فتش عن التشريعات.. دليلك إلى فهم إعدامات المحاكم العسكرية

تعزيز السلطات الممنوحة للمنظومة العسكرية لم تكن بسبب ما منحه لها الرئيس من صلاحيات وحسب، بل ساهم فيها عامل آخر، هو النصوص التشريعية.

كانت الأنظار تتجه نحو لجان الانتخابات الرئاسية، حين كان 6 محكومين بالإعدام في القضية 174 غرب العسكرية- المعروفة إعلاميًا باسم "خلية العمليات المتقدمة"-يترقّبون قرارًا نهائيًا يُحدد مصيرهم بالموت أو بفرصة أخرى للنجاة.

وقبل انتهاء أول أيام الانتخابات الرئاسية، الاثنين 26 مارس/ آذار 2018، كانت المحكمة العُليا للطعون العسكرية، أسدلت الستار على قضية هؤلاء الستة، بقبول طعن 4 وتأييد حُكم إعدام بحق 2 منهم، هم عبد البصير عبد الرؤوف وأحمد أمين غزالي.

اقرأ أيضًا: إعدامات "174 غرب العسكرية".. مدنيون يطاردهم كابوس عرب شركس

عبد البصير أو أحمد غزالي ليسا الوحيدين اللذين انتهت مُحاكمتهما العسكرية إلى حُكم نهائي باﻹعدام، فمعهما مدنيين صدرت ضدهم أحكامًا عسكرية باﻹعدام بين الأوليّ والنهائي، بل إن منها ما تم تنفيذه بالفعل، في انعكاس لواقع جديد صار فيه للمحاكم العسكرية دورًا أكبر، ساهم في منحه لها عوامل عديدة.

عشرات الإعدامات

مع بدايات العام الجاري، كان الخبر المفاجأة هو تنفيذ حُكم الإعدام في 5 مدانين، بينهم جنائي واحد و4 مُتهمين في قضية ذات خلفية سياسية عُرفت إعلاميًا بـ"تفجير استاد كفر الشيخ"، التي أدانهم فيها حُكم عسكري بقتل 3 من طلاب الكلية الحربية.

قبل أسبوعين من إعدام أولئك الخمسة، سمعت مصر نبأ إعدام 15 مُدانًا بتهمتي قتل واستهداف ضباط في سيناء، في القضية رقم 411 لسنة 2013 عسكري الإسماعيلية.

تكرر الأمر في الأسبوع الثالث من شهر مارس 2018، حين أُعدِمَ 3 مدنيين، أدانتهم المحكمة العسكرية في قضيتين منفصلتين، وفقًا لما ذكره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الذي قدّر عدد مَن اُعدموا بمحاكمات عسكرية بـ29 شخصًا في 4 شهور فقط.

تلك الإعدامات هي تنفيذ لكلمة نهائية نطقتها محكمة الطعون العسكرية في قضايا أغلقت ملفاتها رسميًا، بينما ما تزال قضايا أخرى منظورة أمام محاكم عسكرية- سواء أول درجة أو طعون- وبعضها صدر فيه أحكام باﻹعدام أيضًا، حسبما رصدت المنصّة في أمثلة، لا تعدّ بأي حال حصرًا شاملاً لكافة القضايا العسكرية التي انتهت باﻹعدام:

في 2018، صدر حُكم في يناير/ كانون الثاني عن محكمة عسكرية بإعدام 8 مُدانين باغتيال ضابط الشرطة وائل طاحون، وفي فبراير/ شباط صدر حُكم نهائي بإعدام متهمين اثنين في قضية "الهجوم على كمين الجورة بسيناء".

سبق تلك الأحكام، ما صدر في ديسمبر/ كانون الأول 2017، على سبيل المثال وليس الحصر، بإعدام 11 متهما في قضية "أنصار بيت المقدس 3"، وإعدام 14 مُتهمًا في قضية "خلية زرع العبوات الناسفة".

ربما يفسر إصدار هذا الكم من أحكام الإعدام، على الرغم من تصاعد الحراك المُناهض لهذه العقوبة، طبيعة قانون القضاء العسكري نفسه 25 لسنة 1966 والمعدل بالقانون 16 لسنة 2007، الذي اختصّ بمخاطبة العسكريين باﻷساس في شؤون تتعلق بواجباتهم الوظيفية، فكان أن ضم في مواد عقوباته الممتدة بين المادتين رقم 119 و153، حوالي 13 مادة تنص على الإعدام كعقوبة على عشرات الجرائم.

أما تفسير صدور الأحكام بحق العشرات في عدة قضايا، فقد يُفسره اللجوء المتصاعد للمحاكم العسكرية منذ عام 2011، لمحاكمة آلاف المدنيين.

.. وآلاف الإحالات

قبل إصدار القانون الحالي للقضاء العسكري ومن بعده، لم تشهد مصر توسعًا في اللجوء للمحاكم العسكرية كالذي حدث على مدار السنوات السبع الماضية، على الرغم من الحالات الموّثقة لمحاكمات عسكرية للمدنيين منذ وقت عبد الناصر وصولاً لفترة حُكم مبارك.

بعد ثورة 25 يناير وتحت قيادة المجلس العسكري، ألقي القبض على حوالي 12 ألف مدنيًا خضعوا لمحاكمات عسكرية، وذلك في في 7 شهور فقط، من فبراير/ شباط إلى سبتمبر/ أيلول 2011، ما حدا بمؤسسة "هيومان رايتس ووتش" للقول إن المجلس العسكري تفوّق بهذا العدد على حصيلة مُبارك من هذه المُحاكمات في عقود ثلاث.

في الفترة بين 28 يناير/كانون الثاني و29 أغسطس/آب حاكمت المحاكم العسكرية 11879 مدنيًا. أدانت المحاكم العسكرية 8071 شخصاً، بينهم 1836 أُنزلت بهم أحكاماً مع إيقاف التنفيذ، وأدين 1225 شخصاً آخرين ينتظرون تصديق المؤسسة العسكرية على أحكامهم.

- اللواء عادل المرسي، رئيس هيئة القضاء العسكري عام 2011.

ولم تكن الأوضاع بأفضل حالاً بعد 30 يونيو 2013، عما كان بعد 25 يناير، فوفقًا لتقرير صدر عن هيومان رايتس ووتش عام 2016، خضع 7420 مدنيًا- على الأقل- لمحاكمات عسكرية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2014، وهذا التاريخ الأخير يُحيل إلى عامل آخر من عوامل تصاعد وتيرة الأحكام العسكرية اسمه الصلاحيات.

مزيد من الصلاحيات

في أكتوبر 2014، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار بقانون رقم 136 لسنة 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، ويقضي بتولي القوات المسلحة مسؤوليات تأمينية بالتعاون مع الشرطة.

بموجب هذا القانون الذي لاقى انتقادات حقوقية، صار التعدي على المنشآت العامة جريمة تؤدي بصاحبها إلى محاكمة عسكرية وليست مدنية.

إن المرسوم الذي أصدره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوسّع اختصاص المحاكم العسكرية في البلاد ويحمل خطر عسكرة الملاحقة القانونية للمتظاهرين وغيرهم من معارضي الحكومة.

- هيومان رايتس ووتش عن القانون رقم 136 لسنة 2014.

لم يكن مجلس النواب انتخب حين أصدر السيسي ذلك المرسوم، لكن وجوده لم يُغيّر من الوضع القائم، فالرئيس أصدر في أغسطس/ آب 2016 قرارًا بمدّ العمل بهذا القانون لمدة 5 سنوات اعتبارا من 28 أكتوبر 2016، أي أن العمل بالقانون باقٍ حتى أواخر 2021.

ألقت مجموعة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين، باللوم في تضخّم عدد المُساقين لساحات المحاكم العسكرية على هذا القانون، حين قدّرت عددهم بـ3 آلاف مدنيًا بعد 5 شهور فقط من إصداره.

بلغ عدد المتهمين في بعض القضايا العسكرية عشرات الأشخاص، كما في القضية رقم 148 لسنة 2017 المعروفة إعلاميًا بـ"محاولة اغتيال السيسي" المتهم فيها 292 شخصًا، وقضية أحداث العنف في محافظة المنيا بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، المُتهم فيها 273 شخصًا، أو قضية "حسم" المُتهم فيها 304 شخصًا.

لم يقتصر توسيع صلاحيات المحاكم- السلطة العسكرية بوجه عام- على ذلك القرار، ففي يونيو/ حزيران 2016 أصدر السيسي القرار رقم 233 لسنة 2016؛ الذي صار الجيش بموجبه الجهة المسؤولة عن مراقبة الأراضي التى تقع على مسافة 2 كيلو متر من جانبى الشبكة القومية للطرق، ومن واجباته إزالة جميع التعديات المقامة عليها وإحالة المخالفين للقضاء العسكري.

تعزيز السلطات الممنوحة للمنظومة العسكرية لم تكن بسبب ما منحه لها الرئيس من صلاحيات وحسب، بل ساهم فيها عامل آخر، هو النصوص التشريعية.

دستور وقانون

صدر القانون 25 لسنة 1966، باﻷساس، مُتعلقًا بالعسكريين وإن استخدم فيما بعد في محاكمة مدنيين، فيما يُمثّل اتسّاع لقاعدة الواقعين تحت طائلته، خاصة بعد ما طرأ من تعديلات على الدستور مهدّت لمحاكمة المدنيين عسكريًا، مقابل تعديلات قانونية لم تساهم كثيرًا في الحد من هذه المحاكمات.

بدت الصورة وردية عام 2012، حين انتشر خبر موافقة البرلمان- قبل أن يصدر قرار بحلّه لاحقًا- بالموافقة على اقتراحات بتعديلات تُلغي السلطة الممنوحة للررئيس في إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية عبر إلغاء المادة 6 من القانون 26 لسنة 1966، إلاّ أنها لم تتطرق لصلاحيات تمنحها المادتين 5 و7 من القانون نفسه، تسمح بمحاكمة المدنيين عسكريًا، ولا للقضاء على ثغرات في المادتين 8 و48، تسمح بمحاكمة الأطفال عسكريًا، وفقًا لبيان انتقدت فيه هيومان رايتس ووتش هذه التعديلات.

الأمر لم يختلف كثيرًا، حين تبدّل النظام الحاكم، وأدخل الرئيس المؤقت عدلي منصور عام 2014، تعديلات على القانون نفسه، جعلت التقاضي يتم على درجتين، وتقضي باتبّاع الإجراءات الخاصة بالمحاكم المدنية فيما يتعلق بإصدار أحكام الإعدام، وهي التعديلات التي رأتها ناشطة في مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية"، حسب تصريحاتها- آنذاك- لهيئة الإذاعة البريطانية بأنها " لا تمثل أي فارق ولن تغير الوضع القائم، لأن المشكلة الرئيسية تكمن في وجود القضاء العسكري بالأساس".

كثيرًا ما توجّه منظمات حقوقية، منها الدولي، انتقادات للمحاكمات العسكرية للمدنيين، ليس بسبب الأحكام المُشددة التي تصدر عنها في غالبية القضايا وحسب، بل أيضًا بسبب الظروف والملابسات التي تجرى فيها تلك المحاكمات.

وأمام تعديلات القانون، كان الدستور بتعديلات عام 2014- مُقارنة بما كان مُقترحًا في مسودته عام 2012- مرنًا في محاكمة المدنيين عسكريًا، فالمادة 204 منه نصّت على أن القضاء العسكري يُحاكم بجانب العسكريين "مَن في حُكمهم" وذلك على جرائم تُرتكب بحق المنشآت العسكرية "أو ما في حُكمها"، وفقًا لما يُنظمه القانون، وهو ما سيسهل معه فيما بعد، فهم ما كان من صلاحيات أو إحالات أو أحكام بالإعدام.