محمد بن سلمان.. انقلاب بلا دبابة!

في الملكيات المطلقة، لا تقبل السلطة القسمة على اثنين.

1

في المشاهد الأخيرة من فيلم الأب الروحي (1972) يظهر مايكل كورليوني وهو يحضر تعميد ابن أخته في الكنيسة. خلال ذلك الطقس الديني تتوالى مشاهد تخلص رجال مايكل من خصومه الذين يهددون عائلة كورليوني. كان قرار مايكل ضروريًا بعد أن فقدت العائلة هيبتها أمام خصومها إثر وفاة مؤسس العائلة ووالد مايكل، الدون فيتو كورليوني.


تكرر المشهد بعد ذلك في العراق عندما قرر صدام حسين التخلص من رفاقه في حزب البعث عام 1979 خلال جلسة تم تسجيلها تلفزيونيًا في قاعة الخلد ببغداد. كان الفعل الدموي بإعدام عدد من قيادات البعث ضروريًا من وجهة نظر صدام الذي أزاح أحمد حسن البكر من الرئاسة وقرر توليها بنفسها بعد سنوات من بقائه نائبًا للرئيس.

في الملكيات المطلقة، لا تقبل السلطة القسمة على اثنين.

2

لم يكن الطريق أمام محمد بن سلمان لكرسي ولاية العهد في المملكة التي أسسها جده، سهلًا أو خاليًا من أبناء أعمامه من الملوك الراحلين. فالقاعدة التي وضعها الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود لانتقال السلطة في السعودية هي تولي الأصلح من أبنائه للحكم وانتقال العرش بينهم حتى وفاتهم ثم انتقال السلطة الى الأحفاد من نسل عبد العزيز.

كان على محمد بن سلمان أن يطيح بثلاثة رجال يقفون في طريقه للسلطة المطلقة.

لكن المشكلة التي لم يتعرض لها عبد العزيز هي كيفية انتقال السلطة بين جيل الأحفاد، خاصةً وأن عددًا كبيرًا منهم هم من أبناء ملوك راحلين، وقد حصلوا على تعليم أعلى من آبائهم، ويعتقدون أن من حقهم الحصول على فرصة للوصول الى الحكم.

كان الحل الذي توصل إليه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في عام 2006 هو إيجاد هيئة للبيعة تكون قادرة على اختيار ولي العهد عبر تصويت أعضائها من كبار أعضاء الأسرة الحاكمة.

كان على محمد بن سلمان (ابن سلمان تأسيًا بلقب جده ابن سعود) أن يطيح بثلاثة رجال يقفون في طريقه للسلطة المطلقة.

الأول هو ولي العهد السابق وعمه الأمير مقرن بن عبد العزيز. لم يكن هدفًا صعبًا، لكن الإطاحة به من قبل والده الملك سلمان أتاحت لمحمد أن يكون الثالث على خط الحكم بعد ابن عمه محمد بن نايف، الرجل الثاني الذي ينبغي الإطاحة به.

هنا كان الأمر أصعب، فولي العهد (السابق) يتولى وزارة الداخلية ويتمتع بولاء قوي داخلها منذ أن كان أبوه ولي العهد الراحل نايف بن عبد العزيز وزيرًا لها. لم يكن الملك ليغامر بإحالة ولي عهده محمد بن نايف الى التقاعد والجلوس في بيته مثل مقرن، وذلك خوفًا من أن يتحول الى نسخة أخرى من الأمير أحمد بن عبد العزيز، الذي يدعو بعض الأمراء الى توليه ولاية العهد، كما تنقل حسابات سعودية على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد من مراسم استقبال الأمراء والمواطنين للأمير أحمد عند عودته من الخارج أو خلال الأعياد الدينية.

كان الحل أمام الملك هو إزاحة محمد بن نايف عن مناصبه فجأة وتحديد إقامته داخل المملكة. تم إعلان تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد، لتكون تلك هي المرة الأولى التي يصبح فيها الابن وليًا للعهد منذ انتقال السلطة من عبد العزيز الى ابنه سعود عام 1953. بعدها بأسابيع نشرت وكالة رويترز ووسائل إعلام غربية تقارير تتحدث عن أن محمد بن نايف تم إزاحته بسبب إدمانه على المسكنات الطبية التي تلقاها في أعقاب محاولة اغتياله عام 2009.

الرجل الثالث هو متعب بن عبد الله. وزير الحرس الوطني وابن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، والاسم الذي كان مرشحًا خلال حياة أبيه كي يكون أول حفيد يصل إلى ولاية العهد. تم إعفاؤه من منصبه في ليلة الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017 والقبض عليه بتهم الفساد في صفقات سلاح والاختلاس واختيار شركاته لترسية عقود داخل وزارته.

كل من تم القبض عليهم ليلة الرابع من نوفمبر كانوا من الضخامة ماليًا وسياسيًا الى مستوى أن يطلق عليهم اسم: "دولة الملك عبد الله". لكن متعب كان أهمهم وأكثرهم خطرًا على ابن سلمان. فهو يرأس الحرس الوطني الذي يصل عداد أفراده الى مائة ألف بالإضافة الى ستين ألفًا من قوات الاحتياط. وبعكس الجيش السعودي فإن الولاءات القبلية تلعب دورًا كبيرًا داخل تشكيلات الحرس الوطني والتي تعد الرديف القبلي للنظام السعودي منذ أن تم تشكيلها عام 1954 لترث مكتب "الجهاد والمجاهدين" الذي كان يشرف على رجال القبائل الذين حاربوا مع ابن سعود خلال تأسيسه للدولة السعودية الثالثة.

قبل الإطاحة بمحمد بن نايف، كانت التوقعات تميل الى أن متعب بن عبد الله من خلال ترأسه للحرس الوطني ومكانته داخل الأسرة، سيكون رجل الحفاظ على التوازن بين رجل الداخلية (ابن نايف) وبين وزير الدفاع (ابن سلمان). ولهذا السبب لم يكن متصورًا أن تتم الإطاحة به بعد وفاة أبيه الملك عبد الله كما جرى الحال مع إخوته وأبرزهم أمير الرياض السابق تركي بن عبد الله. أو أن يتم استبعاده من معادلة الحكم خلال الإطاحة بمقرن أو بمحمد بن نايف.

3

لم يكن متعب بن عبد الله هو الرقم الصعب الوحيد الذي يقف أمام صعود ابن سلمان الى عرش السلطة المطلقة دون أن ينازعه فيها أحد. فالأمير الوليد بن طلال، أهم رجال الأعمال داخل المملكة وواجهتها في عالم الأعمال حول العالم، عقبة أخرى وإن لم تكن على طريق السلطة وإنما على طريق تحقيق ابن سلمان لمشروعه الاقتصادي الذي يحمل اسم: رؤية 2030.

بثروته التي تقدر بثمانية عشر مليار دولار سيكون الوليد قادرًا على شراء أهم الحصص وأكبرها في مؤسسات الدولة التي سيتم تخصيصها، وهو ما يعني حصوله على قطعة من كعكة السلطة عندما يصبح ابن سلمان ملكًا. كما أن الوليد لم يكن متحمسًا لوصول ابن سلمان الى الخط الأول للحكم في المملكة عند تعيينه وليًا لولي العهد. لهذه الأسباب خرج الوليد بشكل صاخب من ساحة المال في بلاده عبر اتهامه بغسيل الأموال والتحفظ على أمواله وتجميد حساباته.

أباطرة المال والإعلام مثل الوليد الإبراهيم، مالك مجموعة إم بي سي، وصالح كامل وولديه، وبكر بن لادن، ومحمد العمودي، كانوا أيضًا ممن اختارهم ابن سلمان في الجولة الأولى من عملية إزاحة "دولة الملك عبد الله" من طريقه، وتدشين عصر جديد منفصل عن كل العصور السابقة داخل المملكة التي اعتادت على الانتقال الهادئ والآمن للسلطة منذ الإطاحة بالملك سعود بن عبد العزيز عام 1964.

بالطبع من بين الأسماء التي تم توقيفها بتهم الفساد في صفقات السلاح الأمير تركي بن ناصر، الذي كان من بين الذين أشرفوا على صفقة اليمامة العسكرية لشراء مقاتلات حربية بريطانية منذ منتصف الثمانينات وحتى عام 2006. لكن الفساد الذي أحاط بصفقة اليمامة كان معروفًا للجميع داخل وخارج المملكة، وحاول مكتب "تحقيقات الاحتيالات الخطيرة" البريطاني التحقيق في الصفقة التي شهدت رشىً ناهزت المليار جنيه إسترليني تم دفعها من مجموعة "بي أيه إي سيستمز" البريطانية الى أمراء سعوديين من بينهم السفير السابق في واشنطن بندر بن سلطان. لكن المحاولة القضائية البريطانية تم إيقافها بعد تدخل من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عام 2006.

تجميد حسابات تركي بن ناصر بالإضافة الى حسابات من شملتهم الجولة الأولى من عملية "الحرب على الفساد" تعني عمليًا انتقال عشرات المليارات من الدولارات الى خزينة الدولة السعودية التي بحاجة الى قدر هائل من الأموال لتنفيذ رؤية ابن سلمان والانخراط في جبهات مواجهة إيران داخل اليمن أو لبنان.

4

التصعيد السعودي على حزب الله في لبنان وعلى الحوثيين في اليمن، واقتراب الرياض من لحظة المواجهة المباشرة مع طهران، قد يؤخر ابن سلمان قليلًا عن هدفه بحسم المعركة مع الدوحة لصالحه.

فور ورود الأخبار المفاجئة وغير المتوقعة بالقبض على عدد من الأمراء ورجال الأعمال والوزراء السابقين وإحالتهم إلى التحقيق بتهم الفساد وغسيل الأموال، ومن بينهم أسماء بحجم متعب بن عبد الله والوليد بن طلال، كان لافتًا أن يكون رد فعل قناة الجزيرة الإخبارية، الذراع الإعلامي الأقوى لقطر، هادئًا وحذرًا.

يمكن من خلال رد الفعل هذا توقع أن تشعر القيادة القطرية بالقلق مما يجري في الرياض. فالشقيقة الكبرى التي اعتاد القطريون على مد حبال التواصل مع أجنحة السلطة المختلفة داخلها على مدى عقود، وجدوا أنفسهم فجأة يتعاملون مع أمير لم يتجاوز عمره الثانية والثلاثين ولا يخشى الإطاحة برموز الأجنحة الأخرى للسلطة في المملكة بأكثر الوسائل صخبًا وابتعادًا عن العادات والتقاليد السياسية السعودية.

تأثير ما جرى في الرياض ليلة الرابع من نوفمبر على الأزمة مع قطر سيحمل مزيدًا من التصعيد. وهو ما قد تتفاداه قطر في حال تقديمها لتنازلات سريعة من أجل تجنب المواجهة مع رجل استطاع التخلص من مراكز القوى الدينية والاقتصادية والسياسية بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ الدولة السعودية الثالثة.

الأمر الوحيد الذي قد يطمئن القطريين قليلًا هو انخراط ابن سلمان في أكثر من جبهة إقليمية بغرض ضرب النفوذ المتمدد لإيران في المنطقة والذي وصل إلى حد إمداد الحوثيين في اليمن بصاروخ بعيد المدى وصل إلى سماء الرياض ليلة الرابع من نوفمبر، وذلك بالتزامن مع استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية والتي أعلنها من الرياض، وبالتزامن أيضًا مع الليلة الأولى من "الحرب على الفساد".

التصعيد السعودي على حزب الله في لبنان وعلى الحوثيين في اليمن، واقتراب الرياض من لحظة المواجهة المباشرة مع طهران، قد يؤخر ابن سلمان قليلًا عن هدفه بحسم المعركة مع الدوحة لصالحه، لكن المراقب لمسيرته منذ بدايات صعوده السياسي لن يستطيع التنبؤ بخطوته القادمة خلال معركته مع قطر.

5

يتمتع ابن سلمان بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي أعلن في تغريدة له على تويتر عن "ثقته الكاملة في الخطوات التي يتخذها الملك وولي عهده من أجل التعامل بقسوة مع بعض الذين "حلبوا" بلادهم لسنوات.

كما يتمتع بدعم ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد والذي أعلن في ليلة الرابع من نوفمبر عن وقوف الإمارات مع السعودية في "العسر واليسر". وبالطبع يتمتع بدعم الرئيس المصري الذي لا يترك مناسبة وإلا يعبر من خلالها عن دعمه وشكره للقيادة السعودية.

هذا الدعم الدولي والإقليمي يكفي كي يستمر ابن سلمان في طريقه لمواجهة نفوذ إيران الإقليمي. كما أن هذا الدعم يعبر عن ثقة مراكز الثقل الدولية والإقليمية في الرجل الذي اختار تركيز جميع مصادر السلطة داخل المملكة في يديه قبل أن يصل للكرسي الأول في البلاد. فبالإضافة الى الجيش، أصبح ابن سلمان مسيطرًا على الداخلية بعد الإطاحة بمحمد بن نايف، وأصبح مسيطرًا على الحرس الوطني بعد الإطاحة بمتعب بن عبد الله، وأصبح مسيطرًا على الاقتصاد بعد الإطاحة برموزه الأهم ومن بينهم الوليد بن طلال.

6

في رواية الأب الروحي لماريو بوزو، يقول دون فيتو كورليوني: "الصديق يجب دائمًا أن يقلل من توقعه للمزايا التي تتمتع بها، بينما على العدو أن يبالغ في توقعه لأخطائك".