سبينوزا رئيسًا للجمهورية

يترشح سبينوزا بهدف إقامة "دولة الحرية"، فالدولة في نظره ليست آلية للتسلط أو حكم الناس بالخوف وتحويلهم إلى وحوش كاسرة وآلات صماء.

بمناسبة الانتخابات الرئاسية المصرية، سوف أعيد الفيلسوف الهولندي سبينوزا (1632 - 1677) من قبره ليترشح لرئاسة الجمهورية، طارحًا برنامجه السياسي في قالب حياتي، محاولًا تقريب أسئلته الكبرى في هذا الحقل المعرفي، وبعد أن خطفه الموت من إكمال رسالته السياسية عن عمر يناهز الثالثة والاربعين عامًا.

وسبب دعوتنا لسبينوزا تحديدًا لخوض الإنتخابات الرئاسية هو قِصر رسالته السياسية والتي جاءت مليئة بالأفكار "الإيجابية"، في مناخ تسوده أفكار هوبز القمعية. ومصر في الوقت الحالي تحتاج لفكر بديل. وهذا الفعل ليس غريبًا على سبينوزا حيث مَثل فكره من قبل الديمقراطيين، وانحاز لصديقه ديويت الجمهوري في هولندا. واعتبرت أفكار سبينوزا أحد أهم ركائز فكر جان جاك روسو. ويعد سبينوزا أحد الفلاسفة القلائل الذين تمكنوا من ربط الإشكال السياسي بالوضع المعرفي والوجودي للإنسان.

برنامج سبينوزا الانتخابي

يترشح سبينوزا بهدف إقامة "دولة الحرية"، فالدولة في نظره ليست آلية للتسلط أو حكم الناس بالخوف وتحويلهم إلى وحوش كاسرة وآلات صماء، بل الغاية من الدولة هي أن تحرر كل إنسان من الخوف، لكي يعمل كل مواطن في طمأنينة، وأن ترشدهم هذه الدولة إلى حياة تسودها حرية الفكر والعقل، ولا تبدد قواهم البشرية في الكراهية والظلم. وهذه الفكرة تنبثق من تقسيم سبينوزا للنظام على أساس الطبيعة والأخلاق، ليتمكن من نقل الإنسان البدائي من الفوضى والأنانية الفردية، ولجعله يدرك معنى الفضيلة عن طريق دولة مدنية حديثة، والتي تتطلب أن يتنازل الفرد عن جزء من حريته ليعمل على تنظيم حياته مع الآخرين بإعتباره كائنًا اجتماعيًا.

وعلى ضوء هذا سيحترم سبينوزا الدستور الذي سيطلق عليه اسم "العقل الكامل"، لأن الأفراد تحكمهم الاهواء والانفعالات. ولو كان الفرد ذا عقل كامل ما احتجنا لقانون، لذا تعمل القوانين فعل العقل وتحكم السيطرة على الأفراد وتحد من عواطفهم لتجنب تدمير المجتمع.

وسيزيد سبينوزا سلطة الشعب عبر تقوية العقل الجمعي الذي يعطي المجتمع بصيرة لصنع نظام خاص به. ويعد سبينوزا أن يملك الشعب حق الاختيار، ليتمكن من امتلاك القوة التي تُترجم في صورة مؤسسات.

وينقسم برنامج سبينوزا الانتخابي لعدة محاور رئيسية نعرضها تباعًا:

الحكومة

يرفض سبينوزا أي وصاية من الدولة على أجسام الناس وأعمالهم ونفوسهم وأفكارهم. فمرشحنا الرئاسي يدرك أن ذلك لحماية الدولة نفسها. فإعطاء المواطن حريته كاملة لن يجعل هناك صراع بين الفرد والحكومة مهما كانت طبيعتها "ملكية، ديمقراطية، أرستقراطية ..." مع تفضيله وميله للحكومة الديمقراطية.

ويشدد سبينوزا على أهمية الحكومة إذ يرى أنه في حالة عدم وجود حكومة لما بقي للإنسان من خير. وعلى الجميع أن يخضع لما أسماه المصلحة العليا، وعرفها بأنها القانون الأعلى الذي ينبغي أن يخضع له كل قانون آخر، سواء كان إلهيًا أو بشريًا. كما يعتبر أن أي قانون قمعي تجاه الأفراد لا يعزز سيطرة الدولة إنما يهدمها، فالبشر لا تحترم طويلًا قوانين لا يمكنهم نقدها.

يضع سبينوزا حكومته أمام كل مسؤليات الأمن والدفاع عن حرية المواطن، ويعيد أي قصور في هذا لسوء إدارة الحكومة "فمن المؤكد أن الفتن و الحروب و كسر القوانين أو خرقها لا ينبغي أن تعزى إلى وجود الشر في المواطنين بقدر ما تعزى إلى سوء حالة نظام الحكم ذاته. ذلك لأن الناس لم يخلقوا صالحين لأن يكونوا مواطنين، و إنما ينبغي أن يُجعلوا صالحين لذلك."

سبينوزا ليس سياسيًا. لهذا ستكون الديمقراطية في عهده غير مكتملة، فهو يعرفها كاحتكام إلى أعمال الناس لا إلى عقولهم وتفكيرهم. ولكنه يعد بإحترام اختلافات البشر، واعتبار صوت الأكثرية هو القانون. ولكنه في موضع آخر يرفض أن تكون مناصب الدولة خاضعة لديمقراطية شعبية، ولكنه سيؤيد "الانتقائية"، حيث يتقدم كل المتميزين أو أصحاب العلم للترشح من أجل الحصول على مناصب ويتم انتخابهم من قبل مختصين. وبهذا يكون أغلق الباب أمام الدجالين والمنافقين والجهلاء والأغنياء، الذين يستغلون نفوذهم للحصول على المناصب، مما يؤدي إلى خلل في الدولة.

التعليم

برنامج سبينوزا يولي اهتمامًا كبيرًا بالعلم والتعليم؛ حيث يرى مرشحنا الرئاسي أن العلم وحده يساوي القوة والحرية مجتمعين. والتعليم هو السبيل الوحيد لخلق مواطن صالح، قادر على العيش في نمط حياتي يجلب له السعادة. ويدرك مرشحنا أن بالتعليم يصبح المواطن قادرًا على التواصل مع كل من حوله بطريقة مفهومة، وأن يبحث عما يكفيه من مال لتحقيق إحتياجاته. كما يدرك الإنسان المتعلم أن الابتعاد عن الملذات الإستهلاكية يحافظ على صحة الإنسان ويجعله سيد رغباته وشهواته.

لهذا يعدكم سبينوزا برفع أي رقابة من الدولة على المؤسسات العلمية، لأنه يدرك أن هذا يفسد العقل، مما يؤدي إلى موت المجتمع. وسيعمل على تقديم مناهج تساعد في تطوير عقل الفرد وتنمية مهاراته، حيث يُفترض أنه كلما نما عقل الفرد زاد صلاحًا وقدرة على العمل.

المواطنة

سيكون نهج سبينوزا في الحكم "علمانيًا" حيث سيعتمد على فصل الدين عن مؤسسات الدولة، فهذا سيحقق المزيد من الحرية ويفسح المجال للعقل، محاولًا إدراك الحقيقة والحكمة بعيدًا عن الدين ولعبة التقوى والطاعة.

وهذا لا يعني أنه سيتم التضييق على الدين بل سيعمل سبينوزا على خلق طريق منفصل عن الدين حيث يرى إنه من الواجب ألا نسعى إلى إخضاع الدين للعقل أو إخضاع العقل للدين. فالدولة هنا تضمن حرية المعتقد الديني بحيث تكفل للجميع حق ممارسة شعائرهم بالطريقة التي تناسبهم دون أن يتعرض أحد لأي مضايقة من طرف أي أحد آخر أو طائفة آخرى.

ولكن هذا الفكر للمرشح الرئاسي المحتمل صعب التوفيق جدًا خصوصًا انه يعطي الدولة حق حسم المسائل الدينية أكثر من المؤسسات الدينية وهذا ما سيفتح بابًا للصراع بين مؤسسات سياسية وأخرى دينية قد تؤدي لاختلال نظام الحكم.

سيادة القانون

سبينوزا سيطلق مشروع الدولة الكاملة ويفترض المرشح الرئاسي أن هذه الدولة لن تحد من قوة مواطنيها إلا إذا كانت هذه القوة ستلحق ضررًا بهم. ولن تنزع حرية منهم إلا وإستبدلتها بقوة أوسع وأكثر أمنًا.

وفي ظل رئاسة سبينوزا سوف تفصل الدولة في تعاملها مع البشر بين أفكارهم و أقوالهم و بين أفعالهم. ولا يحق للدولة أن تحاسب مواطنيها إلا على أساس الأفعال التي تكسر وتخالف الدستور والقانون وليس على أساس الأفكار والأقوال.

كما يرفض سبينوزا أن يعيش الفرد في الحالة البدائية، وهي تلك التي تدفعه لعدم احترام القوانين والأفراد. وهنا يجب أن تُستخدم قوة الجماعة تجاهه لإعادة ضبطه حتى لا يؤثر على بناء المجتمع ككل. وتأتي النظرة الكلية لسبينوزا في الفلسفة كما تأتي في السياسة، فيقدم المجتمع المدني باعتباره امتدادًا للمجتمع البدائي مضافًا له ما يعرفه بالحق الطبيعي الذي يحتم على كل إنسان أن يعيش في أمان و أن يحفظ استمرارية حياته.

ويعد سبينوزا بالمساواة بين العسكريين والمدنيين حتى في أوقات الحروب. فستتعامل الدولة بنظام خدمة عسكرية عام ذا قاعدة مالية منفصلة. وسيعلم الشعب الخطوات المتبعة حتى يحدث تضامن بين الجميع للدفاع عن أنفسهم. عكس القول بأنه يجب إخفاء معلومات الحروب عن الشعب، فهذا يعده سبينوزا فعلًا ديكتاتوريًا ومحاولة من الحكام لفرض سيطرتهم على الشعب بحجب المعرفة عنهم.

يؤكد سبينوزا رفضه للثورات بشكل واضح. ويضع حق الاحتجاج الشعبي بين يدي الدولة التي ستعطي حق الكلام والنقد لتغيير الأوضاع الفاسدة. وبهذا يتشابه الرئيس سبينوزا مع المثل الأمريكي للدستوريين القائل "طالما أطلقنا حرية الكلام والنقد، أفقدنا الثورة كل مبرراتها ومسوغتها".

الاقتصاد

يغفل مشروع سبينوزا السياسي الجانب الاقتصادي بالكلية، ولا يعطي له حيزًا ويستعيض بالأفكار لتحقيق عدالة إجتماعية، محاولًا على قدر الإمكان الابتعاد عن معضلة التساوي الذي يعده مستحيلًا. بجانب إيمانه بأن أفراد الشعب بفطرتهم مختلفون.

وهذا يلقي الضوء على الجزء الميتافيزيقي من فلسفة سبينوزا السياسية. حيث يرتكن لقدرة الإنسان على التحكم برغباته معتمدًا على حالة من التصرف والوعي الإنساني المنسجم مع الوجود الكوني ككل. وهذا خليط فكري طوباوي للغاية ينافي حتى فكر سبينوزا نفسه حول الانفعالات التي تدفع الإنسان وراء شهواته ورغباته. ولم يحاول مرشحنا تفسير طبيعة الإنسان أو كيف سيوفر احتياجاته اليومية تبعًا لأي إعتبارات إقتصادية سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية .

الخاتمة

ما ساعدنا في تأييد سبينوزا لرئاسة الجمهورية هو هذا الفيض من أفكار الحرية وتعزيز مكانة العقل، الذي لم يكن سوى المسودة الأولى لرسالته السياسية. فاستدعاء سبينوزا من قبره جاء فقط من أجل التعرف على فكر حر وجد منذ القرن السابع عشر ليدلل على تطور الفكر السياسي الذي لا ينفصل عن الفكر الفلسفي، وكيف يُنمي كل منهما الآخر .

المصادر :
*
http://sophia.over-blog.com/article-31509179.html

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=167185&r=0

http://elriwak.blogspot.com.eg/2013/09/blog-post_5569.html

- رسالة في اللاهوت والسياسة - سبينوزا
- كتاب قصة الفلسفة - ويل ديورانت
- تاريخ الفلسفة الغربية - برتراند راسل