قطيع معتز بفرديته

المتغير الأبرز هنا كان تحقيق "مساواة" افتراضية بين كل المستخدمين لفيسبوك وآلاف التطبيقات التي صارت شبكات علنية على الهواء طوال 24 ساعة. مساواة في الفرصة والجمهور المحتمل والأدوات المستخدمة.

يأتيك الترند مباغتًا؛ تصريح عشوائي، تصرف أحمق لمسؤول حكومي، ملابس فنانة. وقد يأتيك مخططًا؛ حملة تبدو ظاهريًا مفاجئة وعفوية، لكنها تتسرب على مواقع التواصل بعدة أساليب ترفعها لمستوى الترند الذي يتحدث الجميع عنه، منتج فني تصنع "كوميكس" تسخر منه، وتبدو تلقائية من صنع هواة، أو تلقي شخصية مشهورة بتعليق "صارخ" ضده، فيصبح جذابًا للجدل حوله فترتفع نسب المشاهدة والرواج.

كذلك الأحداث السياسية الكبرى، والمواقف والأفكار المتنوعة من القضايا الأخلاقية والدينية والجنسية، تخضع لآليات الترند؛ الصعود السريع والمدوّي، الذي يشعرنا أننا مطالبون بتكوين رأي في هذا المنتج أو تلك القضية، أن نتحيز لأحد أطراف الجدل، أو نشعر بالهول خوفًا من سيطرة لم نكن نتخيلها لفكرة مرفوضة بالنسبة لنا. يعطي الترند صورة مضخمة عن حجم الانتشار لفكرة أو ظاهرة، أو لنقل صورة لا نستطيع قياس مطابقتها "للواقع".

لقد عشنا في التسعينيات مرحلة الترويج لاستخدام الإنترنت في الألفية الجديدة في مجال المساحة الشخصية. في ذلك الوقت، كان الشعار أو الوعد بالوسيط الديمقراطي غير المسبوق، الذي يسمح لكل الأفراد بمساحة للتعبير الشخصي يتحكمون فيما يطرحون عليها، وبإمكانهم فتحها للتعليقات، غير ممكن مصادرتها أو التحكم فيها إلا من خلال أصحابها (عصر المدونات والمواقع الشخصية والـ chat rooms). وبينما توغلت الشبكة العالمية لتصيغ الكون من حولها، كوسيلة اتصال وإنتاج للمعرفة تغيّر من معنى الاقتصاد الحديث ليدخل "اقتصاد المعلومات" كرقم جديد ضخم في المعادلة، كان هناك الجانب الآخر من المروجين لها كنافذة لكل الأصوات المحرومة من التأثير والتعبير، وللنشاطية activism السياسية والثقافية والحقوقية التي تستطيع الآن أن تجد موقع قدم متساو مع "أعدائها" من أطراف في عالم السياسة والبيزنس والأفكار.

في ذلك الوقت، بدت المدونات والمواقع الشخصية (أتحدث هنا عن الحالة المصرية) مكانًا للـ "معزولين اجتماعيًا" أو أصحاب الآراء الأقل قبولًا داخل مجتمعهم، يتسم المشاركون في دوائرها بجرأة في اقتحام مناطق لا يتطرق إليها الجدل العام ومسرحه الأساسي ما زال التلفزيون والصحف، وعلى المستوى السياسي والحقوقي انفتحت رئة جديدة لطرح أفكار التغيير والدفاع عن المضطهدين من فئات مختلفة، وأيضا بخصوص النشاط الإبداعي كانت المساحات الشخصية المفتوحة مكانًا لعرض ذائقة جمالية وفنية في الأغلب لا تجد لها مكانًا كبيرًا في أوساط المنتجين المسيطرين على الساحة؛ مكانًا للفوتوغرافيا والكتابة الأدبية والأفلام القصيرة منخفضة التكلفة ولتيارات موسيقية/ غنائية مستقلة إنتاجيًا.

كانت هذه الدائرة المحدودة - ولكنها تتسع - في حكم "نخبة" تتصارع مع نخبة تمتلك أدوات أكثر انتشارًا وتأثيرًا على الخطاب العام والأفكار والذوق، كان من المهم لها هذا التمييز، تستطيع أن تلمحه في تداول كلمة "الاختلاف" أو "المحتوى المختلف" التي توسّع استخدامها وإلصاقها بما يقدمه هؤلاء. وهو تمامًا ما كان يتفق مع تيار عالمي يوازي بين التوسع في استخدام تطبيقات الإنترنت وحماية حق الاختلاف عن المجموع. بالمعنى التسويقي كان هذا الخط الدعائي محوري في تقديم التطبيقات وتصميمها، بحيث تتلاقى مع أكبر عدد من المستهلكين/ القوة الشرائية، وهؤلاء مختلفون بطبيعة الحال وينتظمون في شرائح متنوعة لا نهائية، ولذلك كلما استهدفت التطبيقات "اختلافاتهم" وغازلت تطلعاتهم للتعبير عنها، حققت طلبًا ورواجًا. بمعنى أدق كانت رسالة الثقة التي يتمتع بها المستخدم في مساحته الشخصية ركنًا أساسيًا في الدعوة لمزيد من الإقبال عليها: "أنت هنا آمن على حقك في التعبير عن اختلافك، عن ذوقك، عن نظرتك للحياة".

يوحي ذلك أن شبكة الاتصال والقائمين عليها في هذه المرحلة اهتموا بتصويرها كواحة لأنصار النزعات الفردانية individualistic والتحررية أكثر من أي شيء آخر، أو لنقل إنها قد تكون المرة الأولى التي تنتقل فيها الأفكار الفردانية والمدافعة عن الحريات والحقوق الشخصية من دائرة الفكرة الغريبة المناوئة التي تصارع الثابت والمستقر لدائرة الفكرة الجذابة بحكم اختلافها، بل تستقطب جمهورًا يكتسب وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا متزايدًا، وجمهورها في المقابل يمنحها قيمة "سوقية" ينظر إليها منتجو التطبيقات وبورصاتها. هذا التغير الجوهري ربما يمثل انقلابًا في معنى التغيير الاجتماعي والسياسي، ومعنى أن تكون "أقلية" بشكل عام، لأنها المرة الأولى التي قد يصبح فيها وضعك كـ "أقلية" امتيازًا في حد ذاته. ربما كانت هذه الفئات قبل ذلك تشعر بالتميز لأنها تدافع عن قضيتها/ تنجح وتفشل/ تختلف عن الآخرين وهذا يمنحها قوة ما، ولكنها حتمًا لم تكن تحظى بشركات ودعايات وجمهور يصفق لاختلافها، ويحمّسها لطرح المزيد، وينتخب من بينها نجومًا ينفذون إلى دوائر كانت مغلقة في الإعلام والسياسة والفنون.

كتاب الوجه

المسألة لم تعد أن تعرف أن الفكرة "موجودة" أو كتبها أحدهم، أو دافعت عنها مجموعة ما، بل أن ترى وتقيس حجم انتشارها، واستعداد كل هؤلاء الأفراد الذين يستعصي تصنيفهم لممارستها وتبنيها.

ربما كان الاختبار الأعظم لهذا الافتراض هو ظهور فيسبوك في عام 2004. موقع للتواصل والتشبيك الاجتماعي تطرحه شركة في كاليفورنيا . "كتاب الوجه" التعبير الذي يؤطر فكرة المساحة الشخصية بأذكى ما يكون، وينقلها من التواجد الاختياري على شبكة الإنترنت عبر محتوى يضعه صاحب مدونة شخصية لوجود مستديم، ينضم فيسبوك لأدوات تعريفك لذاتك كالبطاقة الشخصية، البروفايل الذي تسبقه صورتك وبياناتك لتفتتح كتابًا ستضيف أنت لمحتوياته ما تشاء، سيلازمك عبر السنين ليصبح هوية تصنعها ويطلّع الآخرون عليها وقتيًا ودائمًا، هؤلاء لم يعودوا جمهورًا لنافذة عرض، بل "أصدقاء" داخل شبكة تختار أن تضيف وتحذف منها باستمرار، كلنا منتج للمحتوى وكلنا مستقبل متفاعل.

إذا عرفنا أن فيسبوك في عام 2016 كان الشبكة الاجتماعية الأولى عالميًا التي تضم 2 مليار مستخدم نشط، نستنتج أن ربع سكان الكرة الأرضية بالفعل موجودون معًا في مكان واحد معظم الوقت لو أرادوا، بمعنى أنهم- نظريًا- يستطيعون أن يطّلعوا على ما يفكر فيه ويقوله بعضهم، وينظرون طوال الوقت لملايين التفاصيل الشخصية والنفسية التي تميز غيرهم في كل مكان في العالم، وليس فقط للمحتوى السياسي/ الثقافي/ الفني الذي ينشرونه. إنه سماح مفاجئ بدخول مستخدمي الإنترنت لأدق جوانب حياة بعضهم، والتشارك بشأنها بالتفضيل أو الرفض أو التعليق، ليس لنخبة مختارة من أنصار أفكار معينة، وليس لمحترفي التكنولوجيا، وليس "لحالمين بعالم أفضل" ينبذهم المجتمع، بل هو ببساطة دخول المجتمع.

المتغير الأبرز هنا كان تحقيق "مساواة" افتراضية بين كل المستخدمين لفيسبوك وآلاف التطبيقات التي صارت شبكات علنية على الهواء طوال 24 ساعة. مساواة في الفرصة والجمهور المحتمل والأدوات المستخدمة. فإذا كنا اعتدنا على تصنيف الأفكار والمنتجات الواسعة أو قليلة الانتشار والقبول، نظرًا لتاريخنا السابق الذي تحكمت فيه المؤسسات الاجتماعية والإعلامية، فالآن هناك فرصة للنظر في احتمالات جديدة يقررها مستخدمو فيسبوك بإقبالهم وردود فعلهم على كافة أنواع الأفكار والسلوك، حيث نتابع على مدار الساعة ما يشبه موزاييك من كل فكرة، وكلها تحظى بمؤيدين ومعارضين، بل حتى أكثرها شذوذًا- بمعيارنا الشخصي- يدهشنا حجم المنحازين لها. المسألة لم تعد أن تعرف أن الفكرة "موجودة" أو كتبها أحدهم، أو دافعت عنها مجموعة ما، بل أن ترى وتقيس حجم انتشارها، واستعداد كل هؤلاء الأفراد الذين يستعصي تصنيفهم لممارستها وتبنيها.

يسري ذلك على الفكرة التقدمية كما الرجعية، على الممارسة الجنسية غير السائدة وتلك السائدة، على الرأي السياسي في أقصى اليمين واليسار. الأمر أشبه بزلزال ليس للمعارف نفسها، بل للقيمة "الأخلاقية" أو "التفضيلية" لها. زلزال يغير من رابط اعتدنا أن نعقده بين عدد المدافعين عن الفكرة ونبلها وأحقيتها، وبين قلة العدد والاضطهاد والمظلومية. تتغير كل هذه الدلالات الأخلاقية التي ميّزت نضالات الفردانية والحقوق الشخصية وكذلك المعارضة السياسية بوصفها في الأساس صراع "صاحب حق" لم تكتسب فكرته أنصارًا بما يكفي ليتم قبولها داخل النظام الاجتماعي، يكشف لنا فيسبوك يوميًا أن لكل فكرة- بغض النظر عن تقييم محتواها- أنصارًا في كافة بقاع الأرض، بما يجعل معنى العزلة الاجتماعية القديم مختلفًا، أو غير متحقق تمامًا. بل أنه بات من الأسهل أحيانًا تحقيق نجاحات عملية باستخدام الفكرة "المنبوذة" وتوصيلها لجمهورها المستهدف بدلًا من استخدام الفكرة "المهروسة" التي تتوه وسط زحام أفكار مشابهة لها. الفكرة المنبوذة لم تعد تحمل نفس الوصمة الأخلاقية عندما تمكنت من أن تجني العدد المناسب من "اللايكات والشير".

حتى تتحقق تلك المساواة وأغراضها كان لا بد أن يبلغ منحنى التمسك بالحقوق والحريات الفردية وحق التنوع والاختلاف أعلى مستوياته، بداية من تغيير لغة الخطاب للسياسيين والنشطاء ومنتجي الفكر والإبداع وحتى مستخدمي فيسبوك في جدالهم اليومي. يوميًا نرى هذه البوستات الصارخة بلسان فردي عن الحرية الشخصية: "لي رأيي ولك رأيك، لا تتدخل في شؤوني وإلا حذفتك من قائمة أصدقائي، كلكم قمعيون وأنا مختلف، كلكم تقدميون وأنا رجعي وهذا حقي، اللي مش عاجبه يشرب م البحر". هذا التشديد على المسارات الفردية وتنوعها ورفض التداخل بينها يبدو الضمانة الوحيدة لتستمر الأفكار في التدفق نحو مناصريها، دون معيار واحد لتفضيل أحدها عن الأخرى، المعايير التي تحكمت فيها النخب سابقًا بتمكنها من مواقع الإدارة والنشر والتصنيف تشهد تمييعًا تحت شعارات المساواة، حتى تلك المعايير التي عرّفت المساواة نفسها والديمقراطية والتقدم.

الديكتاتور جوجل

ربما تتمنى لو يراجع الجميع معاني المصطلحات وتاريخ نشأتها قبل المشاركة بالكتابة والرأي، وتتمنى أن تعود النخب لسيطرتها على تشكيل الخطاب القائم حكمًا أو معارضة، وتكتشف بداخلك ديكتاتورًا متوترًا يشعر أن عالمه الفكري ينهار.

أحيانا أتخيل برتراند راسل الذي أنفق حياته مجتهدًا في فهم محددات الحرية بين الفرد والمجموع والسلطة، أحاول أن أتخيله يتابع فيسبوك وينظر لمجموعة تستخدم تعبير "الحرية الشخصية" بكثافة للدفاع عن أب يجبر بناته أو زوجته على ارتداء زي معين أو عدم الخروج للعمل مثلًا، كيف يقفز المعنى متجاوزًا الإطارات الاجتماعية للسلطة، ومنها سلطة الأب والأسرة، ليضمها مع الفرد الذي يقع عليه فعل الإجبار في سلة واحدة، ثم يضع فوقها لافتة "حرية شخصية" أو "خصوصية ثقافية".

هنا ربما تتمنى لو يراجع الجميع معاني المصطلحات وتاريخ نشأتها من stylebook معين قبل المشاركة بالكتابة والرأي، وتتمنى أن تعود النخب لسيطرتها على تشكيل الخطاب القائم حكمًا أو معارضة، وتكتشف بداخلك ديكتاتورًا متوترًا يشعر أن عالمه الفكري ينهار. ولكن سرعان ما ترى فكرة كنت تتخيل أنها لن تخرج من القمقم -طوال حياتك على الأقل- تشق طريقها للنور، وتدافع عن وجودها في مناخ أكثر أمنًا، بل وتنجح أخيرًا في رفع الظلم عن كاهل بعض منا.

بتنا الآن نعرف أيضا أن التفاعلات ليست بهذه العفوية عندما نتحدث عن الترندات التي تكتسح شبكات التواصل الاجتماعي، لأننا نعرف أكثر أنها خاضعة أيضا لميول وتفضيلات "نخب" تعبر عن انحيازاتها عبر معادلات رياضية وألجوريتمات تتحكم في انتشار بوست أو فيديو لدى جمهور معين بينما لا يراها جمهور آخر من الأساس. الاتهامات تتزايد لجوجل بالتلاعب في أرقام التفاعل ومدى المشاهدة الذي يتاح لأخبار ومعلومات دون غيرها، ناهيك عن الترويج لبيانات خاطئة، فيما يسعى فيسبوك لإيجاد حلول تقلل من الحسابات المزيفة وانتشار الأخبار المفبركة عبر الإعلانات المدفوعة. وهو ما يدفع أخيرًا للتساؤل عن رحلتنا مع هذا الوسيط الذي بدأ مبشرًا بفردية منتصرة ثم اتخذ طريقه حتى صار شبكة متحكمة يمكن من خلالها صياغة الاتجاهات الاجتماعية والسياسية، ليس فقط عبر تعزيز خطابات دون غيرها، ولكن بالقدرة المؤسسة على قاعدة بيانات أضفتها بنفسك عن نفسك. هي ليست قدرة سياسي بارع على إقناع الأغلبية من شعبه والسيطرة على الأذهان التي لا يعرف ما يدور فيها، هي بالأحرى قدرة استقطاب مبصرة لكل من يمكن التأثير عليهم وحشدهم وفقًا لما أبدوه من تفضيلات بالفعل.

وكأننا عندما ننظر من موقعنا الحالي لصراعات الأفكار والقيم والترندات على شبكات التواصل الاجتماعي مضطرون للاحتماء بتراث الفردانية القديم في مواجهة الثقل الكبير للحشود، أو ما يظنها كل منا في مكانه حشودًا، ولكنها فردانية لا توفر لنا تفاعلًا عقلانيًا بالضرورة أو منتجًا لمعرفة مختلفة، بقدر ما تلعب دور شرطي مرور وسط فوضى الشارع.. حتى لا تصطدم السيارات.