أعضاء فريق "بلاك ساباث"

أسطورة عَبَدَة الشيطان: الميتال.. صخب عُمّال المصانع

يختلف أسلوب الغناء كثيرا عندما نتحدث عن الميتال، فمع وجود أصوات ثقيلة وقوية، يصبح أسلوب الغناء أقرب إلى الصراخ.

ربما كان العالم مختلفا في نهاية الستينيات، لكنه كان يعاني. كان عصرا أُطلِق عليه "عصر البراءة المفقودة"، بدأ كل شيء يتغير على يد جيل نشأ على تجرع الآثار المدمرة للحرب العالمية الثانية، وما تلاها من مخاوف، ثم حرب باردة مستعرة بين قوتين نوويتين. والأهم من ذلك بدأت تتلاشى الحدود بين الثقافات، شباب إنجليز يحبون موسيقى البلوز Blues الأمريكية، ويطورونها بطريقتهم الخاصة، ليتشكل اتجاه موسيقي جديد، يسافر موسيقيون أمريكيون إلى لندن للمشاركة في هذه التجربة الموسيقية الثورية.


في عام 1968 كانت مدينة برمنجهام الإنجليزية تحتضر، مدينة صناعية تعاني من الركود الاقتصادي، شباب عاطل ومحبط، حتى على المستوى الفني؛ نجحت فرقة الروك ميثولوجي "Mythology" في تحقيق نجاحات ضيقة داخل حدود المدينة، ليُقبض على أفرادها وبحوزتهم مواد مخدرة، ويتفرق أعضاء الفريق، ويبقى منه فقط توني أيومي، وبيل وورد، ليكوَنا فريقا جديدا، في محاولة أخرى لشق طريق في عالم موسيقى الروك.

برمنجهام 1969

عام 1963 أخرج الإيطالي ماريو بافا فيلم "السبت الأسود"Black Sabbath ليُعرَض بعد خمس سنوات في إحدى دور العرض بمدينة برمنجهام، يُلهِم الفيلم أعضاء فريق الروك إيرث EARTH، ويُغيِّر أعضاء الفريق اسم الفرقة للمرة الثانية والأخيرة في تاريخها ليصبح "بلاك ساباث" Black Sabbath.


يبدأ الفريق في السير على خطى فرق هامة مثل "لد زبلن" Led Zeppelin و"ديب بربل Deep Purple" ويأخذ بلاك ساباث موسيقى الميتال الجديدة لمستوى آخر، ثقيل من جهة الشكل الموسيقي، وعميق بالنسبة لكلمات الأغاني التي تعبر عنهم وعن الطبقة الاجتماعية التي جاؤوا منها.

أسطورة عَبَدَة الشيطان: 19 عاما على مطاردة "المَتّيلة"

قبل الثمانينيات، تكونت معظم فرق الميتال الموسيقية من شباب الطبقة العاملة، الذين عانوا من الاضطرابات الاقتصادية، ذكرت أستاذة علم الاجتماع في جامعة دي بول، دينا وينستاين، والتي تتركز أبحاثها على الثقافة الشعبية، في كتابها "الهيفي ميتال: الموسيقى وثقافتها" Heavy Metal: The Music and Its Culture أن النظام الاجتماعي لم يقدم لشباب الطبقة العاملة أي امتيازات، بل تم تهميشهم، ولم تكن هنالك وعود بمستقبل أفضل لهم، فوجد هؤلاء الشباب متعة ملاحقة أحلامهم في الموسيقى، ووجدوا فيها وسيلة لتعزيز تمردهم على هذه الأوضاع.

نحن إذن أمام جيل من الشباب المحبط، وجد في موسيقى الروك وصخبها ما يعبر عن أحلامهم واحباطاتهم بشكل عام منذ بداية الستينات، ومع نهايتها، أخذ هذا الجيل المتمرد كل شيء في هذه الموسيقى الجديدة إلى أقصى الحدود، فهم ليسوا طلبة فنون كأفراد فريق "بينك فلويد" Pink Floyd بل هم عمال مصانع وجدوا في الموسيقى ملاذا لهم.


يُذكَر أن تومي أيومي عازف الجيتار لفريق "بلاك ساباث" تغير أسلوبه في عزف الجيتار بعد تعرضه لحادث في المصنع الذي كان يعمل به أفقده أطراف أصابع يده اليمنى، فكان يضع أطراف بلاستيكية موصولة بأصابعه حتى يتمكن من العزف على الجيتار، ويحكي بيل وورد عازف الدرامز للفريق عن كيف كان يبتكر الإيقاعات ويمزجها مع أصوات الآلات في المصنع الذي كان يعمل به.

استخدم مصطلح المعادن الثقيلة "heavy metal" في الكيمياء قبل أن يتم استخدامه لأول مرة بشكل ثقافي من قبل الكاتب ويليام بوروز في روايته "الآلة الناعمة" The Soft Machine عام 1962، كان بوروز أحد رواد الثقافة المضادة في ذلك الوقت، وظهر على غلاف ألبوم "سرجنت بيبر لونلي كلَب باند" ، وهو الألبوم الثامن لفريق الروك الانجليزي البيتلز The Beatles. يهتم بوروز في رواياته بمعالجة موضوعات المخدرات (الهيروين) والجنس، نفس المواضيع التي تهتم بها موسيقى الروك، فبدأ تداول المصطلح في عدد من الأغاني، حتى قبل ولادة موسيقى الميتال نفسها. وفي مايو 1968 استخدم الناقد باري جيفورد Barry Gifford هذا المصطلح لأول مرة لوصف نوع موسيقي.

ألبوم Sgt. Pepper's Lonely Hearts Club Band للبيتلز

تطورت موسيقى الميتال عن الروك، كما تطور الروك عن البلوز، تاريخ طويل من التغيرات المستمرة، طفرة فنية تؤدى إلى أخرى، لكن السؤال هنا ما هو الاختلاف بين الروك والميتال؟

الروك هو نوع موسيقى رئيسي، والميتال عبارة عن تفريعة منه، وبالحديث عن الاختلافات، فإنه على المستوى التقني، ربما لا يكون هناك اختلافات تذكر، لكن من ناحية أخرى، فإن الروك كشكل موسيقى أكثر بساطة وخفة من الميتال الذي يمكن ملاحظة أنه أسرع من حيث الإيقاع، وأكثر صخبا، حيث هناك اختلاف جوهري في نوعية الصوت، فالميتال يقدم أصوات "distortion" قوية بعكس موسيقى الروك التي تقدم "distortion" أخف.


كذلك يمكن ملاحظة أن أسلوب الغناء يختلف كثيرا عندما نتحدث عن الميتال تحديدا، فمع وجود أصوات ثقيلة وقوية، يصبح أسلوب الغناء أقرب إلى الصراخ.

في الثمانينيات ازدادت شعبية موسيقى الميتال أكثر من ذي قبل، وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى كونه سببا في تزايد العنف بين الشباب، حتى أنه في التسعينيات تم اتهام موسيقى الميتال بأنها تدفع الشباب إلى الانتحار، ولم يتوقف الأمر عند التسعينيات، بل من فترة إلى أخرى يظهر اتهام جديد، فقد نشر موقع صحيفة "ماشابل" خبرا عن رجل اتهم بالإرهاب عام 2014، فقط لأنه نشر بعض من كلمات أغنية كلاس ديسميسد Class Dismissed لفريق إكسودوس Exodus.


وتعد موسيقى الميتال من أكثر أنواع الموسيقى والفن التي يساء فهمها منذ نشأتها، لائحة طويلة من الاتهامات طالتها؛ أبرزها مزاعم ارتباطها بعبادة الشيطان والدعوة إليها، وهي اتهامات تنبع إما عن عدم فهم، أو تربص بهذا النوع الموسيقى.

أنا لا أوافق على كل ما يُقال عن موسيقى الميتال، إنها فقط موسيقى.
أوزي أوزبرن، المغني الرئيسي لفريق "بلاك ساباث"

تطورت موسيقى الميتال سريعا، خلال الأربعة عقود الماضية، وصعدت لتصبح من أكثر الأشكال الموسيقية شعبية في العالم، وتطور منها كثير من الأنواع الفرعية. الصخب والعنف ركيزتان أساسيتان لأى تجربة موسيقية داخل هذا الإطار المعدني الذي يعكس قسوة العالم الذي نعيش فيه.

إذا كانت لديك معلومات أو ذكريات حول قضية تنظيم عَبَدة الشيطان عام 1997، سواء كنت مشاركا أو متابعا عن طريق الصحف والتلفزيون، أو حتى لو كنت من محبي موسيقى الميتال، فأنت مدعو للمشاركة في الملف.