"السيسي" يستقل يخت المحروسة في افتتاح توسعة قناة السويس- وكالات

بعد عامين من الخسائر.. "قناة السويس الجديدة" هدية السيسي لمن؟

بعد عامين من افتتاح توسعة قناة السويس الجديدة تراجعت الإيرادات وقلت القيمة الشرائية لمستحقات شهادات الاستثمار.. فإلى أين يتجه المشروع التي سوَّقته الدولة باعتباره "هدية مصر للعالم"؟

إجراءات أمنية مشددة بمحافظات القناة بينما طائرات "الرافال" والـ"إف 16" تحلق في عرض عسكري فوق المجرى الملاحي لقناة السويس، وسط عزف الفرق الموسيقية العسكرية للأناشيد الوطنية، ليدخل بعدها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى التفريعة الجديدة للقناة على متن يخت المحروسة -المملوك سابقًا للعائلة المالكة في مصر- مرتديًا ملابسه العسكرية، معلنًا افتتاح التفريعة تحت شعار «هدية مصر للعالم».

حفل حضره عدد كبير من القادة العرب والأفارقة والأجانب، كلَّف نحو 230 مليون جنيه، بالإضافة إلى توزيع العملات الذهبية التذكارية والهدايا التي بلغت قيمتها نحو 200 مليون جنيه.


قبل ذلك بنحو عام، كان السيسي يعلن مشروع إنشاء قناة سويس جديدة وستة أنفاق تربط الضفة الغربية لقناة السويس بشبه جزيرة سيناء، على نفقة البنوك المصرية والمصريين، ويكون تمويلها بالجنيه المصري والدولار بضوابط تمنع غير المصريين من تملّك الأسهم، أما مشروعات تنمية محور القناة ستطرح على المستثمرين المصريين والعرب والأجانب لتنفيذها.

وأمر السيسي بتنفيذ المشروع خلال سنة واحدة بدلًا من ثلاث سنوات، لتُعلَن بعدها خطة إصدار البنوك المصرية "شهادات استثمار قناة السويس" مدتها خمس سنوات وبفائدة سنوية 12 بالمئة، لتجمع أكثر من60 مليار جنيه بعد طرحها، ويبدأ الحفر بمشاركة نحو 43 ألف عامل ومهندس.

وبلغ إجمالي طول التوسعة الجديدة 35 كيلومترًا وعمقها 24 مترًا، وبلغ إجمالي حجم أعمال التكريك نحو 242 مليون متر مكعب وحجم الحفر الجاف 250 مليون متر مكعب، بتكلفة إنشاء نحو 8.5 مليار دولار.


وأعلنت الحكومة المصرية أن المشروع جزء من خطة اقتصادية طموحة لتطوير منطقة قناة السويس لتجعل منها مركزا لوجيستيًا وصناعيًا وتجاريًا من خلال بناء عدة موانئ تقدم خدمات للأساطيل التجارية التي تعبر القناة، وخفض وقت انتظار السفن من 18 ساعة إلى 11 ساعة، وزيادة الإيرادات السنوية من 5,3 مليارات دولار إلى 13,2 مليار دولار عام 2023.

قيمة المشروع عند الرئيس

في منتصف 2016 قال "السيسي" ردًا على سؤال حول مشروع القناة، إن المشروع كان الهدف منه تثبيت الدولة ورفع الروح المعنوية للشعب المصري، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية للإسراع في افتتاح المشروع، لإثبات أن المصريين لديهم القدرة العالية على إنجاز مشروعات كبيرة في وقت قصير.


أزمة اقتصادية

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 اتخذت الحكومة المصرية قرار تحرير سعر صرف الجنيه مقابل الدولار ليهبط الجنيه إلى أدنى مستوياته مسجلًا أكثر من 18 جنيهًا للدولار، وذلك بعد شهور من تفاقم أزمة احتياطي النقد الأجنبي الذي وصل إلى أدنى مستوياته، وكان من أكبر الأسباب الذي أدت إلى هذا الانخفاض مشروع قناة السويس، فقد تضاعفت التكلفة تزامنًا مع ركود حركة التجارة العالمية التي أصابت الاقتصاد العالمي مؤخرًا، ما أدى لسحب الدولار من الأسواق للتعاقد مع شركات عالمية واستقدام معدات لإتمام حفر القناة، وهذا ما صرح به محافظ البنك المركزي المصري السابق، هشام رامز، قبل استقالته.


وبذلك خسر مودعو الأموال بشهادات قناة السويس نحو 70 بالمئة على الأقل من قيمة أموالهم، حيث تم إيداع الشهادات وسعر صرف الجنيه أمام الدولار 7.12 جنيه، أما الآن فيتجاوز السعر حاجز الـ17 جنيه، ما يعني أنه بإضافة قيمة الفائدة خلال السنوات الخمس -مدة الشهادات- فإن أصول المال انخفضت أمام العملة الأجنبية.

في يوليو/تموز الماضي قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة اثنين بالمئة للمرة الثانية على التوالي لتصل إلى 18.75 بالمئة للإيداع و19.75 بالمئة للإقراض.

وقال وزير المالية، عمرو الجارحي، إن الحكومة لن ترفع الفائدة على شهادات قناة السويس بعد قرار البنك المركزي بزيادة أسعار الفائدة، وكانت الحكومة رفعت سعر الفائدة على شهادات قناة السويس إلى 15.5 بالمئة بدلا من 12 بالمئة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بعدما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 3% بالتزامن مع تعويم الجنيه.

خلل بيئي؟

وبالتزامن مع توافد المواطنين المصريين إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط لقضاء إجازة عيد الفطر هذا العام، انتشرت أسراب من حيوان قنديل البحر على مدار أكثر من أسبوع بطول ساحل المتوسط بدءًا من بورسعيد شرقًا، وصولاً إلى منطقة الساحل الشمالي في أقصى غرب مصر.

ليُطرح السؤال: هل تسببت "قناة السويس الجديدة" في غزو القناديل؟

يقول خبراء إن قناة السويس كانت تشكّل حاجزًا طبيعيًا لمنع غزو قناديل البحر وغيرها من الحيوانات البحرية، وهذا الحاجز هو سلسلة من المناطق التي تتسم بأنها أكثر ملوحة من المياه المحيطة بها، مما كان يساعد على منع الحيوانات البحرية الأخرى من المرور عبر قناة السويس.

لكن أعمال التوسعة الأخيرة في القناة دمرت هذا الحاجز الطبيعي، وسهلت انتقال الحيوانات البحرية من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط.

ومع ذلك، نفى المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، التابع لوزارة البحث العلمي المصرية، وجود أي علاقة بين توسعات قناة السويس وانتشار قناديل البحر في الساحل الشمالي، وقال إن انتشار قناديل البحر طبيعي في مثل هذا التوقيت من العام بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

تراجع للعائدات في مرحلة حرجة

هيئة قناة السويس توقعت ارتفاع إيراداتها من مرور السفن إلى 13.2 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2023 بفضل التوسعة الجديدة، لكن الإيرادات تراجعت في العامين الماضيين بسبب انخفاض معدلات نمو التجارة العالمية.

وتراجعت الإيرادات خلال العام الماضي بنسبة 3.3 بالمئة، مقارنة بإيراداتها في 2015، وبلغت إيرادات القناة خلال العام الماضي 5.005 مليار دولار، مقابل 5.175 مليار دولار في 2015، و5.465 مليار دولار في 2014.

هل لها جدوى؟

صحيفة الإندبندنت البريطانية أعدت تقريرًا قبل افتتاح القناة بعنوان: هدية مصر للعالم لكن هل لها جدوى؟

وأشار التقرير إلى أن الحكومة المصرية قدمت تقديرات شديدة التفاؤل لعائدات المشروع، والجدوى من المشروع قد لا تكون بهذا الحجم في الواقع حيث تعتمد حركة الملاحة في قناة السويس على مرور حاويات النفط والغاز المسال من الشرق الأقصى والشرق الأوسط باتجاه أوروبا، لكن الحركة فيها أصلًا ليست بهذا الحجم ولا تعمل بكامل طاقتها لتراجع حجم التجارة العالمية والأوروبية بشكل منذ عام 2005.

حتى الآن الجميع ينتظر «هدية مصر للعالم» تأتي بثمارها للمصريين أنفسهم بعد عامين من افتتاح التوسعة الجديدة والتسويق أنها مشروع ضخم سيغير وجهة الاقتصاد المصري جذريًا، لكن المؤشرات والأرقام والعائدات تقول عكس ذلك.