أثار قرار أصدره وزير العمل محمد جبران بتحديد الإجازات الدينية للمسيحيين جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والقبطية، بعدما تبين استناده إلى قرار قديم لمجلس الوزراء صدر عام 1953، متجاهلًا عقودًا من التطور التشريعي والاجتماعي في مصر.
وينص القرار الجديد، الذي أعلنه مجلس الوزراء أمس، على منح إجازات بأجر كامل لـ"الإخوة الأقباط الأرثوذكس" في أعياد الميلاد والغطاس وأحد السعف وخميس العهد وعيد القيامة، بينما منح "الإخوة الأقباط الكاثوليك والبروتستانت" إجازات في رأس السنة وعيد الميلاد وعيد القيامة فقط، مع السماح لهم بالتأخر حتى العاشرة صباحًا في بعض المناسبات.
وبدا لافتًا استناد القرار، الذي دخل حيّز التنفيذ فعليًا وينتظر تطبيقه على الأعياد المقبلة، إلى قرار قديم جدًا أصدره مجلس الوزراء في أول يوليو/تموز 1953، والذي كان ينظم العطلات للموظفين المسيحيين واليهود آنذاك.
كما بدا واضحًا أيضًا اعتماد القرار الجديد على ذات آلية تقسيم الإجازات وفقًا للطوائف المسيحية الواردة بالقرار الصادر في الخمسينيات، إذ كان القرار الأخير ينص على السماح للموظفين المسيحيين من طائفة الأرثوذكس، بالتغيب عن العمل في أيام عيد الميلاد، الغطاس، أحد السعف (الشعانين)، خميس العهد، وعيد القيامة.
ووفقًا لذات التقسيم، يسمح للمسيحيين من طائفتي الكاثوليك والبروتستانت أيام رأس السنة، عيد الميلاد، وعيد القيامة، مع السماح لهم بأن يتأخروا في الصباح إلى الساعة العاشرة في أحد السعف وخميس العهد والغطاس.
غضب وسخرية
وعلى صعيد ردود الفعل إزاء ذلك القرار، لم تخف النائبة بمجلس النواب نانسي نعيم، غضبها من تبني القرار تقسيمًا لإجازات المسيحيين حسب طوائفهم، متسائلة "من صاحب هذه الفتوي؟ من الذي أشار عليكم بهذه الفكره؟ كيف وعلي أي أساس تم تقسيم المسحين بمصر في موضوع الأجازات الرسمية للدولة المصرية؟!".
وتابعت النائبة عن حزب الشعب الجمهوري، أحد الأحزاب الموالية للسلطة، في بوست على حسابها بفيسبوك "الدولة المصرية لا تُثبت الطائفة في بطاقة الرقم القومي (لا للمسلم ولا للمسيحي)، والانتقال بين الطوائف المسيحية مثلًا قائم، مما يجعل هذا التقسيم الإداري وهميًا وخطيرًا (إلا لو وزارة العمل تقترح أن نقسم المصريين رسميًا لطوائف وملل!".
وفي السياق، لم يستسغ المحامي الحقوقي خالد علي لغة البيان الصادر عن وزارة العمل، مطالبًا بضرورة التوقف عن استخدام التوصيفات الإقصائية لغير المسلمين على غرار لفظ ما ورد في القرار "الإخوة المسيحيين"، عوضًا عن التوصيفات وفق الطائفة كأرثوذكس أو بروتستانت أو كاثوليك.
وشدد علي، في تصريحات لـ المنصة على أنه "عندما يصدر بيان من وزارة مصرية على أساس طائفي ودينى يجب أن ينتبه الجميع لخطورة تلك الصياغة التي تعكس جوهر الأزمة لكونها تناهض مبدأ المواطنة".
وفي الوقت نفسه، لم تخل ردود الفعل على القرار من الحس الفكاهي الساخر من مضمونه، إذ علق المواطن كيرو مجدي عليه بقوله " إقبال تاريخي لتحول الكاثوليك والبروتستانت إلى الأرثوذكسية الوقت الجاي، وفي إشارة لمنح المسيحيين الأرثوذكس إجازات أكثر من باقي الطوائف أيضًا، علق المواطن أمير طلعت على القرار عبر حسابه على فيسبوك أيضًا بقوله "كل دي إجازات للأرثوذكس؟؟ دا احنا نرجع لأحضان الكنيسة الأم".
أما الطبيب راضي طلعت ناثان، فعلق على القرار ببوست قال فيه "صباح الخير استيقظ المواطن المسيحي الأرثوذكسي صاحب الـ5 أيام إجازه طبقًا لوزارة العمل.. ولا عزاء للبروتستانت و الكاثوليك".
"ترييح دماغ"
ومن جانبه، عزا الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسحق إبراهيم، التطابق بين القرارين الجديد الصادر أمس والقديم الصادر عام 1953 إلى أن "الحكومة استسهلت واستنسخت قرار عمره أكثر من 70 سنة دون مراعاة لتغير السياق الاجتماعي".
وأوضح إبراهيم لـ المنصة أن الظروف في الخمسينيات كانت مغايرة تمامًا، حيث كان عيد رأس السنة يُحسب وقتها كعيد للأجانب من الكاثوليك والبروتستانت نظرًا لوجود الجاليات الأجنبية بعد الاحتلال، بينما الوضع الحالي مختلف جذريًا، "بعد 71 سنة، رأس السنة بقى عيد عام أصلًا، بتحتفل بيه الكنائس كلها وحتى غير المسيحيين.. فبالتالي مكانة وقيمة اليوم اختلفت".
كما انتقد إبراهيم تجاهل القرار للواقع التشريعي الحالي، مشيراً إلى أن عيد القيامة أصبح إجازة رسمية لكل المصريين بقرار جمهوري (بقوة القانون) يعلو على القرارات الوزارية، ومع ذلك تعامل معه قرار وزير العمل وكأنه منحة خاصة للمسيحيين، كما لفت إلى إغفال القرار لأعياد هامة للكاثوليك، وتجاهله لجذور أعياد مصرية أصيلة مثل الغطاس.
وفي سياق متصل، هاجم الباحث الحقوقي لغة القرار التي استخدمت مصطلح "الإخوة الأقباط"، واصفًا إياها بـ"لغة غير قانونية تعود للعصر العثماني".
وقال "هذه اللغة تكرس التمييز بدلًا من المواطنة، علاقة العمل يجب أن تكون علاقة حقوقية مجردة بين دولة ومواطنين، فهل يصدر قرار يخاطب (الإخوة المسلمين) في عيد الأضحى؟".
مخالفات دستورية
وإلى ذلك، يرى المحامي خالد علي أن هذه الأخطاء تعكس مدى الحاجة لتثقيف الوزراء وتدريبهم وكوادرهم الإعلامية على الخطاب السياسي والأطر الدستورية، فالجهل لا يعفى من المسؤولية السياسية القانونية، مشددًا على أن تقسيم اجازات المسيحين وفقًا لطوائفهم "يوقع القرار فى مخالفات دستورية".
وطالب بالطعن على هذا القرار الذي وصف طبيعته القانونية بـ"اللائحي" أمام القضاء الإداري، على نحو يسمح بالدفع بعدم دستوريته لإحالته للمحكمة الدستورية العليا، "نظراً لما يتضمنه من قواعد عامة مجردة تمس الحقوق الدستورية".