الثمانينيات التي غيرت كل شيء.. أو كيف صارت الأغاني ممكنة!

كانت الموسيقى والغناء في عقد الثمانينيات متعةً خالصة نستنشقها وكأن روائح الموت في الجوار غير موجودة.

عندما ركبنا في السيارة، زملائي الأربعة الذين ولدوا في أواخر السبعينيات وأنا، أدرتُ المسجّل فإذا بصوت أحمد منيب يقطع ثرثراتنا ليعمَّ صمتٌ في السيارة ووجومٌ على الوجوه.

ورغم أن الصوت المهموم بدا قادمًا من زمن سحيق البعد، إلا أنه كان مفعمًا بأملٍ حارّ شديد الراهنيّة، أملٍ لم يؤثّر فيه قيد شعرة كونُ الشوارع التي مررنا بها قاحلة، أرصفتها عارية وواجهات محالها ضريرة. لا بل إننا كدنا، فيما منيب يغني "شد القلوع يا مراكبي"، نسمع عبر الألحان الرشيقة صوتَ الريح وصياح البحّارة وماء البحر يغسل أرواحنا اليابسة.

فلا بدّ، إذن، أن الأغنية مسّت شيئًا في أعمق أعماقنا وخاطبت جانبًا خفيًا في دواخلنا. وأنت قد لا تفهم هذا كله إلا إذا.. كنتَ مولودًا في أواخر السبعينيات أو مطالع الثمانينيات.

والأمر لا يقتصر على عدم الفهم، بل على الاستغراب والنفور ربما ورفع الحواجب أو الضحك أحيانًا. فالأجيال الجديدة، التسعينيات ومطلع الألفية، ترى إلينا، نحن الجيل الثمانيناتي، بشرًا قادمين من التاريخ حين نعبّر عن تعلّقنا بأغاني ذلك الزمن؛ فيظنون أننا إما مرضى، أو مبالغون في أحسن الأحوال.

صحيحٌ أنّ الاستماع للموسيقى في سن الطفولة أو على تخوم المراهقة، بسبب طزاجة وعينا وتصوّراتنا عن أنفسنا وعن العالم، هو تجربة خاصة ومثيرة؛ إلا أن الصحيح أيضًا أن عقد الثمانينات كان خاصًا جدًا.

في ذلك العقد، كنا نشهد عالمًا يتداعى ويوشك على الانهيار في أية لحظة. لحظةٍ مرهونة بأحد ما في واشنطن أو موسكو حيث الصواريخ النووية تنتظر أمرًا بالانطلاق. ولعلّ أبرز تعبير فني عن تلك اللحظة الأبوكاليبسية، كان أغنية "أرض الحيرة" Land of Confusion بواسطة فرقة الروك الإنجليزية، جينيسيس، عام 1986. أما عندنا، فكان حميد الشاعري أكثر من عبّر عن اللحظة إياها في كثير من الأغاني التي اتخذت طابعاً "وجودياً".


ولئن كانت الموسيقى، تاريخيًا، هامشًا على متن الحياة العريض؛ بدت موسيقى الثمانينيات، للمرة الأولى ربما، الهامش الذي ينافس المتن.

ورغم أن أعمارنا في ذلك الوقت لم تكن لتسمح لنا بفهم دواعي التداعي ذاك، إلا أن كل شيء حولنا كان يوحي بالضباب واللا يقين والشحوب الذي يخبّئ وراءه كارثة وشيكة. صوت آلة الأورج المخترعة حديثًا حينها، كان باردًا ناطقًا بلسان الحرب الباردة وصقيعها. وكان يسعك، كذلك، أن تسمع مع نغمات الجيتارات ودقات طبول الفرق الغنائية الذائعة في ذلك الوقت، تهديدًا أو وعيدًا بالدمار على لسان أحد زعماء المعسكرين المتصارعين.

اقرأ أيضًا: موسيقى الثمانينيات مع ملوك الحصريات

ونحن، في الأردن، كنا في قلب الصراع محاطين به من كل الجهات. فمن الغرب كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى تؤذن بانتقال المعركة مع إسرائيل إلى مستوى جديد، ومن الشرق اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وفي الشمال كانت الحرب الأهلية اللبنانية ما تزال مشتعلة، وقد زادها الغزو الإسرائيلي اشتعالًا، أما في الجنوب، فبدأ عصر "الصحوة" السعودية على وقع الثورة الإيرانية وحركة جهيمان.

الأردن نفسه، كان يعيش أسوأ أزمة اقتصادية منذ تأسيس المملكة أدت لانهيار الدينار وبداية الارتهان لصندوق النقد الدولي. وفي خلفية كل ذلك أو في قلبه، انهارت أسعار النفط إلى ما دون 10 دولارات نتيجة التباطؤ الاقتصادي في البلدان الصناعية وأزمة الطاقة عام 1979، أو ما سُمّي حينذاك "تخمة النفط". وهذا كله معطوفًا على اتفاقية السلام التي وقّعها أنور السادات مع إسرائيل، والجروح السياسية والمجتمعية التي كانت لمّا تزل تنزف جرّاء حرب أيلول الأردنية الفلسطينية أوائل السبعينيات.

الهرب إلى الموسيقى

ومع كل ذلك، كانت الموسيقى والغناء في عقد الثمانينيات متعةً خالصة نستنشقها وكأن روائح الموت في الجوار غير موجودة، أو ربما كانت تلك المتعة هي الرد، بطريقتنا الخاصة، على تلك الروائح بالذات، تعبيرًا عن التوق الجارف للحياة واللذة الصافية. ولئن كانت الموسيقى، تاريخيًا، هامشًا على متن الحياة العريض؛ بدت موسيقى الثمانينيات، للمرة الأولى ربما، الهامش الذي ينافس المتن. فهي لم تكن مجرد موسيقى تدور في مدار خارج تيار الحياة، بل كانت جزءًا لا ينفصم من الثقافة والأفلام والملابس وقصّات الشعر والرقصات، بل وحتى السلوك اليومي.

فما إن تصدر أغنية، كان في الوسع سماع الجميع، ولا سيما المراهقين والشباب، يرددونها ويدندنون بها في الحارات وعلى مقاعد الدراسة. ذلك أن عدم وجود الإنترنت والمحطات الفضائية، واقتصار السماع على أشرطة الكاسيت والراديو إلى حد ما، من جهة، وقلة عدد الفنانين من جهة ثانية؛ جعل للأغاني أثرًا "توحيديًا" بين الشباب والأطفال. فكلنا كنا نسمع نفس الأغاني، ما أحالها إلى نوع من "اللغة" المشتركة بيننا. وهو قد ما يفسّر الاتجاه الحديث لاستعمال أغاني تلك الفترة في الإعلانات التجارية هذه الأيام.

على أنّ مصطلح "موسيقى الثمانينيات" قد ينطوي على شيء من التضليل. فالموسيقى في ذاك العقد الفريد، كانت من التنوع، في الموضوعات والشكل والألحان والآلات، بحيث تستعصي على الإدخال في باب واحد، من غير أن يعني ذلك أنه لم يكن هناك خيط يلمّ شتاتها. فلما كانت موسيقى البانك Punk المتمردة في نزعها الأخير أواخر السبعينات، مفسحة الطريق لما سُمي الـPost-Punk أو "الموجة الجديدة" في بريطانيا، وانتقلت سريعًا إلى الولايات المتحدة؛ شرعت ألوان كثيرة من الموسيقى تنضوي تحت تلك الموجة، مثل الروك والبوب والراب والأندرجراوند.

وأكثر من ذلك، كان هناك تشابه لا تخطئه العين، أو الأذن بالأحرى، بين موسيقانا وموسيقى العالم آنذاك، أي الولايات المتحدة وبريطانيا.

وإذا عرفنا أنّ النبيّ الذي بشّر بالموسيقى الجديدة في العالم العربي هو حميد الشاعري؛ فهمنا جوهر ذلك التشابه. فالشاب الليبي الذي أرسله والده إلى بريطانيا لتعلّم الطيران أواخر السبعينيات، عاد من هناك حاملًا معه البذور الأولى للـ"موجة الجديدة"، آخذًا منها روحها الأناركية ولو بحدّة أقل مما في الغرب (بسبب ظروف القمع المعروفة في مصر) وألحانها السريعة وبعض آلاتها.

غير أنّ العامل الحاسم الذي وسم موسيقى ذلك الزمن بميسمه وأسبغ عليه طابعًا مشتركًا في كل العالم تقريبًا، هو التكنولوجيا التي كانت تتطور بتسارع، منتجة جهاز الـ Synthesizer أو السِنثسَيزر. سيغيّر هذا الجهاز الموسيقى إلى الأبد. فللمرة الأولى صار بالإمكان دمج أصوات الآلات أو أية أصوات خارجية في مكان واحد، والتحكم بها إلكترونيًا، مزجًا وترتيبًا وتقديمًا وتأخيرًا ورفعًا وخفضًا وعمقًا وصدىً وتغليظًا وترفيعًا.

وبات بالإمكان الإكثار من عدد الأغاني المنتجة وتوفير الوقت والجهد في إنتاجها. وأمست الأصوات مصقولة أكثر، ونقية أكثر. وإذا كان البعض يأخذ على هذا الجهاز مساهمته في السماح لكل من هبّ ودبّ بالغناء، وتاليًا تراجع الإبداع الإنساني في العزف على الآلات يدويًا؛ يبقى أنه أتاح للموسيقى أن تدخل كل بيت، وأن تُعزف في كل مكان. ثم إن أدلة كثيرة تدحض المأخذ المذكور. فالأعمال الفنية منذ اختراع السِنثسَيزر، إذا ما قيست بما قبله، أكثر تنوعًا وتجد جمهورًا أوسع يستمع لها.

العامل الثاني الذي ميّز تلك الفترة هو الفِرَق الغنائية شرقًا وغربًا (لكن من غير أن تطغى على نجومية المغنين الصاعدين مثل مايكل جاكسون ومادونا وإلى حد ما ليونيل ريتشي، أو حسن الأسمر ووليد توفيق وعازار حبيب والشاب خالد وسميرة سعيد)؛ ففي بريطانيا ظهرت على سطح "الموجة الجديدة" فرق New Order و Love and Rockets و Gang of Four فيما ظهرت على ضفة الأطلسي الأخرى R.E.M و The B-52's و The Ramones.

أما في مصر، فكانت أبرز الفرق "فرقة المصريين"، التي أسسها هاني شنودة وكانت "ماشية السنيورة" إحدى روائعها. وكذلك "فرقة الأصدقاء" بقيادة عمار الشريعي وكان أعضاؤها حنان ماضي ومنى عبد الغني وعلاء عبد الخالق. وبالطبع، لا يمكن نسيان "فرقة الفور إم" التي أسسها عزت أبو عوف وضمّت أخواته الأربعة، منى وميرفت ومها ومنال.


لكنّ الأردن أيضا كان له نصيب في ذلك، فقد ظهرت أوائل الثمانينيات "فرقة ميراج" التي ضمّت سهير عودة وعايدة أبو نوّار ومصطفى شعشاعة. أما السبق الذي حازته ميراج، غير أداء بعض أغانيها باللغة الإنجليزية، فهو إصدارها أول فيديو كليب حقيقي في العالم العربي، استخدمت فيه تقنيات حديثة في التصوير ومزج الأصوات والتقطيع، لأغنية "تقول أهواك".

والفيديو كليب هو العامل الثالث الذي شكّل اللوحة الثمانيناتية، لكن ما كان لذلك أن يكون ممكنًا لولا محطة تلفزيون MTV الأمريكية التي أنشئت أوائل العقد وكرّست بثها للموسيقى.

اقرأ أيضًا: "إم تي ڨي".. أو كيف شكَّلَت قناة موسيقية العالم الذي نعيشه؟

السياسة تعزف الموسيقى

مرة أخرى، سيكون للسياسة أو للاقتصاد، باعتبار الأولى تعبيرًا مكثفًا عن الثاني، دور راجح في تحديد شكل موسيقى الثمانينيات وشكل عازفيها ومضمونها. فمع صعود الريجانية في الولايات المتحدة والثاتشرية في بريطانيا والساداتية في مصر؛ ألقى عصرٌ جديد من التقشف بظله الثقيل على العالم. فالرئيس ريجان ابتدأ عهده باقتطاعات ضريبية وتقليصًا لحجم الحكومة وإنفاقها، وكذلك فعلت مارغريت ثاتشر في بريطانيا حتى وصلت البطالة في البلدين إلى ذرىً غير مسبوق إليها. أما في مصر، تبنى السادات ما سمي سياسة الانفتاح الاقتصادي، ما أدى لظهور طبقة شديدة الثراء، وتاليًا وتلقائيًا زيادة أعداد العاطلين والفقراء.

أفضى ذلك إلى اتجاه جديد في الأغاني يحمل نوعًا من الاحتجاج ضد السلطة أو الـ"إستابلشمنت". وطال التقشّف كل شيء تقريبًا. فتوارت الجمل الطويلة المتثائبة، وأضحت الألحان أسرع، والكلمات أرشق، وتخفّف المغنون من الشعور الكثّة التي سادت في العقد السابق، وصغرت السوالف الهائلة أو اختفت، وتضاءلت حجوم الياقات العريضة الضخمة، وضُيّقت الفتحات المنفرجة للبنطلونات عند القدمين، وبهتت ألوان الملابس بعدما كانت زاهية فأصبحت تميل إلى الألوان الترابية أو الرمادية، بخلاف ألوان السبعينيات التي غلب عليها الأحمر القاني والخمري والبرتقالي الفاقع والأخضر المعشب والأصفر المخضر.

وأخذت الخامات هي الأخرى تغدو مطفأة أكثر، بعد أن كانت برّاقة ولامعة، فيما بدأت البلوزات تصبح أضيق وأقل انسدالًا. لكن إذا جاز أن نضع عنوانًا لملابس تلك الفترة فهو شيوع بنطلون الجينز معتدل الخصر وضيق الفتحتين عند القدمين، وإلى حد ما جاكيتات الجينز، حتى أن عادل إمام، في فيلم "سلام يا صاحبي"، كان يرتدي طوال الفيلم بدلة جينز كاملة.

هذا التقشّف سيطال كذلك مستهلكي الموسيقى. فرغم "ثورة الكاسيت"، كانت المشكلة الأكبر في سعر المسجّل الذي سيشغل الشريط. فلم تكن كل البيوت أو حتى معظمها تمتلك هذا الجهاز. فاقتصر وجوده على البيوت ذات الدخول العالية. أما الطبقات الوسطى فكان لا بدّ أن تعتمد على عمّ أو خال مقيم في الخليج يحضره معه هدية في إجازته.

ووجود الجهاز في البيت لا يعني بالضرورة أنه متاح في كل وقت. فأمي كانت تُخرجه من خزانته المقفلة بإحكام في المناسبات القليلة، كمثل عيد ميلاد أحد أخوتي، فنحتفل ونرقص ونطفئ الشموع ونسمع بواسطته أغنية راغب علامة، "رح طيّر حمام"، ثم يعود إلى خزانته سالمًا معافى، لا يمسّه إلا من أُذن له أو كان من المقربين، أي أمي وخالتي وأخي الاكبر.

ولذا، كانت الأعراس الشعبية على أسطح المنازل وفي الحارات، قبل شيوع قاعات الأفراح، هي المنافذ الوحيدة، إلى جانب ستوديو الكروان في وسط البلد أو ستوديو النمر الوردي في جبل الهاشمي الشمالي، لسماع جديد الأغاني. سيتغير ذلك أواخر الثمانينات مع طرح أجهزة سوني-ووكمان، ولو أن ثمنها كان لا يزال مرتفعًا. غير أن نهاية العقد ستشهد تحولًا كبيرًا في انتشار أجهزة المسجل. ذلك أن خطة ماو تسي تونج لبناء اقتصاد صناعي حديث في الصين، التي انطلقت أواخر السبعينات، شرعت تؤتي ثمارها نهاية الثمانينات. فبدأت السلع الصينية الرخيصة تتدفق، ومعها طبعًا أجهزة المسجل وأجهزة رديفة ومقلدة لجهاز سوني-ووكمان. في الأثناء، كانت "النمور الآسيوية" قد بلغت أعلى درجات صعودها، فساعد ذلك بدوره في تخفيض أسعار الأجهزة الإلكترونية عمومًا.


وبطبيعة الحال، واجهت "الموجة الجديدة" انتقادات حادة، ومقاومة شرسة من القوى العتيقة. وهي مقاومة لم تكن بريئة بالمرة، ولا سيما في مصر. فقد ظهرت في الثمانينيات أعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية لا تُحصى تسخر من أغاني ذلك الزمن ومن فنانيه ومن القضايا التي يعبّرون عنها. ولعلّ المثال الأبرز على هذا هو فيلم "الكيف" المنتج عام 1985، وعلى الأخصّ دور الحشاش وتاجر المخدرات "مزجنجي" الذي أداه محمود عبد العزيز، رابطًا ربطًا متعسّفًا بين أغاني الموجة الجديدة وبين المخدرات، ناهيك عن الهزء بتلك الأغاني عبر تلفيق كلمات رديئة تحاكي الأصلية أو تحوّرها، مثل قوله: تعالى تاني.. في الدور التحتاني.. ناكل لحمة ضاني ونحلّي بسوداني.

المقاومة الشرسة تلك، دليلٌ كافٍ على أن أغاني الثمانينيات كانت مزعجة للسلطات، وذلك بخلاف ما يدّعي منتقدوها أنها كانت بلا معنى أو مضمون. وأغلب الظن أن الهجمة على الموجة الجديدة، في السينما والمسرح، المسيطر عليهما إلى هذا الحد أو ذاك من قبل النظام المباركي؛ كانت جزءًا من "ثيمة" فنية راجت في الأفلام خصوصًا، مفادها تبرئة النظام من التسبب في الأزمات الداخلية وإلقاء المسؤولية على "المجتمع".

يمكن ملاحظة بعض تمّثلات تلك الثيمة في أفلام عادل إمام الثمانيناتية. ففي مشهد النهاية من فيلم "الهلفوت"، وبعد أن يُجهز عرفة الهلفوت على أحد المتنفذين (حسين الشربيني) ومرافقيه ثأرًا لمقتل زوجته، يصوّب رشاشه إلى الكاميرا ناظرًا إليها بثبات وإصرار، كنايةً عن أن المشاهد، أي المجتمع، هو الذي أوصل القاتل إلى هذه النتيجة.

لكنْ هبْ أن "الموجة الجديدة" كانت حقًا وفعلًا ضحلة وتافهة وربما عابثة، بقي أن المؤكد هو أن ضحالتها وتفاهتها وعبثها كانت أقل بما لا يقاس من الضحالة والتفاهة والعبث التي كانت تعمّ المنطقة والعالم في الثمانينيات. وفي أسوأ الأحوال، كانت الموجة الجديدة الجوابَ على الموجة اللئيمة التي غمر ماؤها الآسن مدن العالم، موجة كانت مزيجًا من النيوليبرالية وسباق التسلّح وإشعال الصراعات وحرب الجواسيس والحروب بالوكالة.

والحقيقة أنّ مطلقي التهم إياها إذ ينعون على "الموجة الجديدة" خواءها وابتعادها عن السياسة، إنما يفعلون ذلك وفي بالهم المقارنة مع حقبة الستينات، التي كانت زمنًا للشأن العام: ثورة "الطلبة" والحقوق المدنية. لكن من قال إن السياسة يجب أن تتقدم على المتعة والبهجة والرقص؟ ومن قال إن المغنين يجب أن يحلّوا محل السياسيين ويتولون إشاعة السلام في العالم؟ فمتى استعبدت السياسةُ الناسَ وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ ومع ذلك، ولو سلّمنا، على مضض، بالرأي المذكور؛ فهناك وقائع كثيرة تدحض الزعم إياه.

الموجة الجديدة في أمريكا، على سبيل المثال، حققت إنجازًا ضخمًا يكاد يفوق ما حققه الهيبّيز في الستينات. فللمرة الأولى سنشهد مغنين سودًا وبيضًا يتعاونون في الغناء معًا، وسيبدأ الفصل بين الموسيقى السوداء والبيضاء بالتلاشي باطراد؛ وهي وجهة ستتعزز وتقوى مع الوقت. ولعلّ أهم الأمثلة على ذلك الثنائيات المختلطة وقتذاك: مايكل جاكسون مع بول مكارتني، وستيف ووندر مع بول مكارتني أيضا، وفيل كولينز مع فيليب بيلي. وقد يفيد التذكير اليوم، أن المغني الابيض إمينيم، ما كان ليقتحم حلبة الراب ويصبح نجمها الأول، هي التي كانت الملعب التقليدي للمغنين السود؛ لولا الرواد الأوائل في الثمانينيات.

ضجيج الطفولة

أما أنا، أو الطفل الذي كنتُه في عالمي الصغير الموهن ذاك، ومعي بقية الأطفال والمراهقين، فكانت تلك الضحالة والتفاهة المزعومتين، هما الحياة بالنسبة لنا، بكل ما في الكلمة من نبض. وكان صدور أغنية جديدة حدثًا جسيمًا. فلما سمعنا، أول مرة، أحمد عدوية يغني "يا بنت السلطان"، بلغ صوته الهادر جدًا، لكنْ الدافئ دومًا المسافر أبدًا، أقاصي قلوبنا وسرى فينا تيّار من اللذة الطاحنة شربناها عن آخرها.

ورغم أننا لم نفهم معنى كلمة "كوبري" في قوله "على كوبري عبّاس.. ماشية وماشية الناس.. ماشية تبصّ عليكي يا فروتّة بأناناس"، إلا أن ما لا يتطرّق إليه الشك هو أننا كنا في عداد أولئك الماشين على كوبري عباس، نبصّ على الفروتة بأناناس.

وحين التقى حميد الشاعري مع علي حميدة عام 1988، وُلدت "لولاكي"، فكانت هدية السحاب للعباب التي انهار جدار برلين بعدها مباشرة. محمد منير كان "شجر ليموننا"، علاء عبد الخالق "طيارة ورقنا"، منى عبد الغني جمعتنا مع "الأصحاب"، و "سلامات" حارّة لناديا مصطفى، و"يلا بينا يلا" يا فؤاد. أما أحمد منيب، الذي عرفته متأخرًا، فجزيرة كنزي التي لا تني تطرح "الفل والياسمين"... صدقني يا صاحبي!

واليوم، عندما أستمع لتلك الأغاني، فأنا لا أستمع لمجرد أغاني أو موسيقى شكّلت ذائقتي السمعية للأبد ربما؛ بل أستمع لضجيج الطفولة وصخبها وعبثها وجدّها ولعبها. فالاستماع لها اليوم إنما يستدعي عوالم غنية بالأمكنة والأشياء والأشخاص والروائح والأطعمة والأشربة والملابس والأجساد، عوالم لا قبل للناظر إليها من علٍ أن يعقل منطقها أو يدرك جوهرها. فمن يحصلون على أغانيهم اليوم بلمسة إصبع ليسوا كالذين كانوا يتسمّرون أمام الراديو بانتظار أغانيهم المفضلة، ولا كمن كانوا يشدّون الرحال مشيًا على الاقدام إلى محلات بيع الأشرطة إذا تناهى إلى أسماعهم أن أغنية جديدة صدرت.

وأنا لا أستطيع أن أنهي هذه الأسطر من غير أن أمرّ على إحدى أهم الظواهر التي رافقت أغاني الثمانينات. فبعد صدور الأغنية، كان يتولى بعض "المؤلفين" تحوير كلمات الأغنية الأصلية واستبدالها بكلمات جديدة هازئة؛ فنروح نحن الشياطين الصغار نردد تلك الكلمات ونبدي فيها ونعيد، في الحارات وفي المدرسة وفي البيت أيضًا. وإذا رأينا اختلالًا في الوزن، أضفنا من مخيلاتنا ما يعالج الخلل، وربما غيّرنا مقاطع كاملة.

فأغنية لولاكي على سبيل المثال،

لولاكي لولا لولا لولاكي لولا لولا لولاكي ما حبيت

لولاكي لولا لولا لولاكي لولا لولا والله ما غنيت

لا الشمس تطلع لا لا لا.. لا الشمس تطلع لا لا لا

بدر السما غالي.. لا القلب يعشق لا لا لا

لا القلب يعشق ليا عزيز غالي

انت الهوا والشوق والعشق والمعشوق

انت الهوا والشوق والعشق والمعشوق

ليكي انا غنيت ليكي انا غنيت

كانت النسخة المحوّرة منها هي:

عينيــــــكِ حولة حولة حولة.. وشعرك مليان زيت

لا القشرة تطلع لا لا لا

ولا الشامبو ينفع لا لا لا

منّك أنا فلّيت... منك أنا فليت

انتِ النعس والنوم

انتِ البصل والتوم..

انت القرف والخوف

والفجل والملفوف

عنّك أنا استغنيت... عنك أنا استغنيت

أما أغنية حميد الشاعري، "حبيبة"، التي يقول فيها

حبيبة يا حبيبة.. اليوم مرت عليا.. ذكرانا الهنية

شهور وسنين.. يا قاسي عليا

شهور وسنين ما تردي عليا

شهور وسنين والفرقة صعيبة

فمُسخت على أيدينا إلى:

حديدة يا حديدة.. اليوم وِقْعِت عليّا.. من طابق ألف وميّة

شهور وسنين شهور وسنين وأنا في المستشفى ما حدا طل علياً

فيما أغنية فؤاد غازي، "لازرعلك بستان ورود":

لزرعلك بستان ورود

وشجرة صغيرة تفييكي

واغزلك من نور الشمس

اسواره تزين ايديكي

لو بدك لولو ومرجان

راح اجيبلك خزنة بحالا

ولو بدك طاقية الجان

ماني راح اقولك لا لا لا

انحطّت إلى:

لافتحلك علبة سردين... نص رغيف يكفّيكي

واعصرلك حبة ليمون... انشالله سم الهاريكي

ولاجبلك خبز الطابون.. وحبة فلفل تشويكي

ولو بدك فجل وبيتنجان... رح جبلك بوكسة بحالا

ولو بدك دبس الرمان... ماني رح قلك لا لا لا

ولكنني أستدرك هنا وأقول حذارِ من الظن الآثم والمتسرّع بأننا كنا نقصد من ممارسة ذلك العبث التافه أن نسفّه معاني الأغاني، بل العكس هو الصحيح. فعدا عن أن عبثنا كان بريئًا منزهًا عن أي غرض غير المتعة الطفلية، بعكس عبث مزجنجي في فيلم "الكيف"، أردنا، من طريق التحوير، أن ننتمي بطريقتنا الخاصة للأغاني الأصلية، على نحو ما أردنا الانتساب إليها ولو من بوابة التفاهة. أردنا أن نقول إن هذه الأغاني تشبهنا وتخصنا، وهي لنا، نمتلكها ونفعل بها ما شاء لنا مزاجنا أن نفعل، فنقبض عليها كما تقبض كفّ طفل على عصفور صغير. والأطفال عادةً لا يكذبون.