جيمى هِندريكس.. نهر موسيقي يأبي الركود

تعكس الأغاني الصادرة بعد 48 عامًا من مصرع صاحبها، أن موسيقاه باقية على حيويتها وجودتها وقدرتها على كسب أرضية جماهيرية

قال لى احد أصدقائي مرة إن الموسيقى الجيدة لم تُكتب لعصر أو فترة معينة، إنما كُتبت لكل العصور. استرجعت تلك المقولة عندما استمعت لألبوم جيمى هيندركس "ناحيتي السماء" both sides of the sky الذي صدر الشهر الماضي.


يحوي الألبوم عشر أغان لم تصدر من قبل لهندريكس. وتعكس الأغاني الصادرة بعد 48 عامًا من مصرع صاحبها، أن موسيقاه باقية على حيويتها وجودتها وقدرتها على كسب أرضية جماهيرية، على الرغم من اختلاف الأزمنة وتطور الأذواق الموسيقية وظهور أنواع جديدة من الموسيقى، تطغى على اهتمامات جمهور الموسيقى التي طورها هندريكس. لكن موسيقى جيمي ظل لها بريقها الخاص.

طُرحت أولى أغاني الألبوم 'Hear my train a comin في منتصف فبراير/شباط الماضي، للإعلان عن قرب صدور الألبوم والترويج له. بشرت الأغنية بأن وجبة دسمة من موسيقى هيندركس وضرباته المميزة على الجيتار بانتظار المستمع. إذ احتلت صولوهات الجيتار أكثر من 4 دقائق، من الأغنية البالغة مدتها ما يربو قليلاً على سبع دقائق.


بعدها بثلاثة أسابيع، صدرت باقي أغاني الألبوم ليثبت هيندركس من خلالها أنه بعد حوالي خمسين عامًا من وفاته، لا يزال بالفعل أبًا للروك، أو كما صنفته مجلة رولنج ستون Rolling stone "أعظم من مس أوتار الجيتار" عندما وضعته على رأس قائمة تضم 100 عازف آخر.

عمر قصير ومعاناة طويلة

يُنظَر لجيمي هندريكس باعتباره عميدًا لنادي السابعة والعشرين. وهو ناد افتراضي يضم أسماء فنانين وملهمين قضوا نحبهم في عمر السابعة والعشرين. ويضم النادي كذلك كيرت كوباين مؤسس فرقة نيرفانا Nervana وجيم موريسون الشاعر وكاتب الأغاني ومؤسس The doors وغيرهم من الفنانين. لكن هندريكس لا يزال صاحب الاسم الأبرز، لكونه موسيقيًا مؤسِسًا سارت على خطاه موسيقى الروك وتشعبت، لتتولد عنها الأشكال العديدة التي صارت موجودة الآن، بدءًا من Missisiby blues التي استحضرها هيندركس من تراثه الإثني وطورها وقدمها للعالم، مرورًا بالروك الكلاسيكي والسايكاديليك Psycadelic - الذي يعد هندريكس من أعمدته المهمة- والميتال بأفرعه المختلفة، وصولا لموسيقى الروك البديلة Alternative والبوست بانك Post Punk.

حركاته على المسرح وانفعالاته مع الموسيقى وقدرته على إبهار حضور حفلاته بمفاجآت غير متوقعه، كإقدامه على إشعال النيران في جيتاره، جعله صاحب لحظات خالدة في تاريخ عروض الروك.

لم يحقق جيمى هندريكس النجاح سريعًا وبسهولة، لم يصبح عازف الجيتار الأشهر والأعلى أجرًا فى حياته بيُسر، بل عاش حياة صعبة منذ طفولته التى وُلد فيها باسم جوني آلين، تحت رعاية والدته التي عانت إدمان الكحول، وبعد فترة قصيرة من الحياة مع أبويه، قام والده بتطليق والدته وتغيير اسم الصغير إلى جيمس مارشال هندريكس.

أحب جيمس (جيمي) الموسيقى منذ صغره بشكل كبير، وكان معجب بموسيقى الـblues و الـ Rock and Roll التي اشتهرت على يد إلفيس بريسلي، وكان يقدم عروضًا لأقربائه الذين تولوا تربيته يقلد فيها إلفيس. وتمنّى الحصول على جيتار حتى يمكنه أن يلعب الموسيقى كما يحب. وتحقق حلمه على يد والده الذي ابتاع له جيتارًا كلاسيكيًا وتعلّم جيمي بالاستماع للموسيقى ومحاولة تقليد العازفين، ثم اشترى له أباه جيتارًا كهربيًا من نوع Supro Ozark.

بدأ جيمي مسيرته الموسيقية باللعب في فرق موسيقية غير معروفة في سياتل حيث يعيش، ثم انضم لفريق ذا روكينج كينجز the Rocking Kings كعازف جيتار. في ذلك الوقت قرر ترك مدرسته الثانوية وصب تركيزه على الموسيقى، التي لم يودِّع حلمه باحترافها حتى بعد انضمامه للجيش عام 1961 تفاديًا للسجن بتهمة ركوب السيارات المسروقة.

بعد تسريحه من الجيش بسبب الإصابة، تفرغ هندريكس للموسيقى وعمل كعازف مساعد backup تحت اسم jimmy james لعدة مغنين مثل سام كوك Sam Cooke وذا إيزلي بروذرز The Isley Brothers.

ظل جيمى هكذا حتى عام 1966 الذي قابل فيه تشيس تشاندلر Chas Chandler عازف الجيتار السابق لفرقة The Animals الذي أصبح لاحقًا مديرًا لأعمال هندريكس. وبناءً على نصيحت تشاندلر، انتقل جيمس مارشال إلى لندن ليصبح جيمي هندريكس، ويشكل مع نويل ريدنج وميتش ميتشل الفريق الذي صنع شهرته وحمل اسمه؛ تجربة جيمي هندريكس The Jimi Hendrix Experience. وأطلقوا أغنيتهم الأولى Hey Joe التي حققت نجاحا كبيرًا.


وبنجاح الأغنية، بدأت الفرقة فى تسجيل أول ألبومتها Are You Experienced الذي حقق نجاحًا كبيرًا عند صدورهK ليطلق الفريق جولته الموسيقية الأولى التي أسست لصوت مختلف في موسيقى الروك، وكذلك في ألوان أخرى كالبلوز Blues و R&B.

صدر الألبوم في نفس الوقت الذي صدر فيه واحد من أهم ألبومات البيتلز "فرقة نادي السيرجنت بيبر للقلوب الوحيدة" Sgt. Pepper's Lonely Hearts Club Band، ويذكر محبو هيندركس مفاجئته لجمهور أولى حفلاته بافتتاح الحفل بنسخته الخاصة من أغنية البيتلز الحاملة لعنوان ألبومهم، في تحية منه للفريق الذي كان يتربع وقتها على عرش الموسيقى.


في هذا الحفل، شاهد جمهور لندن أسلوب جيمي المميز في العزف والغناء، وصار آداؤه المذهل على المسرح علامة على قدرته التي لم تتكرر على ابتكار أساليب غريبة ومميزة لعزف الجيتار، مثل العزف باللسان ومن وراء ظهره أو العزف على عنق الجيتار دون امتداد أوتاره.


حركاته على المسرح وانفعالاته مع الموسيقى وقدرته على إبهار حضور حفلاته بمفاجآت غير متوقعه، كإقدامه على إشعال النيران في جيتاره، جعله صاحب لحظات خالدة في تاريخ عروض الروك. ما جعل البعض يستحضر ما قاله عنه والده بأنه ممسوس من الشيطان ويحمل بصمته.


تقبيل السماء

كانت الموسيقى بالنسبة لهيندريكس حالة خاصة، فبالإضافة لكونه لا يستطيع قراءة النوتة الموسيقة؛ إلا أن الأغاني التي كتبها كانت تأتيه "في الأحلام" كما صرح في حوار مع جون كينج لصالح مجلة نيو ميوزيكال إكسبريس يناير/ كانون ثان 1967. إذ قال جيمي "كنت أحلم كثيرًا ثم أضع أحلامي هذه في الأغاني. كتبت أغنيتين هما First look around the corner وpurple haze وكلتاهما ترجمتان لأحلام رأيتها".

كانت موسيقاه - وفقًا لتصريحاته- حالة روحانية خاصة. كان كل ذلك تأكيدًا على ما آمن به بكون الموسيقى هي دينه، وأنه ابتعث منها رسولاً للكنيسة الكهربية.

ظل جيمى يقدم عروض مذهلة للجمهور مثل عرضه فى مهرجان The Woodstock festival، المهرجان الأيقوني الذي اختتم حقبة الستينات، والذي قدم فيه هندريكس عزفًا مميزًا للنشيد الوطني الأمريكي the Star Spangled Banner، ومثل عزفه للنشيد رسالة سياسية قوية ضد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على فيتنام، والتي مثل المهرجان تجمعًا شبابيًا فنيًا لرفضها وتأييد قيم السلام ونبذ الحرب؛ القيم ذاتها التي تبناها هندريكس وعبر عنها في عزفه الموجع الذي قدم فيه النشيد الوطني مُشوهًا عنيفًا حادًا، معبرًا عن صورة أمريكا كما كان يراها في ذلك الوقت.


بانتهاء مهرجان وودستوك، الذي كان بمثابة إعلان نهاية للحقبة الهيبية وثورة الشباب، انفضت عام 1969 فرقة The Jimi Hendrix Experience.

ولأن الماضى دائمًا يقود جيمي، فقد شكَّل مع صديقه القديم فى الجيش بيللي كوكس فرقة Band of Gypsys، لكنها لم تحقق ذات النجاح الذي حققته فرقة هندريكس التي حملت اسمه.

اللا نهاية

ظل جيمي يحاول ترجمة الأفكار والأحلام التي تدور في رأسه إلى موسيقى، لكنه تُوفي حيث بدأ نجاحه الموسيقي في لندن، بجرعة مخدر زائدة. لكن إرثه ظل حيًا نستمع إليه جيلا بعد جيل، لنتأكد من روعة وابتكار موسيقاه التي لا يتوقف تأثيرها عند جيل أو عصر معين.

ورغم انتهاء حياته القصيرة، لا يزال جيمي هندريكس يبهرنا بموسيقاه التي تتجدد، ونُفاجأ كل بضعة سنوات بموسيقى جديدة وأغان مخبوءة، ليزداد إرثه ويتعاظم ويظل يذكرنا -حتى بعد موته- بأنه أعظم من مس أوتار الجيتار.