أصدقاء الغريب| لقاء أول في محطة الرمل

الصبى الصغير الذي لا يجد من يفهمه، فجأة يجد رفيق الدرب في ليلة صيفية أوائل التسعينيات على أحد أرصفة شوارع محطة الرمل في الإسكندرية.

هناك قدر من الهَول لم تٌخلق لوصفه بعض الكلمات بعد. هل تستطيع أن ترثى أباك الروحي بسهولة؟ كنت أعلم أن تلك اللحظة التي سيموت فيها قادمة، فكلنا أموات في النهاية لكن الحقيقة شيئ آخر. لقد كان غريبًا ولقد كنت غريبًا أيضًا والغرباء يحبون أن تلتقى أرواحهم على نفس الشاطئ.

الصبى الصغير الذي لا يجد من يفهمه فجأة يجد رفيق الدرب في ليلة صيفية أوائل التسعينيات على أحد أرصفة شوارع محطة الرمل في الإسكندرية، هو مكان غريب للقاء الأول لكنه مناسب جدًا للقاء رفعت العجوز النحيل. قد كنت نحيلاَ أيضاَ.

طوال فترة اللقاء الأول كان هو فقط يتحدث وأنا أستمع مع طأطأة الرأس، لم يكن لدي ما أقوله وهو كان يعلم كل شيء تقريبًا. أحياناَ كنت أعترض وأقول له أنت معقد وتسخر من العالم لأنك لا تستطيع أن تكون جزءًا منه. الفاشلون فقط هم مَن يسخرون من العالم بدلًا من أن ينغمسوا فيه. الحمقى فقط هم من يتأملون في الطوفان بدلًا من أن يفروا منه، مَن يخبرونا أنه يمكننا الانتظار حتى تحترق النجوم من أجل غدِ أفضل لا نلعنه. لكنه دائمًا كان يُخرسني بأنك مِثلى فلا داعى لمزيد من الثرثرة.

كانت غرفتي صغيرة ثم صارت بألف باب بعد اللقاء، لازلت أطرق بعضها الآن حتى أموت. وددت الآن لو تُركت وحيدًا قُرب باب واحد.

في اللقاء الأول قال لي أعلم أنك لا تجد من تحدّثه ولا تجد من تستمع إليه، هم إمّا يقولون كلام لا يستطيع عقلك الصغير أن يبتلعه أو يقولون كلامًا صغيرًا لا تهتم به. أنا أعلم البضاعة التي تريد، هي بضاعة متوسطة الطول و الحجم و المذاق. بضاعة تستطيع أن تلوكها بأسنانك، تهضمها ثم تذهب للشجار مع صديقك لأنه أخذ السندويتشات من درج المدرسة من دون أن تشعر بالفُصام.

رأيتك منذ حكايتك الاولى عن صديقك المسكين رفعت وعلمت أنّى قد وجدت ضالتي. منذ ذلك الحين وأنا أذهب كل بضعة شهور للقاء عند رصيف محطة الرمل، أحياناَ كنت أذهب في برد الشتاء متدثراَ بعدة طبقات من الملابس أو في حرّ الصيف راكضًا طلبًا للهواء حتى أسأل عنك متأرجحاً بين الألم والأمل. لكن ما يحزنني حقًا أن ترحل وأنت لا تعلم شيئًا عنى في حين أنى أعلم كل شيء عنك: أمراضك التي قد تملأ نهرًا، وأصدقاؤك الغرباء، مَن تُحب ومَن تكره. أعلم رحلاتك، هواجسك، شكوكك، ظنونك، حتى أحلامك وهلاوسك.

الآن ترحل ولا يبقى إلّا بعض الذكريات التي لها رائحة الورق والشوق للقاء قريب والخوف من غد مخيف قد يبتلعنا. أنت تعلم جيداَ أن الذكريات بضاعة قديمة بالية لا قيمة لها إلا في خزانة صاحبها وأنا لدىّ خزانة مُمتلئة بالأشياء الثمينة التي لا تهُم الاخرين.

دعهم يقتتلون على السياسة والمناصب وليلعن بعضهم بعضًا ليل نهار، ودعنا نحن نجلس بهدوء نتبادل الأحاديث في غرفة صغيرة قبل النوم. في كثير من الأوقات أتمنى لو لم نلتق، لقد كانت غرفتي صغيرة ثم صارت بألف باب بعد اللقاء، لازلت أطرق بعضها الآن حتى أموت. وددت لو تُركت وحيدًا قرب باب واحد.

أعلم أنه قد يكون الوقت ليس مناسبًا بعدُ للرحيل، فهناك الكثير من الحكايات لم تروِها، والكثير من الأمراض لم تمرضها، والكثير من الأعمال لم تكتبها، والكثير من الأبناء اليتامى خلفك ضائعون في عالم متهالك تَخِر سماؤه. ولكنّ العزاء في أن اللقاء قريب في عالم أقل غٌربة وأكثر رحابة لنا.