قفزة ماو تسي تونج والإصلاح الجريء

فرض ماو رأيه ورأي حزبه على الشعب فيما يخص الشعب، كان كل همه المنافسة مع الدول الكبرى ليصبح قائدًا ناجحًا، وكان النجاح عن طريق ما يراه هو لا ما يحتاجه الشعب، وهنا تعارضت إرادته مع ارادة الناس الحقيقية، فكان السبيل الوحيد له هو القمع.

ناس كتيرة بتقولّي انت دايما بتضرب أمثلة بدكتاتوريات اليمين وتنسى دكتاتوريات اليسار، الحقيقة انا باضرب مَثَل بنوع الديكتاتورية اللي عندنا، لو كانت الديكتاتورية دينية مثلًا أكيد كنت هاتكلم عن الديكتاتوريات الدينية، ثم أنا ماحدَش انتقد اشتراكية عبد الناصر قدي، بس ولا تزعلوا، تعالوا المرة دي نغوص في ديكتاتوريات اليسار. انا الحقيقة قعدت افكر اختار بين ستالين وماو تسي تونج فالقرعة رسيت على ماو المرة دي.

بما إن بعض الباحثين الصينيين والغربيين قدروا مؤخرًا يوصلوا لأرشيف الحزب الشيوعي، وأرشيف الأجهزة الأمنية الصينية، منهم الدكتور فرانك ديكوتر مثلًا من جامعة هونج كونج، والباحثة جو تسون من نفس الجامعة التي استطاعت تسجيل بعض اللقاءات على مدار أربع سنوات مع عجائز من الريف شهدوا المجاعة، والمؤلف يانج جيشينج صاحب كتاب "شاهد قبر" الممنوع في الصين، والذي توفي والده في المجاعة، قدرنا نتحصل على معلومات كان مفروض عليها جدار من السرية يشبه القداسة، قداسة ماو تسي تونج الأب المؤسس للصين الحمراء الذي يستمد منه الحزب الشيوعي شرعية حكمه حتى الآن، والوقائع بشعة ومذهلة، تكشف عن مسؤولية ماو عن قتل ما بين 36 الى 50 مليونًا من فلاحين وعمال شعبه في أربع سنوات فقط بالتجويع المتعمد والعبودية والسخرة، وهو رقم يوازي ضحايا الحرب العالمية الثانية من كل الدول ويوازي ضعف تعداد سكان مصر في تلك الفترة.

في هذا المقال هانصرف النظر تماما عن نضال ماو اللي محدش ينكر إنه كان نضال عظيم قبل وصوله للحكم، ضد الاحتلال الياباني وضد الإقطاع، وتكتيكات التحالف مع البرجوازية التقدمية، وأسلوب حرب العصابات الذي ابتدعه، واوضاع الفلاحين المزرية تحت حكم أمراء الحرب، كل دا كلام حلو، ما يهمنا هنا هو ما فعله ماو كحاكم.

من بوسترات حملة قفزة للأمام

سنة 1958 هبّت على ماو إنه يعمل قفزة اقتصادية للأمام ينافس بها الاتحاد السوفيتي وأمريكا وإنجلترا، الراجل كان بقاله تسع سنين في الحكم بعد استيلاؤه مع الجيش الاحمر على بكين في 1949، وبلده لسه زي ما هي اقتصاد زراعي من العصور الوسطى رغم إنه وعد شعبه بالرخاء الاشتراكي، القفزة دي عن طريق التصنيع في المدن والقرى، قفزة ها تحقق جنة الاشتراكية، كان تعداد السكان وقتها 650 مليون صيني، بعد أربع سنوات ها يبقوا 600 فقط.

ماو تسي تونج كان معجب قوي بنموذج ستالين، وراح يزوره في موسكو لكن ستالين اللي كان بيحتقره لَطَعَه يومين قبل ما يستقبله، ومع ذلك ماو طلب منه معونات ووقع معاهدة صداقة، طبعا المعونات دي كانت قروض ولازم تتسدد تاني، أسلحة ومعدات مصانع ومعدات زراعية، الى جانب خبراء روس، تمام كما فعل عبد الناصر، وكما يفعل السيسي حاليًا مع بوتين.

ماو تسي تونج وستالين

قام ماو بتطبيق سياسة الإصلاح الزراعي السوفيتية على طريقة ستالين، مصادرة الأراضي من مُلّاكها وإعادة توزيعها، وإعدام مليون من مُلّاك الأراضي الخاصة في محاكمات شعبية علنية بعضها مُصَوَّر ويظهر فيها الفلاحين المقهورين لمدة 2000 سنة يصبون غضبهم على المُلّاك. السياسة دي في الأول أفادت 300 مليون فلاح فقير، لكن هذه الفائدة استمرت سنتين فقط من 1950 حتى 1952، فبعد أن شعر الفلاحين بالرخاء والاكتفاء شعر ماو بالتهديد من ظهور طبقة جديدة من مُلّاك الأراضي الصغار، فقرر ماو تطبيق نظام التجميع والعمل الجماعي الإجباري، وبمقتضاها أرجع الفلاحين على مضض أراضيهم التي وُزِعَّت عليهم للدولة، ليزرعوها بشكل جماعي في شكل خمسين عائلة في كل تعاونية.

حملة المائة زهرة

كان لنفسنة ماو من خروشوف الحظ الأوفر من المأساة، فقد أعلن خروشوف أن إنتاج روسيا الاقتصادي سيتغلب على نظيره الامريكي في 15 سنة. أعلن ماو أن إنتاج الصين من الحديد الصلب سيزيد عن إنتاج إنجلترا في نفس المدة، واستعبد ماو مائة مليون فلاح تركوا أراضيهم وزراعتهم من أجل مشروعه الجنوني لجعل الصين بلدًا صناعيًا.

في 1953 مات ستالين ووصل خروشوف للحكم، وانتقد خروشوف علنًا جرائم ستالين ونظام التجميع الاجباري، فتراجع ماو عن أفكار ستالين التي بدأت تفقد شعبيتها، لكنه قام بخدعة من أقذر الخدع التي قام بها ديكتاتور، وهي حملة المائة زهرة، دعا فيها جموع الشعب للتعبير بحرية وانتقاد النظام علنًا من أجل إصلاحه، كانت في ظاهرها ديمقراطية، انتهزها المثقفين لمهاجمة النظام الشيوعي بكل جرأة وحرية، لكن ماو كان له هدف آخر، وهو إخراج المعارضة من جحورها بعد ان بلعوا الطُعم، استطاع ماو أن يقبض على ما يقرب من مليون من معارضيه أغلبهم من المدرسين وأساتذة الجامعات، وقام بوضعهم في معسكرات للعمل في صحراء جوبي، أسماها معسكرات إعادة التعليم، حيث مات اغلبهم من الجوع ودُفنوا في قبور جماعية.

بحلول عام 1958 كان ماو تخلص من كل أنواع المعارضة حتى داخل حزبه وفي كل المقاطعات واستبدل المسؤولين المناوئين بآخرين موالين له ومستعدين لتطبيق أي جنون يأمر به بحذافيره، وقد كان لنفسنة ماو من خروشوف الحظ الأوفر من المأساة، فقد أعلن خروشوف أن إنتاج روسيا الاقتصادي سيتغلب على نظيره الامريكي في 15 سنة. أعلن ماو أن إنتاج الصين من الحديد الصلب سيزيد عن إنتاج إنجلترا في نفس المدة، واستعبد ماو مائة مليون فلاح تركوا أراضيهم وزراعتهم من أجل مشروعه الجنوني لجعل الصين بلدًا صناعيًا، بنوا الطرق والسكك الحديدية وشقوا الترع بأقل أدوات، بل أحيانا بأياديهم العارية، قلع ماو جاكتته في حركة استعراضية للتصوير وهو يشارك العمال فيما يفعلون هو وقيادات الحزب الشيوعي تحت شعار "شقاء لسنوات قليلة وسعادة لألف عام". واستمرت الاستعراضات بإعلان حملة للقضاء على العصافير حتى لا تأكل المحاصيل، شارك فيها ملايين الصينيين بصيد العصافير، فاختفت العصافير لتنتشر بعدها الحشرات التي لم تجد طيورًا تفترسها وتسبب ذلك في كوارث للمحاصيل.

ثم اعلن ماو عن تبني نظام الكميونات، كل كميونة تتكون من 2000 عائلة، وبعض الكميونات وصلت إلى 20 ألف عائلة، طبعًا كل كميونة يترأسها كادر من الحزب ولاؤه المطلق لماو. يعملون من بزوغ الفجر حتى غروب الشمس، مصحوبين بالموسيقى الحماسية، تُلغى شخصية الفرد هنا تمامًا، تُلغى الملكية الفردية من بيوت وحيوانات وخلافه وتصبح ملكية جماعية، حُرَق الأثاث كحطب من أجل التدفئة، صودرت أوعية الطعام وتمت إذابتها، غير مسموح بالطبخ الفردي، تُلغَى العائلات ويُفصَل الزوج عن زوجته، يُلغَى الزواج والعلاقات الجنسية، تُلغى النقود، الأكل جماعي في كانتين الكميونة، الأكل على قدر العمل، بالتالي الأطفال والعجائز والحوامل والمرضى لا طعام لهم، مَن يتغيب عن العمل يفقد نقاط وبالتالي يفقد غذاءه، ممارسة الجنس كانت تتم في الحقول البعيدة عن الأعين، من يُضبَط متلبسًا يتم توبيخه علنًا أمام الكميونة، البعض انتحروا بسبب عدم قدرتهم على الزواج او ممارسة الجنس، الأطفال يُعزلَون عن أهاليهم في حضانات الكميونة ثم في مدارس إجبارية مجانية، المرأة ليست وظيفتها الأمومة بل تقود المعدات الثقيلة إلى جانب الرجل وتعمل في الحقول، لم تكن هناك أي موسيقى أو أغاني شعبية غير أغاني تمجيد الاشتراكية.

الموت من الجوع والحزن

في مقاطعة جيانجزو كان الناس يأكلون من يموت من أقاربهم، أوصت أم لابنتها أن تأكل قلبها بعد أن تموت، في مقاطعة خونان أمر الكادر أحد الآباء أن يدفن ابنه حيًا لأنه سرق طعامًا، مات الأب من الحزن هذه المرة وليس من الجوع بعد ثلاثة أسابيع،

كانت حياة أشبه بالجحيم، فقط كادرات الحزب الشيوعي هم من عاشوا حياة جيدة، وكانوا بمثابة ضباط الكميونات ايضًا، التي كان على عمالها وفلاحيها أن يقوموا بتدريبات عسكرية صباح كل يوم بجانب العمل، رجال ونساء، ليكوّنوا الجيش الوطني، فَقَد الناس حافزهم للعمل، كما فقدوا حق الاعتراض، عمّ الفساد ولم تعد المهارات الفردية تؤخذ في الاعتبار، كل شيء تخططه الحكومة المركزية، حتى ما لا يفهمون به، تدخلوا في المحاصيل والمخصبات والأراضي المناسبة إلخ، فكانت النتائج تمامًا كما حدث في موضوع العصافير، وبدأ النقص في المحاصيل يظهر، فقرر ماو القيام بمسابقات لأكبر إنتاج بين الكميونات تنتهي باحتفالات، لكن كميات المحاصيل طبعًا لم تكن حقيقية، أرقام مزورة على ورق بمعرفة الكوادر، عمّ الكذب والتزوير أنحاء البلاد بالكامل، حتى عندما قامت القيادات بزيارات ميدانية صنعوا لهم أكوامًا من المحاصيل على السطح تحتها في الحقيقة أكوام من القش، لكن الحقيقة ظهرت فقط عندما تم حساب الضرائب المستحقة للحكومة على المحاصيل على الأرقام المزيفة، وبالتالي أخذت الحكومة كل ما تم إنتاجه حقيقة ولم يتبق حبة قمح للفلاحين، كانت الحكومة تحتاجه لتسديد ديونها للروس.

لم يهتم ماو بجوع الفلاحين في مقابل تسديد ديونه للسوفيت، لجأ الناس لأكل لحاء الشجر وأوراقه وجذور شجر الموز وقش الأرز وحتى الطين أكلوه، كان الناس يسقطون موتى فجأة بدون مقدمات، واستغل الكوادر هذا الأمر لزيادة سلطتهم، لتتوسع وتشمل أنهم أصبحوا يقررون من يعيش ومن يموت، يسرقون الطعام لأنفسهم ومن يعارضهم يُترَك ليجوع حتى الموت، ومن يسرق الطعام يُربَط ويغرق في الماء أو يُضرَب حتى الموت، كان بإمكان الكادر أن يمارس الجنس مع أجمل بنات الكميونة مقابل رغيفين من الخبز، شهد بعض من تبقى من قيادات الحزب في تلك الفترة أنهم زاروا القرى ليجدوا البيوت فارغة من سكانها والفلاحين مستلقين على الأرض وتنتفخ اجسامهم من الجوع وتعلوهم التقرحات، ومن يأكل الطين كان يموت بالإمساك، كان الناس يموتون على قارعة الطريق ويتركون بدون دفن، فلا أحد يقوى على الحفر لدفن الموتى من فرط الهزال، ولا حتى عائلاتهم يقومون بذلك.

صينيون وقت المجاعة

كانت خزائن المحاصيل لدى الحكومة ممتلئة، وكان من المعروف ان اباطرة الصين في اوقات المجاعة يفتحون المخازن ليوزعوا منها على الشعب، لكن ماو القائد الاشتراكي للشعب رفض ذلك لأول مرة في تاريخ الصين. وجد ديكوتر في الوثائق ما يفيد بوجود حالات لأكل لحوم البشر بسبب الجوع، في مقاطعة جيانجزو كان الناس يأكلون من يموت من أقاربهم، أوصت أم لابنتها أن تأكل قلبها بعد أن تموت، في مقاطعة خونان أمر الكادر أحد الآباء أن يدفن ابنه حيًا لأنه سرق طعامًا، مات الأب من الحزن هذه المرة وليس من الجوع بعد ثلاثة أسابيع، كل هذا مكتوب بالتفصيل في وثائق الحزب السرية.

جنون القائد

كان ماو على علم كامل بالمجاعات في الريف، بل وافق عليها تمامًا، في مقابل أن يحافظ على رفاهية المدن ومراكز التصنيع والقرار السياسي، بل كتب بخط يده أنه من الأفضل أن يموت نصف السكان حتى يأكل النصف الآخر حتى الامتلاء.

كان ماو ما زال مهتمًا بزيادة إنتاج البلاد من الحديد الصلب، ولإرضائه قامت بعض الكميونات الزراعية بترك الزراعة لإنشاء أفران بدائية لصهر الحديد، كانت الأفران تُصنَع من الطين والشعر الآدمي، وكان يتم إجبار النساء على حلاقة شعرهن من أجل صناعة تلك الأفران، إلى جانب قطع غابات الصين من أجل وقود تلك الأفران، وإذابة أواني الطهي وأجراس المدارس وبوابات البيوت، كان المجتمع كله يعمل من أجل هذا الهدف، قالت الإحصاءات الرسمية وقتها إن الصين تنتج ملايين الأطنان من الحديد الصلب، لكن في الحقيقة كل ما خرج من تلك الأفران البدائية كان معدنًا غير قابل للاستخدام في أي شيء، عشرات الملايين من الصينيين بذلوا الجهد والعرق هباء لإرضاء جنون القائد.

أفران الحديد

كانت اجتماعات واحتفالات قيادات الحزب صاخبة، عشاء ونبيذ وموسيقى ورقص، تكشف الوثائق السرية التي وجدها البروفسور ديكوتر في أرشيف الحزب الشيوعي أن ماو كان على علم كامل بالمجاعات في الريف، بل وافق عليها تمامًا، في مقابل أن يحافظ على رفاهية المدن ومراكز التصنيع والقرار السياسي، بل كتب بخط يده أنه من الأفضل أن يموت نصف السكان حتى يأكل النصف الآخر حتى الامتلاء، وعندما توسل إليه وزير الدفاع والذي يأتي من عائلة ريفية أن يتوقف ذلك أقاله ماو تسي تونج، لم يجرؤ أي شخص وقتها أن يعارض ماو. وضع ماو كردونًا حول مناطق المجاعة، ومنع انتقال الفلاحين من مكان إلى آخر، ومنع انتقال الأخبار عن المجاعات أيضًا، ومنعهم من دخول المدن، وأصدر الحزب الشيوعي باسبورات للانتقال داخل الصين.

لم يكن العالم الخارجي يعلم أي شيء عن المجاعة في الصين بسبب سياسات التعتيم التي اتبعها ماو، كان هناك بعض الصحفيين الأجانب يعملون في وكالات الحكومة الصحفية، وكانوا يقضون إجازتهم في مقاطعة آنهوي، وكانت تقام تمثيلية في تلك المقاطعة حتى لا يشعر الصحفيون الأجانب بأي شيء؛ المحلات ممتلئة بالطعام، السكان يرتدون ملابس نظيفة وزاهية، مجندات يجدفن بالقوارب في النهر بملابس مدنية عصرية، فكان الصحفيون يكتبون مقالات عندما يعودون أنهم رأوا بأعينهم انه لا مجاعة في الصين، وعندما زار فرانسوا ميتران الصين تحدث عن إنسانية ماو مع شعبه.

حاول خروشوف إقناع ماو أن لا يكرر أخطاء ستالين إلا أنه لم يفلح، فاضطر أن ينتقده علنًا، وقال إنه يظن نفسه مرسلًا من الله لتحقيق الاشتراكية، وعلّق خروشوف التعاون السوفيتي مع الصين وسحب 15 الف خبير روسي كان أرسلهم للمساعدة.

ماو تسي تونج وخورشوف

الثورة الثقافية

اخترع ماو ما سُمي بالثورة الثقافية، قاد فيها ملايين من المراهقين والشباب المغيب ضد مَن سمّاهم بيروقراطيي الحزب الشيوعي.

اُختير ليو تشاو تشي رئيسًا للصين في الإنتخابات خلفًا لماو تسي تونج، وحاول كبح جماح ماو الذي ظل رئيسًا للحزب الشيوعي وكان منصبه يتمتع بسلطة أكبر من سلطة تشاو تشي كرئيس. أمر تشاو تشي بفتح تحقيق في المجاعات، لكن الحزب أمر كوادره في كل المقاطعات بالكذب حول إحصائيات الوفيات من الجوع، وأحرقوا الإحصاءات التي كان الحزب قام بها بنفسه. تقول إحدى الوثائق التي وجدها ديكوتر إن أحد القادة العسكريين عاد الى قريته بمقاطعة خونان ليجد أن المقابر خالية من الجثث، وأنه اكتشف أن الجثث كانت تؤخذ وتُغلى في قدور كبيرة في مقر سكرتارية الحزب في القرية لتحويلها إلى أسمدة للتربة. ذهب ليو تشاو تشي لتقصي الحقائق بنفسه في مقاطعة هونان، اكتشف أن أقارب له توفوا من الجوع دون أن يعلم لأن كوادر الحزب أخفوا الأمر عنه، غضب ليو وقرر أن يوقف مشروع قفزة ماو تمامًا، واعترف علنًا بمسؤولية الحزب عن المجاعة بعكس ماو الذي نفى الأمر، توقف عمل الكميونات وأفران الحديد البدائية، وكل العبث الذي كان يحدث في الريف بنهاية عام 1962.

لم يترك ماو تسي تونج ما فعله ليو تشاو تشي يمر مرور الكرام، فاخترع ما سمي بالثورة الثقافية، قاد فيها ملايين من المراهقين والشباب المغيب ضد مَن سمّاهم بيروقراطيي الحزب الشيوعي، وأمر الحرس الأحمر بالقبض على ليو، وُضِع ليو في السجن حتى مات بعدها بثلاث سنوات بسبب عدم توفير العلاج له، لكن كادت الثورة الثقافية في النهاية أن تتحول إلى حرب اهلية، بل وحرب ضد روسيا، وسقط لها آلاف الضحايا بالفعل، حتى أن طلبة الجامعات استخدموا السلاح داخل جامعاتهم، وهاجمت الثورة ماو نفسه، والذي بدوره أمر بترحيل 17 مليون من الطلبة إلى الريف، وهؤلاء الطلبة كانوا يمثلون حركة "الحرس الأحمر" التي كان ماو باركها بنفسه. ولم يِستِعِد ماو سيطرته الكاملة إلا في عام 1971.

من بوسترات الثورة الثقافية

لم يترك ماو الحكم حتى توفي في 1976، بعد موته قُبِض على زوجته جيانج كينج وثلاثة آخرين من قيادات الحزب من أقاربها وحوكموا في محاكمة شهيرة سميت محاكمة عصابة الأربعة على ما ارتكبوه من جرائم أثناء ما سُمّي بالثورة الثقافية، ويقال إنها انتحرت في السجن عام 1991، أما ماو فمازال محظور انتقاده حتى الآن. ويبقى سؤال، وهو كيف فشل شعب من 650 مليون وقتها أن يوقفوا مجنونًا واحدًا عن قتلهم؟

كل ما قرأتموه بالمناسبة هو خطايا ماو، وليس خطايا الاشتراكية، فالاشتراكية هي بالأساس ديمقراطية وتقتضي العمل برأي الشعب، وأن تأتي القرارات من القاعدة الشعبية، لكن ماو فعل العكس تمامًا، فرض رأيه ورأي حزبه على الشعب فيما يخص الشعب، كان كل همه المنافسة مع الدول الكبرى ليصبح قائدًا ناجحًا، وكان النجاح عن طريق ما يراه هو لا ما يحتاجه الشعب، وهنا تعارضت إرادته مع ارادة الناس الحقيقية، فكان السبيل الوحيد له هو القمع.

كل ما سبق أيضًا هو الصين حتى 1976 فقط، لم نتطرق الى مذبحة ميدان السلام السماوي تيان ان مين الأولى بعد وفاة ماو والثانية عام 1989، والجميع الآن يظن أن الصين إقتصادها قوي، لكن الريف مازال فقيرًا كما هو، والهجرة من الريف الى المدينة عالية، والعامل الصيني يعاني أشد الاستغلال في مصانع المستثمر الأجنبي، وينتحر عدد كبير من العمال سنويًا بسبب ظروف العمل ونذكر حوادث الإنتحار في مصنع آيفون، إلى جانب الغش في المنتجات الغذائية كالأرز البلاستيكي والبيض والخس الصناعي المضرين بالصحة، وتعاني الصين قمع الحريات الشديد، الصين أكبر دولة تفرض رقابة على الإنترنت والصحافة والعمل السياسي والديني، وتضطهد الأقليات الدينية مثل المسلمين وطائفة الفالون جونج.


مراجع المقال:

Yang Jisheng, Tombstone: The Great Chinese Famine, 1958-1962, Farrar, Straus and Giroux, 2013

Frank Dikötter, Mao's Great Famine: The History of China's Most Devastating Catastrophe, 1958-1962, Walker Books, 2011

Frank Dikötter, The Cultural Revolution: A People's History, 1962―1976, Bloomsbury Press, 2016

Xun Zhou , Forgotten Voices of Mao's Great Famine, 1958-1962: An Oral History, Yale University Press, 2013

Charlie Hore, China: Whose Revolution?, Marxists.de, 1987