حقائق وألاعيب.. كيف تستغل التأثيرات النفسية لصالحك؟

عندما تؤذي شخص ما، يكون احتمال أن تؤذيه مرة أخرى أكبر من تخوفك أن يقوم هذا الشخص بالانتقام منك، وذلك لأنك تنزع عنه صفة الإنسانية، كي تبرر ما فعلته به.

هل تساءلت يوما عن السبب وراء معظم تصرفاتك وقراراتك اليومية؟ لماذا يكرر البعض تصرفاتهم المؤذية نحوك؟ أو لماذا لا يرد لك من ساعدتهم الجميل، أو لم تشعر بالندم بعد اتخاذ القرارات.

هناك تفسيرات عديدة يستغرق المحللون النفسيون في دراساتهم سنوات كي يصلوا إليها. بعض التجارب ترى أن كل هذه التصرفات هي نتيجة لعدد من التأثيرات النفسية، التي تترك بصمتها على قراراتك وسلوكك، وتؤثر بالتالي على قرارات الآخرين وسلوكهم تجاهك. ويمكن استغلال هذه التأثيرات في مساعدتك لتحسين صورتك أو تطوير تحكم أفضل في قراراتك المالية والعملية.

تأثير الخطأ المُحرِج

عادة ما نفضل أن نُظهر للناس أننا كاملون، معصومون من الخطأ، ولا يتردد معظمنا في خوض نقاش طويل لتبرير خطأ وقع فيه، أو إنكاره، خاصة في بيئة العمل، أو أمام أشخاص نهتم بأمرهم، للمحافظة على صورتنا وجاذبيتنا أمامهم.

لكن بحسب ظاهرة تأثير الخطأ المحرج، فإن الوقوع في خطأ أو ارتكاب حماقة من حين لآخر، يعتبر أمرا مفيدا لصورتك أمام الآخرين.

بحسب هذه الظاهرة، فإن الشخص تزداد جاذبيته عند ارتكاب خطأ أو حماقة ما، على عكس من لا يرتكب أية أخطاء. فإن كنت تريد أن تزيد من إعجاب شخص ما بك، كن أكثر إنسانية، وارتكب خطأً من حين لآخر، أو على الأقل -وهذا أفضل- اعترف بخطأ وقعت فيه.


تأثير بن فرانكلين

عندما تقوم بمساعدة شخص؛ تتوقع أن يرد لك هذا الشخص هذه الخدمة عندما تحتاج إليها. لكن عندما يخالف توقعاتك تجد نفسك تتساءل عن سبب تقاعسه عن مساعدتك رغم مقدرته على ذلك. تشرح ظاهرة تأثير بن فرانكلين السبب وراء ذلك السلوك.

حسب هذه الظاهرة النفسية، فإن الشخص الذي أسدى لك معروفا يكون أكثر استعدادا لمساعدتك وتقديم معروف أخر لك؛ بشكل أكبر من الشخص الذي أسديت أنت له معروف وساعدته. والسبب وراء ذلك هو أنك حينما تساعد أحد تساعده لأنك تحبه وتهتم بأمره، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا الشخص يحبك ويهتم لأمرك في المقابل، وبالتالي هو لا يشعر باحتياج لمساعدتك عندما تحتاج أنت إليه.

كذلك الأمر عندما تؤذي شخص ما، يكون احتمال أن تؤذيه مرة أخرى أكبر من تخوفك أن يقوم هذا الشخص بالانتقام منك، وذلك لأنك تنزع عنه صفة الإنسانية، كي تبرر ما فعلته به.

بنجامين "بن" فرانكلين

يقول بنجامين فرانكلين أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، والذي تم تسمية هذه الظاهرة النفسية باسمه -وهو اشهر من استخدمها لصالحه- في مذكراته "الذي أسدى لك معروفًا من قبل؛ سيكون مستعدًا لأن يقدم لك معروفًا آخر، أكثر من الشخص الذي أسديت له أنت المعروف".

كيف تستفيد من تأثير بن فرانكلين؟

يستخدم السياسيون ورجال الأعمال هذه الظاهرة لصنع الأصدقاء، حتى أن بنجامين فرانكلين نفسه استخدم هذا الأسلوب لترويض معارضيه. ويمكنك استخدامها أنت أيضا في مجالات عديدة: في العمل، والعلاقات الاجتماعية، والأمر بسيط جدا.

لنتفرض أنك في العمل، وأن لك مديرٌ يعترض على كل اقتراح تقدمه، ولا يقدم لك أي نصائح لتطوير أفكارك. الآن كل ما عليك فعله هو التوجه لهذا المدير، وطلب مساعدته في شيء بسيط جدا لا يكلفه مجهودًا، ولنفترض أنه يمتلك مكتبة تضم العشرات من الكتب التي يتحدث عنها دائما، أطلب منه استعارة كتاب من مكتبته.

هذا الكتاب ما هو إلا معروف يقدمه المدير لك، وبحسب تأثير بن فرانكلين، فإن هذا المدير سيكون مستعدًا في المستقبل لتقديم خدمات أخرى لك.

تأثير بجماليون

في بداية العام الدراسي لعام 1911، قام روبرت روزنتال ولينور جاكوبسون، علماء النفس، بعمل اختبارات ذكاء لطلاب إحدى المدارس في ولاية كاليفورنيا، واختارا عدد من الطلاب بشكل عشوائي دون الرجوع لنتائج الاختبار، واستطاعوا إقناع المدرسين في تلك المدرسة بأن هؤلاء الطلبة سوف يقومون بعمل إنجاز أكاديمي بناءً على نتائج هذا الاختبار.

وفي نهاية العام، قام العلماء بإجراء اختبار ذكاء لنفس مجموعة الطلبة، وأظهرت نتائج الاختبارات زيادة ملحوظة في معدل ذكاء الطلاب الذين تم اختيارهم والتبشير بتفوقهم الأكاديمي.

كانت هذه التجربة اختبارا لظاهرة تأثير بجماليون النفسية، والتي تنص على أن التوقعات العالية تؤدي إلى آداء عالي، وما حدث في التجربة أن توقع تفوق مجموعة من الطُلاب، أدى إلى تطور في طريقة تعامل المدرسين معهم.

كيف تستفيد من تأثير بجماليون؟

يمكن الاستفادة من تأثير هذه الظاهرة في مجالات عديدة منها المنزل وكيفية تعاملك مع أبنائك، وفي العمل لزيادة آداء الموظفين، فمثلا، بدلا من أن تخبر أبنائك بأنهم فشلة لتشجيعم على المذاكرة بجهد أكبر، أفعل العكس، أخبرهم بأنك تتوقع تفوقهم لأنهم أذكياء، بحسب هذا التأثير فإنهم سيبذلون مجهودا أكبر في المذاكرة لمقابلة توقعاتك.

بجماليون وجالاتيا "بوتشر" 

تأثير زيجارنيك

كيف تطور من مهاراتك في التعلم؟

إن كنت أحد من يهتمون بالتطوير الدائم لمهاراتهم ومعارفهم في مجالات متعددة، من خلال التعلم باللجوء للدورات التعليمية والمصادر المتاحة على الإنترنت؛ فأنت هنا في المكان المناسب لذلك.

فيمكنك الاستفادة من معرفة عدد من التأثيرات النفسية التي تسهم في تطوير مهارات التعلم لديك. وعلى رأسها تأثير زيجارنيك إلى جانب عدد من الظواهر النفسية الأخرى، التي يمكنها أن تقدم لك منهجا بسيطا لتحقيق أقصى استفادة من تلك الدورات التعليمية.

أولا لنتحدث عن تأثير زيجارنيك النفسي: بحسب هذه الظاهرة فإن الناس يتذكرون المهام غير المكتملة أفضل من المهام المكتملة، الأمر الذي جعل علماء النفس يقترحون على الطلاب تعليق دراستهم والقيام بأنشطة لا علاقة لها بمجال الدراسة، لأن ذلك سيجعلهم يتذكرون ما درسوه بشكل أفضل.

من التأثيرات المهمة أيضًا في عملية التعلُّم: تأثير جوجل، متى كانت أخر مرة نسيت فيها معلومة، أو واجهت سؤالا لا تعرف إجابته وحاولت إيجاد الإجابة دون اللجوء لمحرك البحث جوجل؟ ربما يكون سؤالا صعبا، ففي عالم يتسم بسهولة الوصول للمعلومات والاجابات؛ يصبح نسيان المعلومات أمرًا شائعًا. ويسمى هذا بفقدان الذاكرة الرقمية، أو تأثير جوجل.

وبحسب هذه الظاهرة فإن الناس يستخدمون الإنترنت كذاكرة شخصية أو بنك للمعلومات، الأمر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى نسيان المعلومات.

تأثير التوليد

وعلى عكس تأثير جوجل، فإن ظاهرة تأثير التوليد يمكنها أن تطور من قدرتك على تذكر المعلومات. فبحسب هذه الظاهرة النفسية، فإن تذكُّر المعلومات التي يتم الوصول إليها من خلال التجربة والاستنتاج، فرصه أفضل من تذكر المعلومات التي حصلها المرء من خلال القراءة.

وتستند معظم تقنيات التعلم الحديثة على هذه الظاهرة النفسية، للاستفادة من تأثيراتها على عملية تذكر المعلومات.

كيف يمكنك الاستفادة من هذه التأثيرات لتطوير مهاراتك في التعلم؟

لتحقيق أقصى استفادة ممكنة، يُنصح بتخصيص فترة زمنية للمذاكرة، يتخللها فترة للقيام بنشاط مختلف وبعيد عن مجال المذاكرة، مثل ممارسة الرياضة أو ألعاب الفيديو جيم. كما يُفضَّل عدم الاستعانة بمحركات البحث للوصول إلى إجابات أو معلومات لها علاقة بمجال الدراسة.

لكن إن في بعض الأحيان نضطر إلى الاستفادة من سهولة الوصول إلى المعلومات بواسطة محركات البحث. في هذه الحالة؛ عليك أن تحلل المعلومات التي وصلت إليها من خلال الانترنت، أو التدريب على كيفية الوصول لها بطريقة أخرى لضمان عدم نسيانها.

مفارقة الاختيار

يقول عالم النفس الأمريكي باري شوارتز مؤلف كتاب The Paradox of choice: why more is less، مفارقة الاختيار: لماذا الأكثر أقل؟: "الحياة ما هي إلا مسألة اختيار، وفي العالم الذي نعيشه اليوم، فتعدد الخيارات ما هو إلا مؤشر على الحرية التي يتمتع بها الإنسان، لأننا ببساطة نقرر لأنفسنا ما هو الأفضل لنا".

لكن بعيدا عن الجانب الإيجابي من تعدد الخيارات، هناك جانبان سلبيان، وهما أولاً: العجز بدلا من التحرر. فمع وجود اختيارات كثيرة، يجد الناس صعوبة في اختيار أي شيء. أما الجانب الثاني؛ فهو عدم القناعة بالاختيار.

لنفترض أنك تريد شراء هاتف جديد، تضع لنفسك متوسطًا لسعر الهاتف الذي تود شراءه، وتبدأ في عملية البحث. ستجد نفسك أمام تشكيلة لا متناهية من الهواتف بأنواعها المختلفة، وقرار يجب أن يؤخذ.

بعد بحث طويل تأخذ قرارك، إما بعدم شراء هاتف لعجزك عن تحديد ما هو الهاتف المناسب لك، أو تقوم بشراء الهاتف الذي تظنه مناسبا لاحتياجاتك من ضمن هذه التشكيلة، تدفع المال وتأخذ الهاتف، وتشعر بأنه كان بإمكانك شراء هاتف أفضل بنفس السعر، على الرغم من اقتناعك بأن الهاتف الذي اشتريته جيد.

تخيل هذا يحدث معك في كل قرار تأخذه كل يوم في كل نواحي الحياة.

كيف تتفادى الوقوع في مفارقة الاختيار عند اتخاذ القرارات المصيرية؟

للتغلب على التأثير النفسي لتعدد الاختيارات، في البداية يجب أن تكتب قائمة بالأهداف أو النتائج المرجوة من القرار الذي توشك على اتخاذه. هذا الأسلوب يجعل أهدافك وتوقعاتك دائما أمامك للرجوع إليها إن شعرت بالقلق أو الحيرة نتيجة تعدد الاختيارات وتعدد النتائج والاحتمالات لهذه الاختيارات.

كما يجب أن تحاول حصر أفضل ثلاثة اختيارات تحقق لك أهدافك أو توقعاتك، ثم عليك الاستعانة بأصدقائك أو أشخاص تثق بهم، وتعرض عليهم تلك الاختيارات ليقوموا بمساعدك في تحديد أفضلها. سيعزز ذلك من ثقتك في القرار الذي ستتخذه، وستكون أقل عرضة للقلق وعدم الرضا.