صلاح جاهين.. عايز أشوف من تاني وأتذكّر

رحلة جاهين شديدة الإلهام، خصوصًا في اندفاعها، وعدم ترددها في الانتقال بين المضايق والأزقة الواحد تلو الأخر، في البحث عن تحقيق السعادة بكل الوسائل الممكنة، في مفارقتها بين النجاحات الكبيرة وهي شديدة الصغر في أعين صاحبها.

يكفي أن يذكر أحدهم أمامك اسم صلاح جاهين فقط، ثم تتداعى عليك الأفكار والتأملات والأسئلة عن هوية المقصود بالحكي، وبشكل عفوي ستقول له أي صلاح جاهين تقصد؟ جاهين الدولجي، أم جاهين الثائر؟ جاهين الرسام، أم جاهين الشاعر؟ صاحب الوزن الثقيل والروح الخفيفة، أم صاحب الوزن الخفيف والروح الثقيلة؟

لم تكن كل هذه التحولات التي أًصابت جاهين سوى انعكاسًا لبحثه الدؤوب عن الطرق المؤدية إلى انتصار ما يراه صحيحًا، وانتشار ما يظنه جميلًا، وفي خضم هذه الرحلة؛ تفاجأ جاهين بأنه اختُطف من نفسه، وضاعت منه نقطة البداية، كما أن الرحلة لا تحمل أي محطة نهائية للوصول، وهو ما عبر عنه بالشعر في قصيدته الشهيرة "أنغام سبتمبرية":

"عايز أشوف من تاني وأتذكر

ليه ضربة من ضرباتي صابت

وضربة من ضرباتي خابت

وضربة وقفت بالشريط في وضع ثابت

صرخ المكنجي وقال: رجوع مفيش".

كرر جاهين في هذا النص جملة "عايز أشوف" مرتين في منتصف القصيدة، وأظن أنه يعبر هنا عن العَمى والتوهة، أين كنت؟ وماذا حدث؟ وكيف وصلنا إلى هنا الآن؟ ترتطم كل هذه الأسئلة بلعبة الزمان، والأخير لا يرفض فقط رجوع جاهين إلى الماضي بهدف الوصول إلى الحقيقة، لكنه أيضًا يُعنفه على سؤاله، وكأنه يقول له كيف تجرؤ أن تبحث عن الحقيقة؟


بدأ جاهين رحلة بحثه شاعرًا، كتب أولى قصائده لتحريض الفلاحين على التمرد والثورة على الظلم الملكي، وبعد فترة قليلة حدث انقلاب يوليو 52، ليلمس جاهين بنفسه أن الأحلام تتحقق بالفعل، ثم يقف زنهارًا كحائط لصد العدوان الثلاثي بأشعاره، يصرخ جاهين مدافعًا عن أحلامه ويتسلح بالشعر، يذوب داخل الحلم، تفتح له الدولة محطاتها الإذاعية، يعيش جاهين حالة من التوحد مع عبد الناصر، ينتصران سويًا ويعبران من فخ الهزيمة بسلام، ليزداد العنفوان، ويستمر جاهين في الهرولة ناحية تحقيق أحلامه التي بات يرى طيفها الأول بالفعل.

لم يكن الشِعر وحده كافيًا للوصول عند جاهين، لجأ أيضًا إلى وسائل أخرى، فلقد قرر ألا يترك بابًا إلا ويطرقه، كل الطُرق قد تؤدي إلى نفس النهاية، غالبًا ما يربط الناس بين جاهين والسخرية، لكني أرى أن أكثر ما كان يميزه هو الجرأة، لم يكن يتردد كثيرًا في خوض مغامرة جديدة، عمل صحفيًا فساهم في واحدة من أهم المجلات في عصره وهي "صباح الخير"، وحولها إلى بوابة لتقديم المواهب الفنية المختلفة، ثم يقرر أن يكتب للسينما فيمنحنا واحدة من أميز الأعمال في تاريخ السينما المصرية، وأعني بالطبع "عودة الابن الضال"، الذي يقول جاهين عنه إنه "مأساة موسيقية" من البداية إلى النهاية، وأحيانًا أخرى يلجأ إلى الأفلام التجارية، فيصنع فيلمًا من أكثر الأفلام نجاحًا جماهيريًا بحسابات السوق وهو "خللي بالك من زوزو" .

إلا أن هذا الرجل الناجح في كل الأشياء التي فعلها، لا يلمس هذا النجاح في قرارة نفسه، وما فائدة هذه الانتصارات الصغيرة وسط الهزيمة الكبرى، ولا نعني هنا هزيمة 1967، إنما الهزيمة التي نتحدث عنها هي فقدان البوصلة في خضم المحيط وسط موجات غاضبة من الرياح، وهو ما شعر به جاهين كقبطان لحياته ومتحكم باتجاهاتها.

الهزيمة مش في الحرب

" ممكن جنابك تنهزم وتفضل بطل وعندك هدف، وممكن تنتصر وتبقى طاغية أو مغرور، الهزيمة مش في الحرب، الهزيمة في الحياة".

كانت هذه كلمات صلاح جاهين، وفقًا لمقال جمال الجمل عنه، الذي ضم حوارًا له في سنواته الأخيرة التي اعتزل فيها أغلب الناس. وعلى نقيض الشائع ظل جاهين حتى أيامه الأخيرة مؤمنًا بعبد الناصر كرمز تجسدت فيه أحلامه، لم تكن هزيمة عبد الناصر هي الباعث على اكتئاب جاهين، فلقد كتب بعدها " الحياة بقى لونها بمبي"، وشاعرًا بهذا الاتساق لن يكتب أن الحياة لونها بمبي وهو يراها كاحلة؛ كان جاهين ما زال يرى بالفعل الألوان الزاهية للحياة، ما زال لديه الكثير ليصل إليه، كتب أيضا في إحدى قصائده هذا:

"في يوم من الأيام، راح أكتب قصيدة

عن السما، عن وردة على راس نهد

عن قطتي، عن الكمنجه الشريدة

عن نخلتين فوق في العلالي السعيدة

عن عيش بيتفتفت فى أوده بعيدة

عن مروحة م الورق

عن بنت فايرة من بنات الزنج

عن السفنج

عن العنب، عن الهدوم الجديدة

عن حدايات شبرا، عن الشطرنج".

إذن كانت هزيمة جاهين شديدة الخصوصية ولم تكن انعكاسًا للأوضاع السياسية العامة، حتى في حياته العاطفية تزوج جاهين مرتين وعشق عشرات المرات، إلا إنه لم يجد الخلاص في الحُب، كتب الأشعار والقصائد ولم يجد بها الإجابة "وأخرج وحيرتي أشد مما دخلت"، كتب للسينما وحقق أرباحًا مالية وأعمالًا فنية خالدة إلا إنها لم تشبعه، أطلق المواهب الجديدة وكان سببًا في بهجة الملايين من العرب إلا إن ذلك كله لم يضمن له دوام البهجة.

فجأة، مر قطار العمر سريعًا، التفت جاهين خلفه وأمامه ولم يعرف من أين بدأ، تشكك في جدوى كل ما فعله، وكانت مجرد كلمة عابرة من أحد العابرين كفيلة بأن تُكئبه لفترة طويلة، وأن تحتله وتوقظ انفعاله ليكتب قصيدة يقول فيها:

"عيل في سن المدرسة قال يا حاج

أنا زُرت بيت ربنا لكن ماسميش كده

وولية حبلي قالتها تاني عقلي وج"

هذا العقل الحالم أصبح عبئًا لا يستطيع أن يتحمله أحد، وصل جاهين إلى مسافة بعيدة للغاية عن الواقع، الرجل الذي طالما حرص على الهروب من نوبات الحزن والاكتئاب، حتى في ظل مرض والده بالسرطان لجأ جاهين إلى الاختفاء بعيدا، وعندما انكسر نظام 52 يقول جاهين إنه أسقط عشر سنوات في تاريخ مصر من ذاكرته الخاصة، استطاع جاهين أن يهرب من كل هذا، إلا إنه لم يستطع في النهاية الهروب من ذاته، وكانت المواجهة التي أفضت إلى الاكتئاب الطويل، وعلى طريقة فيلم " وطار فوق عش الوقواق" تحرر جاهين من الجسد المملوك للعقل المُتعب، وجد جاهين الخلاص في الموت.

للحق فإن رحلة جاهين شديدة الإلهام، خصوصًا في اندفاعها، وعدم ترددها في الانتقال بين المضايق والأزقة الواحد تلو الأخر، في البحث عن تحقيق السعادة بكل الوسائل الممكنة، في مفارقتها بين النجاحات الكبيرة وهي شديدة الصغر في أعين صاحبها، في إخلاصها لأفكارها حتى الثًمالة، وجاءت النهاية كالعادة تحمل في وجهها الشرود واختلاط كل الأمور والمشاعر ببعضها البعض.