من فيلم Pi للمخرج دارين أرنوفسكي

عند الحكومة 1+1=3

في النهاية الغيب في علم الله وحده، وما ستنفقه وتحصله الحكومة خلال العام المالي هو أمر من أمور الغيب تلك، ولا يجوز لنا أن نحاسب عليه بني البشر من المسؤولين المختصين على الجهل به. أستكفرون؟

لا يخفى على طالب في الصف السادس الإبتدائي أن الأصفار التي على يمين الرقم غير الأصفار على يساره، فللأولى قيمة؛ بخلاف الثانية معدومة المعنى.

هذا ما تعلمناه في المدارس عندما كنا أطفالاً، لكن هذه المعلومة البسيطة يبدو أنها لم تجد طريقها بعد إلى السادة الكرام المسؤولين عن اقتصاد المحروسة، الذين يتعاملون فيما يبدو مع الأرقام باعتبارها مجرد أشكالٍ لا دلالة لها. وعلى من يريد إنكار ذلك الاعتراف أولاً بأن البديل الوحيد لجهل هؤلاء بالأرقام، هو أنهم يخدعوننا جميعًا ويضللوننا عن عمد وبنيَّة مبيتة.

لكني سأفترض حسن النية – علشان أنا راجل طيب يعني- حتى لا يتهمني أحد بالتربص وتصيُّد الأخطاء.

سأفترض أن المهندس حسين صبور، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين عندما قال إن عدد المصانع المتوقفة فى مصر يقدر بنحو 4 آلاف مصنع لم يكن يعلم أن المهندس هشام وجدى رئيس مركز تحديث الصناعة حدد عدد نفس المصانع برقم 552 مصنعًا، وأن اتحاد الصناعات عندما يتكلم عن 7 آلاف مصنع متوقفين، ويدعي اتحاد العمال (الرسمي) أنهم 8222 مصنعًا بينما يجزم اتحاد المستثمرين بأنهم 1500 مصنع، وتؤكد تقارير الرقابة الإدارية أن المصانع المتوقفة تبلغ 1600 مصنعًا، فكلهم صريحين وصادقي النية.

بالتأكيد العيب ليس فيهم، وكلّي ثقة في أنهم لا يكذبون ولا يخدعون ولا يضللون أحدًا، لأني أعلم جيدًا مدى مكر ودهاء المصانع المتوقفة، وأنها مُمولة من الخارج، ويعلم القاصي والداني أن عمالها بعدما تم تشريدهم وأصبحوا يفترشون الأرصفة، يأكلون فراخ "كنتاكي" ثلاث مرات كل يوم، ويختزن كل منهم نصف دستة على الأقل من الأجندات.

فهؤلاء يريدون منا أن نصدق أن الاقتصاد المصري في تراجع، على عكس الحقائق التي تؤكدها الحكومة حول تقدمه وازدهاره غير المسبوق ولا حتى في عصر بناة الأهرامات

كما نعرف جميعًا أن جريدة "الأهرام" عندما كتبت فى حوار أجرته مع وزير المالية عمرو الجارحي أن حجم دعم الطاقة فى مصر بموازنة 2017/2018 يبلغ 200 مليار جنيه، بينما يرد نفس البند بالموازنة العامة الرسمية للدولة الصادرة عن ذات الوزارة بمبلغ 140 مليار جنيه، هو مجرد خطأ مطبعي -لم يتم تصويبه أو الاعتذار عنه كما تقتضي قواعد النشر الصحفي- وإن لم يكن كذلك فقد يكون دليلاً دامغًا على أن جريدة "الأهرام" ووزارة المالية ربما تتحكم فيهما اليوم منظمات المجتمع المدني التي تشكل خطورة على مصر الأمن والأمان، وتسعى لنشر الشائعات وإثارة البلبلة وزعزعة استقرار البلاد، تنفيذًا للمخططات الخبيثة لحروب الجيل الرابع التي تحالفت فيها دولة جزر القمر مع المحتلين من المريخ للنيل من الدولة المصرية.

ثم إننى أسألكم يا أيها السادة المشككون في كل شيء ويا من لا تنشرون سوى السلبيات وتتركون الإيجابيات، وهى كثيرة لدرجة أنه لا يُمكن عدها، ولا بلاش موضوع العد ده أحسن: ماذا يمكن أن يجني أي من هؤلاء أصحاب التصريحات المتضاربة من الكذب أو الخداع؟ هل من المُتصور ولا حتى من المنطقي أن يريد وزير المالية المداراة على فشل وزارته؟ ثم ماذا يضير دولة مثل دولتنا أن يكون فيها 7 أو 8 آلاف مصنع متوقف، مادامت قد تعدت إنتاجيتنا إنتاجية الصين وأوروبا الغربية والولايات المتحدة مجتمعين؟

صحيح أن أرقام الموازنة العامة المتوقعة في بيانها المالي غالباً ما تأتي أقل بعشرات المليارات عنها فى الحساب الختامي بعد انقضاء السنة المالية لكن ماذا تمثل عشرات المليارات أصلا؟ كلها حاجات بسيطة والله. صحيح أنه قد يبدو للوهلة الأولى أن عجز الموازنة قد انخفض، وهو فى الواقع ارتفع ارتفاع ناطحات السحاب، ولكن لا يمكن بالطبع لمواطن مصري شريف أن يرى فى ذلك سوى سهو غير مقصود بالمرة، لأن في النهاية الغيب في علم الله وحده، وما ستنفقه وتحصله الحكومة خلال العام المالي هو أمر من أمور الغيب تلك، ولا يجوز لنا أن نحاسب بني البشر من المسؤولين المختصين على الجهل به. أستكفرون؟

المُلام الحقيقي هنا هو نظام التعليم المصري الذي يفشل في تعليم أُسس الرياضيات، بالرغم من التريليونات التي تُصرف عليه كل يوم. الدولة تصرف عليه في الواقع أكثر من النسب المقررة دستوريا، حتى لو كانت الأرقام الواردة بالموازنة العامة الرسمية للدولة في هذا الشأن تقول عكس ذلك، فهي ليست سوى شائعات لا أساس لها من الصحة، وعلى من يدعي غير ذلك أن يأتي بما يثبت، شريطة أن يكون ذلك بعيداً عن الدستور لأن الدستور -ولا مؤاخذة فى اللفظ- كُتب بالنوايا الحسنة، وهو كغيره من سائر دساتير العالم التي كتبت للأسف بذات النية الحسنة، لا يصلح لإدارة شؤون الدولة. فالدستور يا سادة ويا سيدات لو لم يتحًسَّب لسوء النوايا فيكتب من خلالها، يصير طبعا غير صالح للتطبيق.

أما الإعلام الذي لا يتحرى بطبيعة الحال إلا الدقة والأمانة ولا يطبل ولا يُهلل ولا ينحاز إلا للحقيقة، وبرضه عايز يحافظ على أكل عيشه، فلا يدقق هذه الأرقام ولا يرصد تناقضاتها ويتحرى ما وراءها، بل ينقلها كما هي عن طيب خاطر، ولا يبتغي من ورائها توجيه رأي المشاهدين والقراء بما يخدم أهداف النظام الحاكم على الإطلاق.

هذا بالطبع بعيدًا عن بعض الوسائل الإعلامية المُغرضة والعياذ بالله التي لا شاغل لها سوى تشويه صورة الدولة المصرية والاقتصاد المصري على وجه الخصوص، فتنشر أرقامًا كالتي نشرتها هنا، وهو ما فعلته ليس لسبب سوى التنبيه والتحذير حتى لا يصدقها أحد عندما يجدها فى موقع مُغرِض – لو لم يكن هذا الموقع محجوبًا- أو جريدة من تلك الجرائد المشبوهة التي لا نعرف من ورائها.

فهؤلاء يريدون منا أن نصدق أن الاقتصاد المصري في تراجع، على عكس الحقائق التي تؤكدها الحكومة حول تقدمه وازدهاره غير المسبوق ولا حتى في عصر بناة الأهرامات، ويستندون في تضليلهم لنا على بعض الوقائع المتفرقة بانتحار البعض يأسًا من الخلاص من الفقر والجوع، أو لمجرد أن بعض الآباء يقدمون على قتل أطفالهم بعد عجزهم عن توفير القوت.

الاقتصاد يا أيها السادة لا يحتمل مثل هذا اللغو. فهو لا يحتاج إلى من يعمل عقله، ولا من يحاول إيجاد أي منطق للأشياء؛ كل هذه أفكار فرضتها علينا الأجندات الخارجية والخادشة للحياء العام ويجب علينا أن نحترس منها، فهذا هو موسمها، صيفًا وخريفًا وشتاءً وربيعًا. الأرقام التي ذكرتها لكم فيما سبق ليست متناقضة كما قد تبدو للوهلة الأولى، بل هى واقعية جداً لأن 1 + 1 = 3، و 5 - 15 = 16. هذه هى بديهيات الرياضيات، شئنا أم أبينا.