كُلُّ الزّمانِ لفيروز

فيروز هي فيروز لأنها تعرف من تغني لهم، تعرفهم جيدًا، تعرف كيف كيف سيعبرون عن حبهم وكيف سيشتاقون إلى الوطن، تعي أن جوهر كل شيء يكمن في أدق تفاصيله لا في عنوانه العريض.

شمعة جديدة تنطفئ في عمر ينساب مع الموسيقى وتكمل فصلًا من حكاية طويلة، بدايتها صعبة على الذاكرة ونهايتها بعيدة عن الإدراك. أتمّت فيروز اليوم السنة الثالثة والثمانين من عمرها المستمر بلا نهاية.

ثلاثة وثمانون سنةً امتزجت حياتها بالموسيقى وتماهت حياتنا مع غنائها، أكثر من خمسة أجيال استدعت فيروز في لحظات الولع والخيبة، الارتباك والحرب، الوطن بتفاصيله التي نحب لا بقيمته المستعصية على الفهم. خمسة أجيال مرّت على هذا الصوت وخمسون جيلًا وربما أكثر ينتظرها كل هذا الجمال.

لن تنتهي حياة فيروز إلا بانتهاء استدعاء صوتها، وهذا زمن بعيد عن الإدراك.


نهاد.. وحليم

في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1935 ولدت الطفلة نهاد وديع حداد في قرية جبل الأرز التابعة لقضاء الشوف.

انتقل السيد وديع مع زوجته ليزا البستاني إلى بيروت بعد ولادة نهاد بفترة وجيزة إلى حي زقاق البلاد في العاصمة بيروت، وهناك شبّت الفتاة وشبّ صوتها معها، لتنضم خلال سنوات المراهقة إلى الإذاعة اللبنانية بعد أن لفت حُسن صوتها نظر كل من حولها.

بدأت الرحلة في كورس الإذاعة اللبنانية الذي يقوده موسيقي اسمه محمد فليفل، ولكنَّ حُسن صوتها لفت انتباه مدير الإذاعة اللبنانية حليم الرومي، فغيّر اسمها إلى فيروز وقدّم لها ألحانًا مثل طقطوقة يا حمام يا مروح من كلمات فتحي قورة كما أشركها معه بالغناء في ديالوج "عاشق الورد" من كلمات محمد السباع، وهذه هي المرحلة الوحيدة التي قدمت فيها فيروز أغنيات باللهجة المصرية، إذا استثنينا إعادة تقديم أغنيات الشيخ سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب.


فيروز.. وعاصي

في مطلع الخمسينيات تعرّفت فيروز إلى الأخوين رحباني، وهنا تحوّل الأمر من صوت حسن إلى مشروع مكتمل، هنا بدأت رحلة التجديد.

امتدت رحلة فيروز مع الرحابنة طويلًا، وتماهت فيها الحدود بين ما هو فني وما هو شخصي، ليصح الحديث عن تجربة إنسانية اكتملت أركانها بزواج فيروز من عاصي الرحباني عام 1955 وإنجابها زياد (1955) وهالي (1958) وليال (1960 - 1988) وريما (1966).

بدأت رحلة الرحابنة مع صوت فيروز بلحن "حبذا يا غروب"، ليتشكّل الثالوث المجدد في الموسيقى العربية، والذي قدّم نمطًا مغايرًا عمّا كان الغناء العربي يسير عليه في تلك الفترة، بالمزج بين الموسيقى الغربية والألوان الشعبية اللبنانية.


الخطوط المتوازية

الوطن عند فيروز لم يكُن قيمة مطلقة نمدحها، أو عدو مفترض نلعنه، بل تعلق الأمر بالتفاصيل الصغيرة تلك التي نحبها في الوطن، لا شعارات رنانة ولكن أنسنة القيم الكبرى.

بعد تجاوز البدايات انطلق السهم، لا يقتصر الأمر هنا على صوت فيروز الذي يشكّل معجزة بحد ذاته، ولكنها صقلته بالتجربة، بالتنوع، بالانتقال بين الأنماط المختلفة، فبينما يقدّم لها الأخوان رحباني الألحان الحريرية مثل "يا حنيّنة" و"نحن والقمر جيران" و"نحن الهوا جرحنا"، يزيد فليمون وهبة تجربتها ثِقلًا ورصانة في "يا ريت منن" و"يا مرسال المراسيل" و"طلع لي البكي".

تقافزت الفتاة الصغيرة بين الرحابنة وفليمون وهبة، ليتّزن المشروع، ويصبح في اتزانه اكتماله.

وحدها كانت فيروز في ذلك الزمان تقوم بما تقوم به، في القاهرة كانت أم كلثوم تستغرق خمس ساعات لتؤدي ثلاث أغنيات عن لوعة الحب أو هجر الحبيب أو إعلاء شأن الوطن أو ربما مدح النبي، وهي المواضيع نفسها التي قدمها مطربون آخرون عدا أم كلثوم في أغنيات أقصر، ولكن أحدًا لم يغنِّ كما غنّت فيروز التي كانت أقرب ما يمكن إلى الحداثة.


غنّت فيروز كما لم يغنِّ أحد

مع استثناءات محدودة، فالوطن عند فيروز لم يكُن قيمة مطلقة نمدحها، أو عدو مفترض نلعنه، بل تعلق الأمر بالتفاصيل الصغيرة تلك التي نحبها في الوطن، لا شعارات رنانة ولكن أنسنة القيم الكبرى، فالوطن يُختزل في "قهوة ع المفرق"، أو التلال التي تطلب إلى حبيبها أن يأخذها إليها "على الأرض اللي ربّتنا نساني على حفاف العنب والتين".

الحب أيضًا كالوطن، فتتجاوز فيروز السذاجة التي انحبس فيها الشعر الغنائي العربي -باستثناء بيرم التونسي- لدى تناوله قصص الحب، فالأمر بالنسبة لفيروز لا يتعلق بالثنائية السطحية التي إما أن تتغزل في مفاتن الحبيب أو تشكو هجره وغشه.

لا شيء أسوأ من أغنية حب لن يغنيها أحد لمن يحب، من أغنية الحب التي لا تتمكن من التغلغل في علاقات الحب الحقيقية، لا أحد يغني لامرأة يحبها "أهواك وأتمنى لو أنساك"، وثمة ابتذال إذا أخبرت فتاة حبيبها أنه "أمل حياتي يا حب آتي"، خير من ذلك كله أن تقول له "عندي ثقة فيك".

فيروز هي فيروز لأن الأمر يتجاوز معجزة اكتمال صوتها، ويتجاوز موسيقاها الحداثية، فيروز هي فيروز لأنها تدرك ما تقوم به، لأنها تستقل في المخيلة، تشكل مزاج المستمع، فيروز هي فيروز لأن الناس يتذكرونها في غير أوقات الاستماع إلى غنائها، لأنها تُستدعى في أغلب الأحيان.

فيروز هي فيروز لأنها تعرف من تغني لهم، تعرفهم جيدًا، تعرف كيف كيف سيعبرون عن حبهم وكيف سيشتاقون إلى الوطن، تعي أن جوهر كل شيء يكمن في أدق تفاصيله لا في عنوانه العريض.


جنون الفتى

أتمّت فيروز اليوم ثلاثة وثمانون عامًا وقبل شهرين فقط طرحت آخر أعمالها، بعد ثلاثة وثمانين عامًا ما زالت قادرة على خوض التجارب وإنجاز المغامرات.

في عام 1979 أحيت فيروز حفلًا في مسرح الأولمبيا في باريس، بعد أن عادت إلى بيروت، أعلنت انفصالها الفني والإنساني عن عاصي الرحباني بعد 24 عامًا هم أيضًا عُمر الفتى الذي يقدم مسرحيات سياسية كوميدية على مسارح بيروت ويلحّن بموهبة يبدو أنها مبشرة.

تركت فيروز نفسها تتهادى إلى إيقاع الفتى الجامح ولكنها أيضًا تحقق التوازن، تقدم "معرفتي فيك" ولكنها أيضًا "تغني زكي ناصيف"، تصدر أسطوانة "كيفك إنت" ولكن تلحق بها "إلى عاصي" التي تعيد، برصانة، توزيع بعض ألحان عاصي في ذكرى وفاته العاشرة.

فيروز مولعة بالتوازن الذي أسسته في الستينيات، انتهت ثنائية الأخوين رحباني/فليمون وهبة المتوازية لترثها ثنائية أخرى، فبينما عبثت بتراثها مع الرحابنة في "الأولى" و"الثانية"، واكتشفت الموسيقى الشعبية مع "عودك رنان" و"مش كاين هيك تكون" و"مش قصة هاي"، استخدمت ألحان محمد محسن المغرقة في شرقيتها مثل "أحب من الأسماء" و"جاءت معذبتي".

انتهت قصة فيروز مع زياد عام 2010 بعد خلاف، انتهى زمن السير على الخطوط المتوازية ولكن الولع بالسير لم ينتهِ، كما لم ينتهِ التوق إلى الاستمرار أو الحاجة إلى الاستدعاء مجددًا.

أتمّت فيروز اليوم ثلاثة وثمانون عامًا وقبل شهرين فقط طرحت آخر أعمالها، بعد ثلاثة وثمانين عامًا ما زالت قادرة على خوض التجارب وإنجاز المغامرات، ولو كانت غير محسوبة، فهي لا تستحق إلا الامتنان على شجاعة التجربة وإدراك أن عمرها سيستمر بلا نهاية، وأن ندعو ريما الرحباني بعدها إلى الراحة، إلى النوم.