معلومة بنت الميداح.. في محبة "المليحة"

كانت معلومة تريد أن يكون لها طريقها الشخصي وأسلوبها في التعبير عن نفسها. كانت تريد أن تغني، لا عن البطولات والفخر القبلي بل عن معاناة الناس الاجتماعية وحرمانهم وفقرهم.

منذ عدة سنوات عملت كباحث مشارك لإنشاء قاعدة بيانات عن البرلمانيات العرب. كان البحث عبارة عن جمع مادة تاريخية وأرشيفية عن تاريخ المجالس النيابية والتشريعية في الدول العربية، وتاريخ دخول المرأة كعضوة في هذه المجالس. وأسماء العضوات منذ السماح لهن بدخول البرلمان حتى وقت البحث. وأخيرًا، جمع مادة تفصيلية وسيرة ذاتية لكل نائبة. ومن ضمن الدول التي جمعت مادتها كانت دولة موريتانيا، ومن ضمن النائبات كانت النائبة والمغنية معلومة بنت الميداح. ومعلومة من أسرة عريقة فنيًا هي عائلة أهل الميداح.

ولدت معلومة عام 1960 في الشارات بمدينة المذرذرة في جنوب غرب موريتانيا، والتي تبعد 150 كليو متر عن العاصمة نواكشوط. وهي مدينة مهمة داخل ولاية الترارزة، الولاية التي خرج منها العديد من الفقهاء والموسيقيين والشعراء والعائلات الفنية، وأيضًا لعبت هذه المدينة دورًا كبيرًا في تطوير الفن الموريتاني التقليدي وإغناء أهم الآلات الموسيقية الحسانية الموريتانية، وهي آلة "التيدنيت"، بالألحان والتأليف الموسيقي. ومن أهم الفنانين الذين أنجبتهم المذرذرة كان هو الفنان المختار بن الميداح وهو والد معلومة. لم يكن هذا الرجل فقط موسيقيًا ومغنيًا جميلًا، لكنه كان أيضًا يكتب الشعر الشعبي وكان مثقفًا في الفقه الإسلامي والسيرة النبوية؛ ولذلك نجد معلومة في حديثها وغناءها تنطق باللغة العربية بشكل سليم وجميل. وأمها كانت هي الفنانة عائشة محمد يحيى البُـبّان، وهي من عائلة من العائلات العريقة في الموسيقى التقليدية.

هكذا خرجت معلومة من مدينة كان الفن فيها، وما زال، رافدًا مهما. وكذلك من بيت وعائلة فنية أصيلة. هذا كان الرافد الأول والأساسي الذي أثر في حياة معلومة. أما الرافد الثاني فتكّون بسبب أخيها اليساري والذي تأثرت بأفكاره ودفاعه عن الفقراء واتجاهه السياسي المعارض لأنظمة الحكم. أصبحت معلومة، بعد مشوار كفاح ومعاناة واضطهاد ممتد، من أهم فناني موريتانيا وكذلك من أهم المعارضين للانقلابات المتتابعة وللأحزاب الحاكمة على مدار سنين في موريتانيا، فمنذ استقلالها في 1960 شهدت موريتانيا 15 انقلابًا.

وحكاية كفاح ونضال وتجربة معلومة بنت الميداح في المعارضة، حكاية جديرة بأن تروى. على مدار سنوات طويلة كانت معلومة معارضة لنظام معاوية ولد الطايع. معارضة يسارية عنيدة ومن قلب حزب تكتل القوى الديموقراطية. كانت تعارض بالسياسة، وبالغناء والموسيقى، ضد الديكتاتورية ومن أجل تحقيق الديموقراطية والعدل في بلادها. ومع انتخاب أول رئيس مدني لموريتانيا، وهو الرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله، والذى تولى الحكم في أبريل/نيسان 2007 بأصوات الشعب. قرر حزب تكتل القوى الديموقراطية خوض الانتخابات التشريعية، ودفع بمعلومة على قوائمه في انتخابات مجلس الشيوخ عام 2007، وفازت معلومة. إلا أن انقلابًا قام به محمد ولد عبد العزيز (وهو الرئيس الحالي) أغسطس/آب عام 2008 وقام بعزل الرئيس محمد ولد عبدالله وتولى هو رئاسة الدولة. وكتبت معلومة وغنت ضد هذا الانقلاب مما جعل النظام الجديد يصادر نسخ ألبوماتها وتم القبض عليها.

على مدار معارضتها للنظم المختلفة واجهت معلومة الكثير من التضييق والتهميش لها ولعائلتها، وحتى بسبب عدم غنائها بأغاني الفخر بأسماء شيوخ القبائل في مقابل غنائها عن قضايا الفقراء؛ كان هذا يجعل القبائل والمحافظين يغضبون منها. ومع سماح الرئيس ولد عبد العزيز بإقامة انتخابات حرة وجعل المعارضة نفسها تقوم بالإشراف عليها، وجاء رئيسًا للبلاد بأغلبية الأصوات في يوليو/تموز 2009. ثم سمح بإجراء انتخابات لمجلس الشيوخ، وفازت معلومة عن حزب الشورى المعارض هذه المرة. وفي عام 2014 أعلنت معلومة اعتزالها للعمل السياسي بصراعاته وأنها تريد أن تتفرغ للفن ودعم قضايا الثقافة والحفاظ على البيئة وحرية ومكانة المرأة، وأن استمرارها بمجلس الشيوخ سوف يكون من أجل الدفاع بالأساس عن هذه القضايا. وفي نهاية عام 2014 قدمت معلومة استقالتها من حزب الشورى وأصبحت عضوًا بحزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" الحاكم.

في السيرة التي كتبتها في بحثي عن النائبة الشيخة معلومة بنت الميداح، عضو مجلس الشيوخ الموريتاني عن حزب تكتل القوى الديمقراطية، ثم عن حزب الشورى، وقتها، لم أذكر بها السلم الخماسي للموسيقى الموريتانية وهي موسيقى أفريقية الطابع. ولا القصائد والأغاني التي غنتها وتغنيها معلومة، ولا عن ثقافتها الموسيقية وربطها لموسيقاها المحلية بموسيقى الجاز والبلوز في اطار رغبتها في التجديد والتحديث. ولم أذكر الأغاني التي أصبحت أُحبها شخصيًا لها ومنها: "مغرور زميلك يا ولد ما هو مقدرني"، و"نحن للحب"، و"يا حبيبي يا ملاكي كيف أصبحت بعيدًا"، و"يا مليح"، وغيرها من الأغاني عن الثورة والقضايا الاجتماعية والمرأة والفلاحين والتصوف والمديح والإنسان بشكل عام. فكرت أنني سوف أكتب ذات يوم عن معلومة المغنية والفنانة الرصينة، والملحنة المتمردة والمبدعة، وصاحبة الشخصية المتفردة. وغنائها الملتزم بقضايا الناس، وضد الفقر والمرض والفوارق الطبقية، حتى لقبَّها جمهورها بـ"مطربة الفقراء".


تحكي معلومة أنها نشأت بين والديها اللذين قاما بتربيتها تربية صارمة متأصلة في الفن الموسيقي الموريتاني التقليدي، فتعلمت منهما بعد أن حصلت على الشهادة الإبتدائية وتركت بعدها المدرسة حتى تتعلم الموسيقى، كما كانت تقضي بذلك التقاليد لبنت من عائلة موسيقية. تعلمت العزف على آلة الأردين وهي آلة موسيقية وترية وتعزفها النساء فقط. وتعلمت الغناء التقليدي بمقامات الهول الخمسة، وبالموسيقى الحسانية وهي موسيقى تمزج بين الموسيقى العربية والأفريقية.

لكن معلومة كانت تريد أن يكون لها طريقها الشخصي وأسلوبها في التعبير عن نفسها. كانت تريد أن تغني، لا عن البطولات والفخر القبلي بل عن معاناة الناس الاجتماعية وحرمانهم وفقرهم، وضد العنصرية بحق الأقليات الزنجية والأرقاء السابقين، وعن مشاعر الإنسان الشخصية. وأيضا على مستوى الموسيقى بإدخال مقامات وأنواع جديدة من الموسيقى وتطعيم الموسيقى التقليدية بها. وواجه هذا الفكر الموسيقي التحديثي انتقادات كبيرة على طول الطريق من المحافظين والشيوخ والصحافة. لكن بعض أساتذة الجامعة ومعهم بعض الطلاب كانوا يشجعون تجربتها تلك وقاموا بإنشاء "نادي أصدقاء معلومة" لتشجيع هذا التجديد. إن المجهود الذي قامت به المعلومة على مدى مشوارها الفني وكفاحها من أجل التطوير والتحديث نَقَل الوسيقى الموريتانية من المحلية الضيقة إلى نطاق عالمي أوسع.

بعد مشوار طويل من المعارضة السياسية إلى جانب الفن، تركت معلومة السياسة وتفرغت للفن، ولما عادت إلى السياسة في 2014 انتقلت من صفوف المعارضة، وهي التي كانت في القلب منها، إلى التأييد للسلطة السياسية وعضوية الحزب الحاكم "حزب الاتحاد من أجل الجمهورية" وقالت وقتها إنها بعد تفكير كبير وجدت أن حال بلادها يستدعي وقوفها خلف الرئيس ولد عبد العزيز. والبعض يأخذ هذا على معلومة. لكن رغم هذا الانتقال من صفوف المعارضة إلى صفوف الحزب الحاكم، ما زالت المعلومة هي نفس السيدة الصلبة والإنسانة النبيلة المؤمنة والتي تدافع في كل مكان عن قضايا المحرومين والفقراء، وتنادي بالمساواة والإخاء بين الناس، بل وإنها عارضت تعديل الدستور الذي نادى به الرئيس الموريتاني، هي وزملائها في مجلس الشيوخ، ليس فقط كعضوة داخل المجلس وإنما قدمت أغنية تعبر فيها عن معارضتها تلك لتعديل الدستور.

فنيًا تقول معلومة عن مشوارها "لقد مزجت بين المقامات العربية والأفريقية في ألحاني، واخترت من الكلمات المنظومة باللهجة (الحسانية) المحلية الأقرب إلى الفهم، وعمدت لاستعمال الآلات والمزج فيما بينها، وهو مجهود يتطلب دربة وتمكنًا ربما أتميز بهما عن غيري. حاولت جهد استطاعتي تقريب الأغنية الموريتانية من الجمهور العربي، الذي عبر لي في أكثر من مناسبة عن امتنان واعجاب أكاد ألمسه في حلي وترحالي وفي زياراتي للبلدان العربية والأجنبية. صابرة وصادقة مع نفسي ومع جمهوري، هي ذي أنا وسأظل كذلك ما حييت" وهي كذلك بالفعل، ويمكن أن نستعير وصف من قصيدة للأبنودي ينطبق على الشيخة معلومة وهو "مليحة القول والفعال".


* "المليحة" في العنوان هي بالأصل من عنوان أغنية"يا مليح" لمعلومة بنت الميدح، من ألبوم "صحراء عدن"