الجوع.. عدو جديد يهدد أهالي رفح

هذه هي الصورة في رفح التي أضيف لمشاكلها فوق إجبار مواطنيها على النزوح والحياة تحت القصف؛ نقصًا حادًا في المواد الغذائية تفاقم خلال الأيام اﻷربعين الماضية.

محال خاوية وطرق خالية، وأثار قصف عشوائي تركت طلقاته بصماتها على جدران منازل بعضها ما يزال مأهولًا بالسكان. هذه هي الصورة في رفح التي أضيف لمشاكلها فوق إجبار مواطنيها على النزوح والحياة تحت القصف؛ نقصًا حادًا في المواد الغذائية تفاقم خلال الأيام اﻷربعين الماضية.

اضطر من تبقى من سكان في مدينة رفح الواقعة على الحدود المصرية الفلسطينية إلى ترك منارلهم واللجوء إلى ما تبقى من مباني المدارس، للاحتماء بها من القذائف المقصود بها مسلحي تنظيم "ولاية سيناء" لكنها تجد طريقها لبيوت الأهالي أحيانًا. يحاصرهم الخوف من كارثة إنسانية على وشك الوقوع، منذ قامت قوات إنفاذ القانون من الجيش والشرطة بإغلاق الطرق الرئيسة المؤدية للمدينة في شهر أغسطس/ آب الماضي، ليقف مد المواد الغذائية التي تحيا المدينة على استقدامها من خارجها.

حسب أحدث إحصائية رسمية على موقع محافظة شمال سيناء لعام 2016، يبلغ عدد سكان رفح حوالي 81 ألف نسمة موزعين على 11 قرية، لكن هذا العدد تناقص بعد قرار مجلس الوزراء بفرض منطقة عازلة في المدينة الحدودية، استوجبت إخلاء العديد من البيوت وفرض النزوح على آلاف الأسر، ثم تزايد نزوح السكان باطراد مع استمرار العمليات المسلحة التي تشهدها المنطقة الجنوبية، وكذلك بسبب العمليات الأمنية وسقوط القذائف العشوائية التي تهدد حياة المدنيين. كل هذا دفع كثير من اﻷهالي لترك بيوتهم طوعًا، لينضموا لـ5324 أسرة، نزح أفرادها (حوالي 12 ألف مواطن بحسب تعداد رسمي للمحافظة) رغمًا عنهم بسبب قرارات الدولة بإخلاء الشريط الحدودي المتاخم للحدود المصرية الفلسطينية.

قبل أن يبسط مسلحو تنظيم "ولاية سيناء" نفوذهم وسلاحهم على الحركة في المحافظة الحدودية، ويدخلوا في حرب ما زالت مفتوحة مع قوات الجيش والشرطة العاملة فيها؛ كانت رفح مدينة تتمتع بمستوى اقتصادي معقول، يحيا عدد غير قليل من سكانها على زراعة الزيتون والموالح والخوخ وأصناف أخرى من الخضر والفواكه. الآن صارت أراضي رفح الزراعية مهجورة بالكامل تقريبًا، ويعاني سكانها لإيجاد ما يسد رمقهم منذ أُغلقت الطرقات المؤدية للمدينة بالسواتر الرملية لدواع أمنية في 19 أغسطس/ آب الماضي.

مع انتصاف أغسطس، فوجئ الباقون من سكان رفح بقيام قوات الجيش بشن حملة أمنية مُكَبَّرَة، انتشرت في عدة قرى داخل المدينة وقامت بتدمير عدد من المنازل وتجريف مزارع المواطنين دون إبداء أسباب. انقطعت وقتها شبكات المحمول الثلاث عن رفح والشيخ زويد والعريش، وانعزلت المدن الثلاث عن العالم لثمانية وأربعين ساعة تقريبًا، قامت خلالها قوات الأمن بإغلاق جميع مداخل ومخارج المدينة بالسواتر الرملية، لتتوقف تمامًا الطرقات الرئيسية والفرعية التي كان الأهالي يستخدمونها لاستقبال المواد الغذائية، وسط صمت إعلامي لافت.

"لايوجد لدينا ما نأكله، حتى الطحين (الدقيق) غير متوفر" يقول إبراهيم أبو رقيبة أحد سكان منطقة الطايرة برفح، وهو يشرح خطورة الأزمة التي تسبب فيها إغلاق الطرقات النافذة إلى المدينة، مع فراغ المحال التجارية والتموينية من المواد الغذائية، ما تسبب في قفزات كبيرة في أسعار المواد الغذائية النادرة.

سكان رفح يستغيثون عبر الشبكات الاجتماعية لندرة المواد الغذائية

يقول أبو رقيبة إن الأسعار "وصلت لأرقام خيالية، حتى سعر لتر السولار وصل 20 جنيهًا"، وهو سبيل سكان المدينة للالتفاف على انقطاعات الكهرباء التي تصل إلى أسابيع متواصلة أحيانًا، فيضطر السكان للاعتماد على المولدات العاملة بالسولار.

أهالي المدينة لجأوا للاعتماد على النساء، حيث تم توفير عدد من عربات الكارو تستخدمها النساء في الانتقال ومحاولة جلب المواد الغذائية الضرورية من خارج رفح بعد استئذان قوات الأمن.

أبو يحيى أحد سكان حي الطايرة، يقول إن الوضع بالمدينة "مش جديد"، فمنذ ما يقرب من ثلاث سنوات يعيش الأهالي "ظروفًا صعبة للغاية"، فوصول المياه لمنازل المواطنين أصبح "من الذكريات" لانقطاع المياه عن المدينة نهائيًا لأسابيع، فضلًا عن النقص الحاد في مستلزمات المعيشة والمواد الغذائية، وإغلاق محطات الوقود الذي تسبب في ارتفاع الأسعار مع ازدياد تكلفة النقل. علاوة على "استهداف خط جهد 66 المغذي للمدينة، وبسببه ينقطع التيار الكهربائى عن المدينة 30 يومًا متواصلًا أحيانًا" بسبب تعثر شركة الكهرباء في إصلاح العُطل مع استمرار الحملات الأمنية المُكَبّرة بالمنطقة.

عبد المجيد أبو جراد قال إن أهالي المدينة لجأوا للاعتماد على النساء في جلب المواد الغذائية، حيث تم توفير عدد من عربات الكارو تستخدمها النساء في الانتقال ومحاولة جلب المواد الغذائية الضرورية من خارج رفح، بعد استئذان قوات الأمن عند الخروج من المدينة والعودة إليها.

سوق رفح خال من البضائع والمشترين

وأوضح أبو جراد أن نساء المدينة ذهبن إلى حي أبو طويلة الذي يبعد عن رفح 10 كيلو مترات جهة الجنوب، للحصول على بعض الأطعمة والمُعلّبات والألبان والدقيق على عربات الكارو، و"عدن لديارهن سالمات بعد نجاح المهمة". واصفًا الوضع في المدينة بأنه "مأساوي"، "بنشتري شوال الدقيق بأسعار خيالية [...]، الدقيق شريان الحياة للبدو، وهو عصب حياتهم، فإذا توفر يعتبرون الباقي إضافات"، ووفقًا لأبو جراد، فإن عبوة الدقيق صغيرة الحجم التي لا يتخطى سعرها الحقيقي 15 جنيهًا، وصل سعرها إلى 200 جنيه في بعض المناطق.

بعد أيام من الحصار ونقص السلع الغذائية، طالب شيوخ قبائل رفح بفتح طرق آمنة لمرور البضائع، فسمحت القوات بمرور بعض المواد التموينية، على رأسها الدقيق، في سيارات يتم تأمينها حتى الوصول للمدينة وتوزيعها على البقالين التموينيين، فيما كانت الوسيلة الوحيدة لنقل تلك المواد للأهالي داخل المدينة هي عربات "الكارو" التي تسمح القوات بتجولها. الشيخ عارف العكور كان أحد مشايخ المدينة الذين تواصلوا مع قوات الأمن بغرض مطالبتها بفتح ممرات آمنة لتنقلات الأهالي وسهولة عبور السيارات التي تحمل المواد الغذائية، يقول إنه طالب قوات الأمن "بضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها" في المدينة التي تعاني الحصار والعزلة منذ أربع سنوات تقريبًا.

عدد من أهالي المدينة يتخاطفون قليل من السلع الغذائية المتبقية