أصدقاء الغريب | صديقٌ للكل.. أبٌ للجميع

يا دكتور، لقد بدأت هذه السنة في كتابة رواية. أول محاولة لي، ولازلت أتعثر، كيف لي أن آخذ رأيك الآن؟ يا دكتور، قلت لي إننا سننجز مجموعة قصصية مشتركة، وأنا أنجزت الجزء الخاص بي، فلماذا ذهبت قبل أن تفي بوعدك؟

عقب الوفاة المفاجئة للدكتور أحمد خالد توفيق، انسكب طوفان هائل من الرثاء أغرق فيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، حتى كادت أن تفيض بما فيها. أدهشني جدًا أن كل من عرفه تقريبا كانت له حكايات شخصية معه. حكايات شخصية حقيقية، وليست مجرد علاقة قارئ بكاتب عبر وسيط القراءة، وإنما علاقة تواصل فعلية، سواء باللقاء، أو بالحديث في الهاتف، أو حتى بالمراسلات الإلكترونية المتبادلة.

كيف صنع الدكتور كل هذه العلاقات الشخصية، مع كل قارئ حاول التواصل معه؟ بل إنه حتى كان يسعى من نفسه للتعارف على بعض من لمع نجمهم من قرائه، بمبادرة شخصية منه. كيف استطاع بناء - والحفاظ على - كل هذه العلاقات التي تتجاوز المئات؟ كيف استطاع أن يكون صديقا شخصيا وحقيقيا لكل واحد؟ مقدما التشجيع، والنصيحة المخلصة، والاهتمام الأبوي الذي كان يغلفه بغلاف أخوي يوهمك أنك في علاقة نديّة معه.

متى كان يجد الوقت الكافي للتواصل الشخصي مع المئات من مريديه ومحبيه، وسط انشغالاته العديدة؟ أبدًا لم يكن الرجل يمتلك وفرة من الوقت. لقد أنجز مئات الروايات ومئات المقالات، ولا ننسى أنه في الأصل طبيب وأستاذ جامعي، يذهب إلى الكلية ويلقي المحاضرات ويمر على المستشفى ويشرف على الرسائل البحثية.

أعرف الدكتور بشكل شخصي منذ نحو 15 سنة، كنت قد تواصلت معه مرة عبر البريد الإلكتروني، وفوجئت به يرد على رسالتي، الأمر الذي لم أتوقعه من شخص مشهور ومشغول مثله. بعدها مررت بأزمة نفسية وحكيت له في رسالة، ففوجئت به يتصل بي هاتفيا ليرفع من روحي المعنوية، وأي دعم نفسي ذاك الذي حصلت عليه! منذ ذلك الوقت وتشجيعه لي لم ينقطع. كان يعتبرني صديقه وأنا لم أستطع أن أستوعب كيف يتصادق الأستاذ مع التلميذ فيعامله بكل هذه الأريحية. كان وهو النجم في عليائه يأخذ رأيي أنا الإنسان النكرة في أشياء يكتبها، أو يخيّرني بين عناوين أو أغلفة مقترحة لكتبه، والأغرب أنه كان يأخذ بآرائي إذا اقتنع بها.

لم يكن الدكتور أديبا جيدا فحسب، إنه أيضا طبيب حاذق، وهو يعشق الطب وقد تبحر فيه بكل فروعه ويعرف كل شيء عن أقل الأمراض شيوعا وأكثرها ندرة. كنت ألجأ إليه إذا تعرضت لمشكلة صحية غير معتادة، وكان يضع فورا قائمة بالاحتمالات ويطلب التحاليل ولا يتوقف عن السؤال.

وليست هذه هي مواهبه الوحيدة، إنه موسوعة موسيقية حية، وموسوعة سينمائية شاملة، وشاعر، ورسام، وحجة في علوم النحو (وكنت لا أتوقف عن اللجوء إليه كلما حيرني إعراب كلمة)، وقارئ نهم لا يشق له غبار، بل إنه عمل كمبرمج كمبيوتر في إحدى فترات حياته!

يا دكتور، لقد بدأت هذه السنة في كتابة رواية. أول محاولة لي، ولازلت أتعثر، كيف لي أن آخذ رأيك الآن؟ يا دكتور، سامحني فأنا لم أقرأ شآبيب حتى الآن، وأنا أعرف أنك طلبت رأيي، فكيف سأخبرك به؟ يا دكتور، قلت لي إننا سننجز مجموعة قصصية مشتركة، وأنا أنجزت الجزء الخاص بي، فلماذا ذهبت قبل أن تفي بوعدك؟

هل تستطيع أن تقرأ هذا الكلام الآن وأنت في عالمك الأثيري؟ هل رأيت ماذا حدث على مواقع التواصل التي لم تعد تحمل سوى اسمك فور انتشار الخبر؟ هل شعرت بالدموع التي ذرفها عليك مشيعوك الذين سافروا إلى طنطا من كل مكان في مصر؟

أليست هذه خسارة فادحة للبشرية؟ أن يذهب هذا العقل المذهل الجامع لكل هذه المعارف والمغلف بفضائل القديسين إلى التراب؟ أن يرحل الطبيب الأديب إلى حيث لن يحتاج أحد إلى الطب، وحيث لن تكون أهمية للأدب؟

لماذا كانت إقامتك قصيرة هكذا؟ لعلك الآن في مكان أفضل، لكننا كنا نريدك بجوارنا على الأرض.