مُتَرجَم | الصحفي والثورة

جاك شنكر

ترجمة عن النيويورك تايمز

بينما يقال للصحفيين دائما أن يبقوا منفصلين عن اﻷحداث التي ينقلونها، لضمان أن تكون كراساتهم أدوات منظمة للتوثيق، معزولة بعناية عن الصخب حولها. كانت صفحات كراساتي مبقعة بالغبار واﻷوساخ، وبعضها كان مبقعا بالدموع.

عند المنزل على الناصية، بعد كشك السجائر والمغسلة والمتاريس المعدنية الملتوية المجمعة لحماية المارة من الرصاص، جلست القرفصاء مع مجموعة من الصبية يحملون الحجارة.

كان ذلك في بدايات فبراير/شباط 2011. كانت مصر، حيث عملت مراسلًا لسنوات عديدة، تلفها الثورة، وكان المتظاهرون ينقلون الحجارة إلى السطح ضمن جهودهم للدفاع عن ميدان التحرير ضد هجوم للثورة المضادة. وبينما يقال للصحفيين دائمًا أن يبقوا منفصلين عن اﻷحداث التي ينقلونها، لضمان أن تكون كراساتهم أدوات منظمة للتوثيق، معزولة بعناية عن الصخب حولها. كانت صفحات كراساتي مبقعة بالغبار واﻷوساخ، وبعضها كان مبقعًا بالدموع.

لاحظ المؤرخ هوارد زين حين مرة أنه "لا يمكنك أن تكون محايدًا على متن قطار متحرك"، ولا قطار يتحرك أسرع، أو يتأرجح بعنف أكبر من أمة منخرطة في انتفاضة شعبية. أين وكيف بالضبط ينبغي على المراسلين أن يثبتوا أقدامهم في مثل هذه اللحظة، هو سؤال ينبغي أن يطرحه مجددًا كل مراسل، في كل ركن بالعالم، في انتفاضة تلو أخرى. كثير من هؤلاء الذين اضطروا ﻷن يشتبكوا مع هذا السؤال منا -كما كان الحال معي في تلك الليلة- قد توصلوا إلى إجابات مختلفة. جميعها مشوش. وعبر القرن اﻷخير، شكلها جميعًا، عن وعي أو بدونه، إلى حد ما عمل جون ريد، المراسل الأسطوري للكرونيكلر في روسيا أثناء ثورة أكتوبر 1917.

بعيدًا عن أن يكون حضورًا خفيًا في قصته، كان ريد بشكل متكرر بطل هذه القصة: فهو يشق طريقه عبر الحراس، ويهدده متظاهرون مشكوك بأمرهم بالتعدي عليه، ويتجنب بالكاد أن يرديه جنود قتيلًا قبالة حائط.

لم يصطنع ريد، الصحفي اﻷمريكي الشاب الذي وصل إلى سانت بيترسبرج مع زوجته لويز بريانت، في الوقت الذي بدأت فيه حكومة روسيا الانتقالية الهشة في الانهيار، وكانت شوارع المدينة الخلفية تعج بالهمسات حول اﻹضرابات والتمرد، والتحريض، أية ادعاءات بالحياد في تغطيته. "كانت هذه ثورته، وليست حدثًا غائمًا في بلد أجنبي،" كما كتب المؤرخ البريطاني إيه جيه بي تايلور لاحقًا. ولا يستكشف كتاب ريد "عشرة أيام هزت العالم" الانتفاضة الشيوعية كما يمكن لعالم أن يحلل عينات من خلال ميكروسكوب وإنما يستكشفها كخبرة معاشة بكل آمال ومخاوف الحياة الحقيقية.

بعيدًا عن أن يكون حضورًا خفيًا في قصته، كان ريد بشكل متكرر بطل هذه القصة: فهو يشق طريقه عبر الحراس، ويهدده متظاهرون مشكوك بأمرهم بالتعدي عليه، ويتجنب بالكاد أن يرديه جنود قتيلًا قبالة حائط. وفي نقطة ما يجد نفسه مشاركًا في توزيع منشورات تعلن سقوط النظام القديم؛ وبعد قليل من الصفحات (أسطورية الطابع كثيرًا) يندفع عبر بوابات قصر الشتاء في صحبة الثوار المنتصرين. وفي خلال ذلك، ينقل لقرائه كيف يجري حماس الثورة ليس فقط عبر عروق أشخاص قصته بل خلال عروقه هو نفسه. ويدون ريد ملاحظته دون لهجة اعتذارية: "لا يزال من الشائع الحديث عن انتفاضة البلاشفة كمغامرة. وقد كانت مغامرة، وواحدة من أكثر المغامرات التي قام بها البشر روعة".

اعتقاد ريد بأن الشغف الشخصي، والانخراط السياسي من جانب الصحفي ليسا نقيضان لصحافة ثورية ذات معنى، بل على العكس من ذلك، يقعان في القلب منها، لم يكن هو الملمح الوحيد لعمله الذي تجاوبت معه، بينما حاولت أن أنقل تحولا قوميا مختلفا تماما، على بعد أكثر من ألفي ميل، وبعد تسعة عقود. فقد كان مؤثرا بالقدر نفسه الطريقة التي امتلأت كتابته بها بالناس والأماكن التي تبدو بعيدة عن أي مكان، ولكنها في الواقع في مركز كل شيء.

بعد 72 ساعة فقط من استيلاء البلاشفة على السلطة، على سبيل المثال، وبينما بدأت الحرب الأهلية التي ستقسم روسيا طوال نصف العقد التالي في التبلور، يكرس ريد فقرات عدة لحوار سيء المزاج بين عضو غير متعلم بالحرس اﻷحمر وبين طالب متغطرس معاد للثورة، وقع على باب محطة ريفية للسكك الحديدية.

كان المتحاوران يتجادلان حول البروليتاريا والبرجوازية؛ وفيما ورائهما كانت الجيوش واﻷفكار المتصارعة تشرع في الزحف. وفي أي سياق آخر كان الجندي سيسلم للطالب كونه اﻷعلى طبقة. ولكن التقليد القديم كان يتداعى، ويظهر ريد كلا الرجلين وهما يجولان بالفراغ الاجتماعي لشيء مجهول، شيء جديد.

سيكتب تروتسكي لاحقا عن العام 1917، أن تاريخ الثورة هو "قبل أي شيء آخر، تاريخ اقتحام الجماهير بالقوة لمجال السيادة على أقدارهم".

في مصر أيضًا، لا توجد قصة الاضطرابات في قصر حسني مبارك الرئاسي وإنما في أماكن الحياة اليومية حيث تتزحزح المعايير: في التكاتك التي كانت محصورة سابقًا في المناطق العشوائية على هوامش العاصمة، والتي تشق طريقها اﻵن بنفيرها غير مبالية إلى داخل مركز المدينة؛ وفي أطفال المدارس الذين يعيدون تمثيل المعارك في مواجهة قوات اﻷمن في فناء المدرسة؛ وفي التمردات الصغيرة، عبر البلاد، في غرفة طعام العائلة وفي قاعات محاضرات الجامعة، وفي عنابر المصنع.

سيكتب تروتسكي لاحقًا عن العام 1917، أن تاريخ الثورة هو "قبل أي شيء آخر، تاريخ اقتحام الجماهير بالقوة لمجال السيادة على أقدارهم." ولم يفهم ريد ذلك كمقولة نظرية تبقى فيها الجماهير بلا وجه، ولكنه فهمها كحقيقة عملية، حقيقة تجد جوهر الثورة بنفس القدر في التوسع العشوائي للمخيلة الفردية، كما تجده في أروقة السلطة الرسمية أو في حيل القادة المتنافسين.

ليس ما يبرز في إعادة قراءة "عشرة أيام هزت العالم" اليوم، هو النقل شبه الحرفي للاجتماعات المتطاولة والمتداخلة للجان السوفيتات، ولا هو حساء الأسماء المختصرة المنسية منذ زمن بعيد للتنظيمات والتي تتطلب فهرسًا إيضاحيًا من عشر صفحات. وهو ليس حتى المشاهد المهيبة التي شهدها ريد ونقلها في عمله، مثل الاجتماعات الصاخبة الغارقة في دخان السجائر في المقر الرئيسي للينين في سمولني، حيث كان يٌخطَط للانتفاضة، أو مثل المسيرة الجنائزية الهائلة لشهداء موسكو بعد الاستيلاء عليها. وإنما ما يبرز هو وصف هيستريا أمرأة موسرة بعدما خاطبها سائق ترام بلقب "رفيقة". وهو المشهد الذي يقود فيه عامل عجوز عربة نقل عائدًا نحو العاصمة بعد انتصار الثورة، فاتحًا ذراعيه عبر الصورة الضبابية للكتلة العمرانية وهو "يصيح وقد تهللت أساريره: "ملكي! كلها ملكي اﻵن! بتروجراد خاصتي!" إنها كل المرات التي يوجه ريد ناظريه إلى الدراما الإنسانية الصغيرة غير المنكرة، الحتمية والملحمية، حيث ينزلق التاريخ؛ والمرات التي يكون فيها حميميًا مع الصراعات التي تقع عندما يحاول كل شخص باختلاف مستوى استثماره في واقع اﻷمس، أن يجد موطئ قدم في الغد.

الثورات بطبيعتها هي أمور ارتجالية لها القليل من الخرائط لترشد المشاركين فيها أو مراقبيها. وعندما يؤدي الناس شيئًا تحويليًا بشكل جذري، ويحولون أنفسهم أثناء ذلك، من المستحيل مساءلة ما يحدث إذا ما اعتمدت فقط على القوالب السابقة. وقد قدر ريد ذلك. فاعتنق عدم المعرفة بدلًا من مصارعتها. وهو يفتتح الجزء الرئيسي لكتابه بتذكر حيرة أستاذ زائر في علم الاجتماع عندما أُخبر أن التعاطف مع الثورة كان يتصاعد ويضعف في نفس الوقت. ويقول ريد "تحير اﻷستاذ ولكنه لم يكن في حاجة إلى ذلك، فكلا الملاحظتين كان صحيحا".

يظل كتاب "عشرة أيام هزت العالم" حيًا، ليس ﻷن ريد كان مصيبًا في كل شيء (فهو لم يكن كذلك) ولا ﻷن الثورة التي قام بتغطية أحداثها كانت قصة نجاح بلا تعقيدات (فقد كانت أي شيء بخلاف ذلك).

لا يخشى ريد من نقل تناقضات الثورة – تشابك المشاغب والركيك، سُحب المعلومات المغلوطة وعدم الوضوح. وهو يصف دحرجة العربات المدرعة في الشوارع، واﻷصوات في الظلام، والخوف والشجاعة المتهورة التي ولدت روسيا الجديدة منها. وكما حاولت أن أفعل في مصر، يمسك ريد بهذا الملمح المثير للفضول للتغير السياسي السريع حيث يبقى أثاث وملحقات النظام السابق منتثرة في اﻷرجاء، وقد جردت فجأة من سلطتها، وهي باقية على حالها وسخيفة في اﻵن نفسه. وهو يفحص لغة النخب بينما تهرول للحاق باﻷحداث: فيخبره أحد كبار الرأسماليين أن الثورة مرض وأن التدخل ضروري لمنعها، كما "يتدخل المرء لعلاج طفل مريض" – في نذير بالخطاب المتعالي الذي تبناه لاحقًا القادة المصريون المتعاقبون. وينقل ريد، في فقرة كان باﻹمكان نقلها مباشرة من القاهرة أثناء انتفاضتها أن "الجو كانت تملؤه اﻷصوات المتحيرة، والمدينة تستثار لتصحو بصعوبة.”

عبر الزمان والمكان والسياق، تحدث الثورات عندما تظهر نفحة من اﻹمكانية، اتساع للأفق، دليل ملموس أن الوضع القائم ليس عصيًا على التغيير. حيثما كنا، نحن جميعا قادرون على التقاط الرائحة. بالطبع، يحتوي التاريخ الكامل للثورة الروسية على علامات مظلمة وأخرى مضيئة. وفي مصر أيضًا، وإن كان ذلك في ظل ظروف مختلفة كثيرًا، استبدلت طوباوية عام 2011 بالاختناق والعنف، بينما يحاول جيل جديد من الطغاة العسكريين محو الذكرى الجماعية لهذه اللحظة العابرة عندما أصبحت القدرة على تغيير العالم حولنا في أيدي الجموع. وعلى العكس من مناقضة نوع التغطية الصحفية التي ساعد ريد في ريادتها، تعزز هشاشة مثل هذه اللحظات من قيمته. فمن خلال فعل الحكي تصبح الثورة ذاتها ممكنة.

يظل كتاب "عشرة أيام هزت العالم" حيًا، ليس ﻷن ريد كان مصيبًا في كل شيء (فهو لم يكن كذلك) ولا ﻷن الثورة التي قام بتغطية أحداثها كانت قصة نجاح بلا تعقيدات (فقد كانت أي شيء بخلاف ذلك)، ولكنه يظل حيًا ﻷن ريد فهم القوة الحقيقية للصحافة الثورية وهي اﻹمكانية الكامنة ﻷن تحفز كل من يشتبك معها – بما في ذلك الصحفيون أنفسهم.