رياض الصالح الحسين.. وعل في الغابة

في صمت عاشَ. ودون ضجيج رحلَ. ترك لنا أربعة دواوين تخلّدُ سيرته. وتمدُ سنوات عمره القصير إلى أبعد مدى.

هو الشاعر السوري رياض الصالح الحسين. أحد روّاد القصيدة اليومية* في سوريا. ينحدرُ رياض من قرية مارع بريف حلب، لكنّه ولد في "درعا"في العاشر من مارس/آذار عام 1954. وتوفى عام 1982 وعمره 28 عامًا فقط أو 28 برتقالة كما كان يحب أن تُوصف سنوات العمر.

في صغره، وتحديدًا حين كان عمره 13 عامًا، فقد رياضُ قدرتَه على السمع والنطق إثر جراحةٍ ولم يُكمل تعليمه. كان والده موظفًا بسيطًا. وكان رياض مُطالبًا بالخروج في سنٍ مُبكرة لسوق العمل لمساعدته في تدبير النفقات. غادر مارِعَ القرية الصغيرة وذهب إلى حلب المدينة الكبيرة. وهناك عمِل بشركة النسيج ثم في مؤسسة الأمالي الجامعية.

"البساطة وحدها، هي من أنعش أوكسجين نصوص هذا الشاعر الذي أضفى بريقاً خاصاً على ماسمّي قصيدة التفاصيل اليومية"

أغلق رياض، الذي وصفه كثيرون بالشاعر المجروح، كل الأبواب إلى حياته الشخصية، فلم يُعرف عنها إلا القليل.


يقولُ الشاعر السوري مُنذر مصري في مقدمة الأعمال الكاملة لرياض التي صدرت في ديسمبر/كانون الأول عام 2012، أي بعد وفاته بـ30 عامًا: "كان يغيظه أن ينتبه أحد ما، من خارج دائرة أصدقائه ومعارفه لإعاقته السمعية والنطقية ويسأله عنها. لم أسمعه يتحدث عن أهله ولا عن دراسته.. أمّا مرضه فقد كان يودّ لو يخفيه عن الجميع".

ويقول مُنذر أيضًا: "كان يحب أن يظهر كاملًا بدون أي نقص أو عيب؛ فكان يتحاشى الحديث عن نفسه أو عن أي شيء فقط الشعر. كان يخشى الفضوليين. يحجز تذكرتين في الباص حتى لا يجلس بجواره أحد يلاحظ منه أيَّ نقص".

يُعرف رياض نفسه في مجموعته الشعرية الأولى "خراب الدورة الدموية" الصادرة عام 1979 ويقولُ متحدثًا عن أوجاعه:

كئيبًا ومنفتحًا كالبحر، أقف لأحدِّثكم عن البحر

مستاءً وحزينًا من الدنيا، أقف لأحدِّثكم عن الدنيا

متماسكًا وصلبًا ومستمرًّا كالنهر، أقف لأحدِّثكم عن النهر

رياض الصالح الحسين

البساطة والوضوح

حاول رياض في البداية كتابة قصائد تفعيلة عام 1974؛ لكنه اتجه بعد ذلك إلى قصيدة النثر. وبعد 5 سنوات جاء ديوانه الأول بعنوانه البديع "خراب الدورة الدموية". ذلك الديوان الذي كشف عن موهبة رياض التي وصفت كثيرًا بأنها تفوقُ سنوات عمره لكنه في الوقت نفسه، وكما يرى الناقد والروائي السوري خليل صويلح، كشف عن "مفهوم غائم لتطلعاته الشعرية الخاصة" لأنه لم يتخل عن النبرة الإيقاعية في بعض نصوص الديوان.

البساطة هي السمة البارزة في شعر رياض وفي تكوينه. انتقل بها ابنُ مارع من الريف إلى المدينة ليُعبر عن نفسه وما يدور حوله بكلمات سهلة تجذبُ القراء والمستمعين دون عناء أو تكلّف. هذه البساطة جعلت كثيرين يشعرون أن ما يكتبه رياض في متناولهم وقريب منهم. وأن بإمكانهم أن يحفظوه بسهولة ويرددوه بل أن يُحاكوه ويكتبوا مثله.

يقول صويلح في هذا الشأن إن البساطة والوضوح هي مفاتيح تلك التجربة الشعرية ويضيف: "هذا ما يشير إليه عنوان مجموعته الثالثة "بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس" (1982)، ولعل انحيازه لهذين المفهومين، منح قصيدته فرادتها ودهشتها وخصوصيتها، وقبل ذلك انحيازها الصريح لمفارقات الحياة اليومية، حين تتكئ على مفردات مألوفة، لم تكن شأناً شعرياً خالصاً".

ويقول أيضًا: "مهارة البساطة وحدها، هي من أنعش أوكسجين نصوص هذا الشاعر الذي أضفى بريقاً خاصاً على ماسمّي قصيدة التفاصيل اليومية".

ويصف الروائي والناقد السوري نبيل سليمان أن تجربة رياض الشعرية بها "بساطة مستحيلة".

في قصيدته الرجلُ السيء يقول رياض:

أنا الرجل السيء

كان عليّ أن أموت صغيرًا

قبل أن أعرف المناجم و الدروب

المرأة التي تغسل يديها بالعطور

و الملك الذي يزيّن رأسه بالجماجم

هذه البساطة وهذا الوضوحُ امتزجت بهما دقة في الوصف. فمثلاً في ديوانه "بسيط كالماء" يصف رياض بدقة حالة الاغتراب الذي يعيشه أغلب الشباب العربي في غُرفه المُغلقة ويقول:

ومنذ أن ولدت بلا وطن

ومنذ أن أصبح الوطن قبرًا

ومنذ أن أصبح القبر كتابًا

ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلاً

ومنذ أن أصبح المعتقل حلمًا

ومنذ أن أصبح الحلم وطنًا

بحثت عن غرفة صغيرة و ضيِّقة

أستطيع فيها التنفُّس بحريَّة

في القصيدة نفسها التي جاءت بعنوان "غرفة صغيرة وضيقة ولا شئ غير ذلك" حاول رياض الحديث عن انغلاق الأفق أمام شباب هذا الوطن واستحالة الخروج من دوامة الحياة. تحدث عن الآنسة "س" رمزُ الحب في حياته. وعن الحرية والكتب والأصدقاء. تحدث عن كل شيء في حياته وكأنما أراد أن يجمعهم كلهم معه في غرفته الضيقة الصغيرة التي "لا تصلح لشيء".


وتحوي بساطة رياض معان عميقة. فمن خلف تلك الكلمات السهلة كان الشاعر الشاب، الذي يُحدث رفقائه بالكتابة على الورق، يملك من الوعيّ ما يجعله قادرًا على صياغة أكثر المعاني تعقيدًا في نصوص شديدة السهولة.

ويرى الشاعر السوري طارق عبد الواحد أن رياض كان يتملك الوعي الشعري "الذي يقبل كل التناقضات دون تفلسف ودون مراوغة، ليس لأنه لم يكن ناضجاً كفاية، بل على العكس..لأنه على وعي بالثنائيات المأساوية وجدلها الذي يقود الى الموت، لذلك آثر الصالح الحسين أن يعقد أواصر الصداقة مع التفاصيل..احتفالاً بالحياة. لقد أراد أن يعيش الحياة لحظة بلحظة".

في قصيدة "أوسمة ونياشين وولاعات لناس سعداء" يقول رياض:

لا تسألوا الزمن عن الذكريات

لا تسألوا الصعاليك عن رطوبة الأرصفة

لا تسألوا التوابيت عن رائحة الموتى

لا تسألوا القتلة عن رائحة الدم

لا تسألوا سمر عن قلبي

رياض الطفل الكبير 

بعد ظهور ديوانه الأول، بدأ رياض نشر نتاجاته الإبداعية بمطبوعات العاصمة مثل المسيرة والثقافة الأسبوعية والثورة "لكنه لم يكن سعيداً ومسروراً بهذا، إذ إن ظروفه الاجتماعية كانت غير مستقرة، وأوضاعه المعيشية معقدة، وحالته الصحية السيئة تضغط على روحه وجسده".

ظهرت في قصائد رياض روح التمرد والاحتجاج والثورة أيضًا. كتب، كمعظم أباء جيل السبعينات، عن العدل وعن مواجهة الظلم والاستعمار.

أمّا قصائده عن سوريا فكانت بمثابة همزة الوصل بينه وبين الجيل الحالي. وانتشرت قصيدته "سورية" بشكل كبير منذ بدء الثورة السورية قبل نحو 6 اعوام. يقولُ رياض فيها:

يا سورية الجميلة السعيدة

كمدفأة في كانون

يا سورية التعيسة

كعظمة بين أسنان كلب

يا سورية القاسية

كمشرط في يد جرَّاح

نحن أبناؤك الطيِّبون

الذين أكلنا خبزك و زيتونك و سياطك

أبدًا سنقودك إلى الينابيع

أبدًا سنجفِّف دمك بأصابعنا الخضراء

و دموعك بشفاهنا اليابسة

أبدًا سنشقّ أمامك الدروب

و لن نتركك تضيعين يا سورية

كأغنية في صحراء

اقرأ أيضًا: ثورة أم حرب أهلية.. النبش عن سوريا في محركات البحث


الحبُ والموت

كان الحبُ في حياة رياض يسير جنبًا إلى جنب مع الموت. في البداية أحب سمر أو الآنسة "س" كما كان يطلق عليها في بعض قصائده. وفي عامه الأخير تعرّف على العراقية هيفاء أحمد. أحبها وأقدم على خطبتها لكنّ الأمور لم تسر كما كان يُخطط لها. هجرته هيفاء بعدما علمت أن رياض اصطحب معه في إحدى الرحلات فنانة تشكيلية من المقربين إليه.

دخل في نوبة حزن واكتئاب وامتنع فترة عن الطعام. كانت لديه "قدرة مُذهلة على هضم الاوجاع" كما كتب في إحدى قصائده.

ساءت حالته الصحية، وعند نقله إلى المستشفى حدثت الوفاة بشكل مفاجئ. والقصة يرويها الروائي السوري حسن يوسف الذي كان شاهدًا على الوفاة ويقول: "بسبب ذلك الخطأ الطبي {الذي تعرض له رياض في طفولته}، تشكلت هشاشة في كليتيه تقتضي أن يتجنب بعض الأدوية الشائعة. ولأن من نقل رياض الى "مستشفى المواساة»" في دمشق عندما تدهورت صحته نتيجة الإجهاد، لم ينبه الأطباء لوضعه الصحي الخاص، لأنه لم يكن يعرف قصته المرضية أصلاً، فأعطوه دواء شائعاً يوصف عادة لمن يعانون من مثل حالته، ما أدى إلى وفاته نتيجة توقف كليتيه عن العمل".

رحل رياض في صمت وهدوء. رحل مُسرعًا كالطلقة. أو كما وصفه حسن يوسف "فذٌ في حياته وموته لا يشبه أحداً، لا أحد يشبهه".

نشر ابن مارع ثلاثة دواوين في حياته هي "خراب الدورة الدموية" عام 1979. و"أساطير يومية" عام 1980 و"بسيط كالما واضح كطلقة الشمس" عام 1982. وبعد وفاته طُبع ديوانه الرابع "وعل في الغابة".


* القصيدة اليومية أو الشفهية، عرّفها الناقد محمد جمال باروت بإنها "قصيدة اليوم، قصيدة الكلام وقصيدة الشعور ذات البعد الواحد أو الصوت المفرد والمناخ الغنائي".