الحقوقيان حسام بهجت وجمال عيد، المصدر: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

مُحَدّث| التحفظ على أموال حقوقيين.. أحدث التبعات "الانتقامية" لقضية التمويل الأجنبي

"القرار مليان أخطاء، وواضح إنه انتقامي وسياسي من مؤسسي ومديري المراكز الحقوقية" مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد، عن التحفظ على أموال حقوقيين.

من جديد يعود ملف التحفظ على أموال حقوقيين مصريين، إلى واجهة المشهد العام، بأول القرارات القضائية في هذا الشأن لعام 2017، استكمالًا لما كان من إجراءات تجاه الحقوقيين خلال العام المنصرم.

وقررت محكمة شمال القاهرة الابتدائية، اليوم، 11 يناير/كانون الثاني 2017، منع كل من المؤسسة والمديرة التنفيذية لـ"نظرة للدراسات النسوية"، مزن حسن، وشركة "نظرة للدراسات" وجمعية "نظرة للدراسات النسوية"، من التصرف في أموالهم السائلة والمنقولة والعقارية، لتصبح أول جمعية أهلية يتم التحفظ على أموالها، في إطار قضية "التمويل الأجنبي"، وكذلك الأولى في تاريخ الجمعيات المدنية العاملة على حقوق النساء، التي تتعرض لهذا الإجراء.

وصدر القرار بناء على طلب قاضي التحقيقات في القضية "173" لعام 2011، والمعروفة بقضية "التمويل الأجنبي للمنظمات"، كما طال القرار حقوقيين آخرين، ورد اسميهما في القضية نفسها، وهما رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي محمد زارع، ومدير مركز المنظمة العربية للإصلاح القضائي عاطف حافظ.

الخمسة السابقون

وقررت محكمة جنايات القاهرة، في جلستها التي انعقدت 17 سبتمبر/ أيلول 2016، قبول طلبات قاضي التحقيق بالتحفظ على أموال 5 مدراء لمنظمات مجتمع مدني و3 مراكز حقوقية، ومنعهم من التصرف فيها، لارتباطها بقضية"التمويل الأجنبي".

وشمل قرار التحفّظ كلا من مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومديرها السابق حسام بهجت، ومؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومديرها جمال عيد، ومدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهي الدين حسن، ومدير مركز هشام مبارك للقانون مصطفى الحسن، ومدير المركز المصري للحق في التعليم عبد الحفيظ طايل.

وقررت المحكمة التحفظ على أموال 3 مراكز حقوقية، هي هشام مبارك، والحق في التعليم، والقاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ورفضت قبول طلب التحفظ على أموال زوجة جمال عيد وابنته، وزوجة بهي الدين حسن وأبنائه، والعاملين في مركزي "القاهرة" والحق في التعليم.

قرار "انتقائي انتقامي"

"مليان أخطاء، وواضح إنه انتقامي وسياسي من مؤسسي ومديري المراكز الحقوقية". بتلك العبارة وصف مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد، قرار التحفظ على أمواله والحقوقيين، الصادر ، واتبعها بقوله "واحنا فخورين بأننا نفضح انتهاكات النظام ومنحازين لثورة 25 يناير".

"قرار التحفظ على الأموال تطور في سياق استهداف الجمعية، باستدعاء 3 عضوات من فريقها للتحقيق، ومنع مديرتها التنفيذية من السفر، بالرغم من عدم التحقيق معها في أي اتهامات من الموجهة إليها". جمعية نظرة للدراسات النسوية.

وفصّل "عيد" لـ"المنصّة" ما رآه من "أخطاء" شابت القرار، بقوله إن قاضي التحقيق قدم طلب التحفظ استنادًا لتحريات "بدون دليل" من ضابط أمن دولة، وإنه وبقية المتهمين في القضية أكدوا لمحكمة الجنايات بأدلّة رسمية من البنوك عدم صحة التهمة، مضيفًا "ورغم هذا صدر القرار استنادًا لأقوال وليس أدلة، مع العلم بأنه لم يحقق معنا على الإطلاق ولم نُستدع، سواء في المنع من التصرف أو المنع من السفر".

أما جمعية نظرة للدراسات النسوية، فذكرت في بيان صادر عنها عقب القرار، أنه يأتي كتطور في سياق "استهدافها"، مُذكّرة باستدعاء 3 عضوات من فريقها للتحقيق، في 22 مارس/ آذار 2016، ومديرتها التنفيذية مُزن حسن للغرض نفسه، يوم 29 من الشهر نفسه، وما كان من منعها من السفر، في 27 يونيو/ حزيران 2016، بالرغم من عدم التحقيق معها في أي من الاتهامات الموجهة إليها.

وتطرق مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إلى أمر آخر شاب قرار التحفظ، وصفه بـ"الفضيحة"، قائلًا إن جزء مما قيل عنه شخصيًا إنه تلقى تمويلًا من منظمة "هيومان رايتس ووتش" و"لجنة حماية الصحفيين"، موضحًا أن هاتين الجهتين ليستا منظمات تمويل، بل منظمات حقوقية، وأنه لم يتلق من أي منهما تمويلًا.

وعلى الرغم من تلك "الأخطاء" إلاّ أن المحامي الحقوقي أكد لـ"المنصّة" أن جزء من تحريات أمن الدولة (جهاز الأمن الوطني) عنه كان حقيقيًا وهو المُتعلق بعضويته في حركة "كفاية" التي ناهضت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبمساعدته مركز هشام مبارك للقانون في عقد لقاءات عمالية.

وعلّق "عيد" على ما أوردته التحريات في هذا الجزء بقوله "بالفعل اعترفت بهذه الأمور، وفخور بعضويتي في كفاية ومساندتي للتحركات العمالية. وقلت في لقاء تليفزيوني إن الانتخابات الرئاسية فيلم مقاولات، ومعترف بهذا، لكن عندما أرد على اتهام التمويل بأدلة تنفي وقوعه؛ يصبح القرار سياسي وانتقامي، وليس مبنيًا على القانون".

إحراج النظام

تزامن قرار التحفظ على أموال المراكز والنشطاء الحقوقيين، وزيارة أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأسبوع الجاري لمقر الأمم المتحدة، في نيويورك، كانت لإلقاء كلمة أمام جمعيتها العامة في دورتها رقم 71، وهو ما جعل النظر للقرار باعتباره يضع النظام المصري في موقف سئ أمام المحفل الدولي.

السيسي في الأمم المتحدة

وعلّق "عيد" على هذا الأمر بقوله "مفيش جريمة كاملة"، وإنه على مَن فعلها تحمّل النتائج، مشيرًا إلى أن "الفضيحة" للنظام المصري إن وقعت فكانت لتكون بعضها من المنظمات الحقوقية (هيومان رايتس ووتش، ولجنة حماية الصحفيين) اللتين تحظيان بتواجد في الأمم المتحدة، وتم الزج باسمها في القضية، دون الالتفات إلى أن طبيعة عملهما لا يندرج فيها تقديم تمويلات.

قضية التمويل الأجنبي

هذه القضية كانت سببًا لكل ما تلاها من عواقب تجاه الحقوقيين، وعلى رأسها منعهم من السفر والتحفظ على أموالهم.

و"التمويل الأجنبي" هي القضية رقم 173 لسنة 2011، وبموجبها أمر مجلس الوزراء في يوليو/ تموز 2011 وزارة العدل بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق للنظر فيما تحصل عليه منظمات المجتمع المدني من "تمويل"، وتحديد ما إذا كانت تلك المنظمات مسجلة بموجب القانون 84.

وصدرت في يونيو/ حزيران 2013، أحكامًا من "جنايات القاهرة" حضورية وغيابية- بعضها مع إيقاف التنفيذ- ضد عاملين مصريين وأجانب في بعض المنظمات الأجنبية، وبإغلاق منظمات أجنبية عاملة في مصر، على رأسها "فريدم هاوس، ومؤسسة كونراد أديناور".

"التمويل الأجنبي، قضية استخدمتها أجهزة الدولة سياسيًا، على مدى ما يزيد عن خمس سنوات، كوسيلة للضغط على المجتمع المدني" المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

وفوجئ الرأي العام العام المصري قبل الأحكام سالفة الذكر بنحو عام، تحديدًا أول مارس 2012، بسفر المتهمين الأجانب من مطار القاهرة، على متن طائرة أمريكية خاصة، وهو ما قال عنه المستشار عبد المعز إبراهيم (قاضي التحقيق في القضية) إنه إجراء "يتوافق مع الدستور".

لكن المحامي الحقوقي جمال عيد، الذي أكد تضامنه مع الحقوقيين مصريين وأجانب، ذكّر أمس بهذا الإجراء واعتبره تم بطريقة "تُمثل اعتداء على استقلال القضاء"، وبموافقة من المجلس العسكري (حاكم مصر المؤقت في ذلك الوقت).

مكملين ضد "الممارسات الأمنية"

أكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في بيان صادر عنها عقب الحكم، أنها ستستمر في أداء دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات والنضال من أجل تغيير "السياسيات العامة والممارسات الأمنية المناهضة لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية".

واعتبرت المؤسسة الحقوقية "التمويل الأجنبي"، التي صدر الحكم بناءً على طلب أحد قضاتها، قضية "استخدمتها أجهزة الدولة سياسيًا، على مدى ما يزيد عن خمس سنوات، كوسيلة للضغط على المجتمع المدني".

وعن الإجراءت القانونية التي يمكن مواجهة القرار بها، قال "عيد" لـ"المنصّة" إنه يحق للصادر ضدهم تقديم تظلم عليه بعد 3 شهور من الأمس أمام محكمة الجنايات (الجهة مصدرة القرار)، ويجدد تقديم التظلم- حال رفضه- كل 3 شهور.

في السياق نفسه، كتب مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهي الدين حسن، إن ما يحدث محاولة لمنع تلك المنظمات من إعلاء صوت الضحايا في مصر.


وتعهد فريق "نظرة"، وفقًا للبيان الذي حصلت "المنصّة" على نسخة منه، بمواصلة عمله، على الرغم من أن التحفظ على أموال الجمعية "سيعرقله بشكل واضح"، مذكًرًا بما حققته الجمعية من أهداف، وأبرزه ما كان خلال عامي 2012 و2013، "مع ازدياد وتيرة العنف ضد النساء في محيط ميدان التحرير، والذي وصل إلى حد اغتصاب النساء بالآلات الحادة"، بتحريكها القضية و"كسر الصمت والتواطؤ المؤسسي والمجتمعي والسياسي على ما تتعرض له النساء من عنف في المجال العام".

واختتم "عيد" بتأكيد اتفاقه مع "المبادرة" ومدير مركز "القاهرة"، وأن القضية "لو بالقانون خلصانة، لكنها سياسية"، وأن الحقوقيين مطلوب منهم إما "الصمت أو التواطوء" مقابل البراءة، وهو ما شدد على رفضه، قائلًا "هما بينتهكوا لهذه الدرجة المتوحشة حقوق الإنسان؛ وإحنا مش هنوقف فضحنا للانتهاكات".