لميس تحرض ضد لميس

لميس الحديدي المشهورة بأحد تصريحاتها الذي تقول فيه: "علاقتي بالنظام شطارة"، عاشت في خضم كل الأحداث التي مرت بمصر مؤخرًا في فقاعة، مصانة لا يمسسها سوء، تتوفر لها الحماية والمال الوفير وكل الدعم من النظام.

شاهدنا جميعًا فيديوات الاعتداء على إعلاميين موالين للنظام ذهبوا لتغطية تفجير الكنيسة البطرسية الآثم، بعضهم ناله الأذى أكثر من الآخرين؛ لميس الحديدي، أحمد موسى، ريهام سعيد، مني عراقي، وغيرهم. ولم يرحب الأقباط بأي فضائية، حتى بسمير عمر وقناة سكاي نيوز غير المحسوبين على النظام، ربما باستثناء الفضائيات القبطية، في المقابل كل ما وصلنا من فيديوات نُشرَت على وسائل التواصل الاجتماعي جاء عن طريق مواطنين عاديين أو فرق السوشيال ميديا لبعض الصحف مثل فريق المصري اليوم الذي تأسس على يد جيل المدونين الأول وبحس التدوين، هؤلاء وكاميراتهم أصبحوا هم المُرَحَّب بهم شعبيًا أكثر من أصحاب الأجندة الرسمية المعروفين. شاهدوا فيديو الاعتداء على لميس مثلًا ولاحظوا كمية التليفونات التي خرجت من الجيوب من أجل التصوير.

كنت من دائمي الحضور لتغطية مثل هذه الأحداث، كنت معروفًا بكاميرتي أكثر من قلمي، لو تتذكرون مدونتي الوعي المصري وتغطياتها الحصرية، لكن الشهرة قاتلها الله جعلت وجهي معروفًا، وهو ما يعطل عملي في التصوير، إما من قبل أناس يحبونني ويرغبون في الحديث والسلام والتصوير معي، وهو أمر يلفت الانتباه إليّ أيضًا ويهددني بخطر الملاحقة الأمنية، أو من قِبَل كارهين يريدون الاعتداء عليّ والتعليم عليَ كما يقولون. حتى بعد ثورة 2011 وصلتني الكثير من التهديدات مثل إن فيه قناصة "وها نجيبك وراسك عاوزينها"، فكنت بنزل ليلًا أكثر من الصباح أو أغطي راسي بكاب أو هودي الجاكيت حتى لا يعرفني القناص الذي هددوني به، ودا موضوع أول مرة أحكيه.

وتمكنت برغم هذا التهديد من تصوير أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها، وكدت أتعرض لاعتداء جماعي من أنصار أحمد شفيق أثناء تغطيتي للانتخابات، وأحيانًا ما تكون السفالة من شخص من نفس معسكر الثورة لكنه مغمور ويريد الشهرة فيدّعي إنه ها يضربك علشان خناقة ما ع الإنترنت أو اختلاف معين حول قضية معينة، ناهيك طبعًا عن التهديدات المستمرة طوال عصر مرسي والكم الكبير من قوائم الاغتيالات اللي العبد لله الضعيف اسمه كان مكتوب فيها، وحتى مؤخرًا بسبب رأيي في شاب انضم للارهابيين في سوريا، فنحيت كاميرتي جانبًا مُؤثِرًا السلامة إلى حين.

الحقيقة هي أن نظام السيسي جعل الأمر صعبًا على العاملين في مجال التوعية بحقوق المرأة، وربما جميع العاملين في المجتمع المدني... صار الطريق مغلقًا ومستعصيًا أمام هؤلاء للتنوير بمشاكل المرأة وخطورة العنف الموجه لها، وهو العنف الذي حرضت عليه لميس نفسها، إذا أنها حرضت ضد المدافعات والمدافعين الحقوقيين، والكتّاب المستنيرين المهتمين بالأمر، لمجرد أنهم معارضون للنظام.

ذكَرني فيديو الاعتداء على لميس الحديدي بمشهد من الفيلم الإيطالي مالينا، وهو مشهد اعتداء نساء القرية على "مالينا" بعد خروج الألمان التي اضطرت للعمل كعاهرة لهم، اعتدوا عليها بالأحذية وقصّوا شعرها ومزقوا ملابسها، كانوا ينتقمون من الألمان في شخص مالينا. أتذكر أيضًا الفيلم الهولندي "الكتاب الأسود" أو زفارتبوك، وتحديدًا قرب نهاية الفيلم، عندما تم القبض على البطلة راشيل شتاين بتهمة التعاون مع الألمان، رغم أنها في الحقيقة يهودية وكانت تتجسس لحساب المقاومة الهولندية، وتعرضت للتعذيب والمهانة الشديدين من قبل متطوعين حتى أنهم ألقوا عليها دلاء من الغائط البشري، والفيلم مأخوذ عن أحداث حقيقية، أقول هذا لأن لي صديقة قالت إن هذه الأمور لا تحدث في الغرب.

اقرأ أيضًا: الذكرى الخامسة للمذبحة | "خواسك" وفانلة "ماسبيرو" الحمراء

أكثر من تم الاعتداء عليهم كانوا أكثرهم تأمينًا، كان أحمد موسى محاطًا بالبودي جاردات الذين يرتدون البزات ويبدو من هيئتهم أنهم نظاميون أو ينتمون لجهة أمنية، وهو ما أثار تساؤلات صديق لي من المغرب: لماذا يؤدي إعلاميون عملهم وسط حماية أمنية؟" وهو أمر لم أكن لاحظته بسبب اعتيادنا على هذه المساخر في مصر، فكلنا نعلم من هو أحمد موسى ودوره، ولماذا يوفر النظام حماية له. لكن لماذا كان هذا الغضب المسيحي من أحمد موسى مثلًا؟ الإجابة ربما تكمن في فيديو يتداوله هؤلاء الإعلاميين في برامجهم، تظهر فيه امرأة تقول: "لو كل المسيحيين ماتوا مش مشكلة فداك يا سيسي"، ودي نوعية اللقاءات اللي كان عاوز يصورها أحمد موسى وسط كل هذا الغضب والحزن.

أما رد فعل لميس الحديدي نفسها فكان عجيبًا، وإن كان متسقًا مع مواقفها، فقد قالت في برنامجها إن دول مش شباب الكنيسة، ودعمتها في ذلك إحدى الصفحات المشبوهة على فيسبوك واسمها صفحة الجيش المصري، وقالت إن دول شباب بدقون! فرد على هذا البوست شاب يدعى أبانوب قائلًا: "لا إحنا اللي ضاربينها".

لميس الحديدي المشهورة بأحد تصريحاتها الذي تقول فيه: "علاقتي بالنظام شطارة"، عاشت في خضم كل الأحداث التي مرت بمصر مؤخرًا في فقاعة، مصانة لا يمسسها سوء، تتوفر لها الحماية والمال الوفير وكل الدعم من النظام، وكان من السهل عليها من وراء شاشة التلفاز بداخل تكييف الاستوديو على كرسيها الوثير تحت الأضواء أن تحرّض مثلًا على فتيات جامعة الأزهر بكلمات مثل "احبسوهم واضربوهم انتم مش رجالة ولا إيه؟"، أو تحرض على اقتتال شعبي في رمسيس عندما طلبت من الأهالي التصدي لمظاهرات الإخوان، الكثير والكثير من التحريض في تاريخ لميس يمكن البحث عنه بسهولة على جوجل بكتابة كلمة: "لميس تحرض". الآن ذاقت هذه اللميس لأول مرة طعم ما يحدث في شوارع مصر.

عبء المباديء

للأسف حملنا على أكتافنا عبء مباديء لا بد أن ندافع عنها، بدون استثناءات، فنحن نريد إرساء دولة القانون، وان يعاقب كل شخص على جرائمه بالقانون، ليس بالقوانين القمعية الحالية طبعًا التي لم يشارك في وضعها الشعب، والتي لا تنتمي الى مباديء الثورة على الإطلاق.

بعد مشاهدتي لفيديو الاعتداء على لميس كتبت على فيسبوك أن لميس الحديدي أول مرة تصعب عليّ، وافقني البعض لكن الأغلبية عارضت وشمتت فيها وأعلنوا عن السعادة والارتياح لما حدث لها، والأغلبية ممن أظهروا التشفي كانوا من الفتيات والنساء، والبعض قالوا "ياريت كانوا قلّعوها". الحقيقة لن أكون مرتاحًا لو لُمتُهم، فالانتقام يشفي الصدور، ومنهم من له أخ أو أب أو زوج مقتول أو معتقل تشفّت به لميس أو حرضت عليه أو ساهمت في الترويج وتبرير ما حدث له، والبعض نشر صور لميس يحتضنها بعض الشباب من اجل حمايتها وذكّروها بتعليقها على الفتاة المصرية التي عارضت السيسي في ألمانيا عندما قالت لها: "عاجبك بتوع الامن وهم حاضنينك كده؟" لكن مع ذلك لا بد لنا من وقفة.

الصديقة عازفة العود ياسمين البرماوي هي واحدة ممن تعرضن للتحرش الجماعي في ميدان التحرير، أدانت ياسمين تمامًا ما حدث للميس، وأعلنت أنه ليس مقبولًا مهما كانت الأسباب، لأنها تعرضت لمثل هذا الانتهاك الجماعي، ولا تتمنى الانتقام بالمثل أبدًا.

الحقيقة هي أن نظام السيسي جعل الأمر صعبًا على العاملين في مجال التوعية بحقوق المرأة، وربما جميع العاملين في المجتمع المدني. فبينما تتم ملاحقة مزن حسن وعزة سليمان وغيرهن من العاملات في هذا المجال، صار الطريق مغلقًا ومستعصيًا أمام هؤلاء للتنوير بمشاكل المرأة وخطورة العنف الموجه لها، وهو العنف الذي حرضت عليه لميس نفسها، إذا أنها حرضت ضد المدافعات والمدافعين الحقوقيين، والكتّاب المستنيرين المهتمين بالأمر، لمجرد أنهم معارضون للنظام. في الشهور الماضية، تعرض الكثير من العاملين في المجتمع المدني للمنع من الظهور في التلفزيون والمنع من الكتابة في الصحف والمنع من السفر، ومصادرة الأموال، وإغلاق المكتبات كما حدث لمكتبات الكرامة، كل هذا من أجل حماية النظام. وهو نظام تهدده مكتبة، أو تهدده امرأة تطالب بحقها من أب وزوج. كيف ستحدث توعية في المجتمع في مختلف مناحي الحياة بدون مجتمع مدني، وفي ظل إعلام موجه ومحرض. والآن طال هذا الإعلام نفسه جزء مما اقترفت يداه.

نريد دولة مدنية دينها الإنسانية وقواعدها وقوانينها تحترم الجميع، بما فيهم من أجرم، وهذه مبادئنا الاستراتيجية لا التكتيكية. خسرنا واتوجعنا واتهزمنا كتير، لكن حجتنا أقوى.

أوضحت الهتافات أمام الكنيسة عدم الرضا عن النظام، وهو أمر ظل طويلًا يحدث على استحياء في صفوف المسيحيين، فالسيسي صوّرته الكنيسة لهم بأنه المخلص من المتطرفين، لكن الهتافات الواعية بعد الانفجار، صدحت الهتافات: "يا ابو دبورة ونسر وكاب.. انت اللي صنع الإرهاب". وهتفوا موجهين كلامهم هذه المرة ربما لقيادات الكنيسة: "وحياة دمك يا شهيد.. مش عاوزين السيسي في العيد"، في رفض واضح لزيارة مقبلة قد يقوم بها السيسي للتهنئة بالعيد في الكنيسة كما يفعل كل عام، كما منعوا رئيس الوزراء ووزير الداخلية من دخول الكنيسة، في وسط هذا المناخ المعادي أتعجب من استمرار توافد اعلاميي النظام كريهام سعيد ومنى عراقي وغيرهم الذين لاقوا نفس مصير لميس وأحمد موسى من الجموع الغاضبة.

للأسف حملنا على أكتافنا عبء مباديء لا بد أن ندافع عنها، بدون استثناءات، فنحن نريد إرساء دولة القانون، وأن يُعاقَب كل شخص على جرائمه بالقانون، ليس بالقوانين القمعية الحالية طبعًا التي لم يشارك في وضعها الشعب، والتي لا تنتمي الى مباديء الثورة على الإطلاق، ندم كثيرون على عدم إعدام مبارك من قِبَل الثوار كما أُعدم تشاوشيسكو، ويقول الكثير من الثوار "لو نجحت الثورة فسنعذب فلان ونكهرب فلان". في النهاية أقول كما أقول لأصدقائي دائمًا نحن لسنا مثل العسكر، ولسنا مثل الإخوان وحسم ولواء الثورة (اللي بالمناسبة أصبح ليهم مريدين يزيدون يومًا عن يوم يرون في حمل السلاح حلًا، وهو خطر على الثورة يماثل خطر العسكر)، نريد دولة مدنية دينها الإنسانية وقواعدها وقوانينها تحترم الجميع، بما فيهم من أجرم، وهذه مبادئنا الاستراتيجية لا التكتيكية. خسرنا واتوجعنا واتهزمنا كتير، لكن حجتنا أقوى، فنحن لسنا مجرد منافس على الحكم، بل أصحاب رسالة من أجل مستقبل أفضل وحياة أفضل للجميع.