيها المسيحيون، تبرز إسرائيل وحيدة كساحة أمان" ما جعل الصحفي الإسرائيلي يواف سافان يكتب مقالًا كاشفًا لحقيقة حكومة نتنياهو وموقفها من المثليين، حيث كشف أن نتنياهو ينافق في شأن قضية المثليين، فالرجل الذي يتغنى بإسرائيل الحامية لحقوقهم، هو الذي رفض مرتين اقتراح إدراج الميول الجنسية كجزء من مشروع قانون لمناهضة التمييز.

على المستوى الدولي أيضًا، يبدو أن عملية الغسيل الوردي لا تحقق نتائجها بتلك البساطة التي تظهرها صور الدعاية لإسرائيل المثالية للمثليين وغيرهم، فجمعية "مثليو الجنس ضد الفصل العنصري" في تورنتو بكندا كان لها دور كبير في تثقيف الكنديين حول ماهية الصراع العربي الإسرائيلي، وحقوق الفلسطينيين، وما الذي تعنيه عملية الغسيل الوردي الذي يستغل المثليين كواجهة، ونظمت تلك الجمعية العديد من المسيرات في كندا والولايات المتحدة الأمريكية والتي كان لها تأثيرًا في الوعي بقضية فلسطين، كان آخرها المسيرة التي انطلقت في نيويورك في السابع والعشرين من يونيو/ حزيران تزامنًا مع أحداث الشيخ جراح، التي قاضتها الناشطة زينب أحمد.

ورغم الاتهامات بمعاداة السامية، ترفض "منظمة المتحولين جنسيًا" السماح بمشاركة من يبدون هويتهم الإسرائيلية إلى جانب هويتهم الجنسية، وتعلن بصراحة أن توجهها اليساري يقف أمام الصهيونية وكل تمثلاتها، وهو ما جعل الناشطة الإسرائيلية هانا سمبسون تتساءل باحتجاج "أين حلفاؤنا؟".


اقرأ أيضًا: إسرائيل كزعامة عربية وشقيقة كبرى


ومع الفشل النسبي الذي تمنى بها صورة إسرائيل الذهنية التي جهدت لتكوينها شعبيًا، فهي تعاني فشلًا نسبيًا آخر على مستوى الدعم الرسمي داخل المؤسسات الفاعلة في الغرب، وبعد أحداث حي الشيخ جراح وما تبعه من هجوم وحصار لقطاع غزة، اتضح عمق الفشل للسياسة الإسرائيلية داخل الكونجرس، بعدما ظهر موقفًا واضحًا من اليسار الديمقراطي الليبرالي الذي يتبنى قضايا النضالات على أساس الهوية والحريات الفردية، يدين فيه الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا الأصوات القوية للنائبة الأمريكية من أصل فلسطيني رشيدة طليب والنائبة الأمريكية من أصل صومالي إلهان عمر، التي تعرضت لانتقادات حادة وقوية لأنها ساوت بين الإرهاب الإسرائيلي والأمريكي ونظيره في طالبان وحماس، على حد تعبيرها.

هل جف الغسيل الإسرائيلي؟

في العام 2013، كانت الضغوطات الخارجية على إسرائيل وصلت إلى مرحلة لم تعهدها من قبل، حين أقر الإتحاد الأوروبي فرض عقوبات جزئية على إسرائيل، واهتزت تلك الصورة التي رسمتها لإسرائيل لنفسها منذ العام 1948 بأنها واحة للاستقرار والمدنية والأخلاق في صحراء قاحلة من الهمجية والبدائية والتعصب.

أرادت القوى المسيطرة على إسرائيل الاستفادة من الأوضاع التي آل إليها الربيع العربي خاصة في سوريا والعراق وظهور تنظيم الدولة الإسلامية، من أجل أن تستعيد صورتها التي رسمتها عن واحة الأمان في المنطقة، ولكن هذا لم يحدث، فلم تلبث وأن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية مرة أخرى في عام 2015، ثم أعقبتها أحداث أخرى احتجاجًا على قرار أن القدس عاصمة لإسرائيل، وآخر ما حدث في أحداث الشيخ جراح والهجوم المتجدد على قطاع غزة.

في هذا المشهد المضطرب من العنف والفوضى في هذا المخاض التاريخي الجديد، أصبح الرأي العالمي لا يكف عن شجب الاضطهاد الإسرائيلي المستمر للفلسطينيين، إذ استفادت جماعة المقاطعة هي الأخرى من نفس الوسائل التي تروج لإسرائيل براند، فأخذت تروج حملات للتوعية بالقضية الفلسطينية عن طريق الإنفلونسرز العرب، أو الأمريكيين من أصل فلسطيني، بالإضافة إلى دعم جماعات اليسار، وهو ما رسخ صورة أكثر كولونيالية لدولة إسرائيل، فبينما تقوم إسرائيل بتطبيع وجودها من خلال غزو المنصات العربية عن طريق التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة، إلا أنها تجابه بهجمة أخرى أكثر شراسة من أحرار العالم في كل مكان.