أرجأت وزارة التموين عملية التحول إلى الدعم النقدي لحين استكمال مناقشته في الحوار الوطني بجانب مناقشة الملف داخل مجلس النواب تمهيدًا لاتخاذ قرار نهائي بشأن جدوى عملية التحوّل وآلية التنفيذ، حسبما أكد مصدر مطلع على ملف الدعم بالوزارة لـ المنصة، فيما اختلف عضوان بالبرلمان الجديد حول جدوى تطبيقه، واقترح أحدهما زيادة قيمة الدعم لما بين 500 إلى ألف جنيه شهريًا للفرد.
ونهاية أغسطس/آب 2024، قال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي إن الحكومة أحالت ملف التحول للدعم النقدي إلى مجلس أمناء الحوار الوطني، والذي عقد أكثر من جلسة لمناقشة كافة التفاصيل الخاصة به، على أن تبدأ عمليات تطبيقه خلال العام المالي 2024- 2025 حال التوافق على آلية التنفيذ، قبل أن يؤكد في سبتمبر/أيلول الماضي، الحاجة لإعداد قاعدة بيانات متكاملة أولًا، قبل الشروع في تطبيقه.
وأوضح المصدر التمويني، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن الملف يمس قطاعات واسعة من المواطنين، ويتطلب توافقًا مجتمعيًا وبرلمانيًا حول آليات التطبيق وقبولًا مجتمعيًا كاملًا للفكرة قبل اتخاذ أي خطوات تنفيذية.
خلاف حول الجدوى
وقال وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب إيهاب منصور إن "التحول للدعم النقدي مش مرفوض من حيث المبدأ"، لكنه أشار إلى وجود معوقات تحول دون تطبيقه في الوقت الحالي.
وأوضح منصور لـ المنصة أن ملف الدعم النقدي يحتاج لمنظومة إلكترونية دقيقة وقوية، في ظل مشاكل حذف بعض المواطنين من برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة" دون أسباب حقيقية، بدعوى امتلاك سيارات أو أصول غير موجودة على أرض الواقع، معتبرًا أن أداء الحكومة في هذا الملف "مقلق"، وأن أي تعديل غير مدروس قد يؤدي إلى ظلم فئات واسعة من المستحقين.
بينما رفض عضو تشريعية النواب النائب ضياء الدين داوود فكرة تطبيق الدعم النقدي من الأساس، مؤكدًا أنه رغم استقرار سعر الصرف، يظل توفير السلع نفسها هو الشكل الأكثر قبولًا لدى المواطنين والمعارضة على حد سواء، في ظل حالة عدم اليقين العالمية، واحتمالات اندلاع أزمات أو حروب قد تؤثر على سلاسل الإمداد.
وأوضح داوود لـ المنصة أن تعريض المواطن لأي اهتزاز في مركزه الاقتصادي أمر غير مقبول، خاصة في ظل عدم التزام الحكومة في برامج الحماية الاجتماعية الحالية، بتوفير الحد الأدنى من متطلبات الأسرة مثل تكافل وكرامة، مؤكدًا أن ما يحصل عليه المواطن حاليًا لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية.
وشدد على ضرورة توسيع دائرة الحوار المجتمعي بشأن منظومة الدعم، من خلال فتح نقاش عام خارج البرلمان تشارك فيه الأحزاب السياسية والمواطنون المستفيدون من الدعم، على أن تُعرض مخرجات هذا الحوار لاحقًا داخل مجلس النواب، لضمان الوصول إلى صيغة عادلة وتحظى بقبول مجتمعي واسع.
القيمة العادلة
وأكد إيهاب منصور أن التطبيق السليم للدعم النقدي يستلزم تنسيقًا كاملًا بين الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارات التضامن الاجتماعي، والعمل، والصحة، مع تحديد قيمة تعكس السعر الحقيقي للسلع الأساسية، وربطها بزيادة سنوية وفقًا لمعدل التضخم الحقيقي.
وطالب منصور الحكومة بتقديم دراسة متكاملة أمام مجلس النواب، وهو ما لم يحدث خلال الدورة التشريعية الماضية، سواء فيما يتعلق بحجم استيراد السلع الاستراتيجية مثل القمح والزيوت أو حجم الوفر المالي المتوقع عند تحرير أسعار السلع التموينية.
وأوضح أن ما يتم توفيره من خفض تكاليف الاستيراد والتخزين والنقل والشحن، يمكن توجيهه مباشرة إلى الدعم النقدي لصالح المواطنين، دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية، شريطة توافر العدالة والشفافية والمكاشفة الكاملة من جانب الحكومة.
وبلغت قيمة الدعم التمويني في موازنة العام المالي الجاري 160 مليار جنيه، وتشمل هذه الموازنة دعمًا نقديًا للمسجلين على بطاقات التموين بقيمة 50 جنيه للفرد شهريًا، لكن هذا الدعم لا يمكن استخدامه إلا في شراء السلع التي تقوم منافذ التجارة التابعة لوزارة التموين ببيعها، والتي يتم إنتاج العديد من منها عن طريق الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة للوزارة أيضًا.
واقترح منصور أن يتراوح الدعم العادل للفرد بين 500 و1000 جنيه شهريًا، حسب احتياجات المواطنين، مع تطبيق تمييز إيجابي لصالح الفئات الأكثر احتياجًا، مثل أصحاب المعاشات ومستفيدي تكافل وكرامة، إلى جانب تنقية بطاقات التموين لضمان عدم استفادة غير المستحقين، مثل أصحاب الشركات أو النواب أو المشاهير.
وأوضح منصور أن التخوف الرئيسي يتمثل في تثبيت قيمة الدعم، لافتًا إلى أن الحكومة اعتادت على تثبيت المبالغ المقدمة للمواطنين لسنوات طويلة دون زيادتها، مستشهدًا بثبات قيمة دعم السلع على بطاقات التموين منذ نحو 9 سنوات، رغم الارتفاع الكبير في الأسعار ما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت.
وفي يونيو/حزيران 2017، قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي، زيادة دعم الفرد في البطاقة التموينية من 21 إلى 50 جنيهًا، يحصل من خلالها على سلع تموينية بأسعار مدعمة، تتضمن كيلو السكر بسعر 12.60 جنيه، وزيت الخلط 800 مل بـ30 جنيهًا، والمكرونة 800 جرام بـ17 جنيهًا، والدقيق بـ18 جنيهًا، والعدس 500 جرام بـ21 جنيهًا.
فيما أكد ضياء الدين داوود أن إصرار الحكومة على تطبيق الدعم النقدي دون ضمانات حقيقية قد يؤدي إلى كارثة اجتماعية، مشيرًا إلى أنه حال المضي قدمًا في هذا الاتجاه يجب تحديد القيمة العادلة للدعم بناءً على السعر السوقي الفعلي للسلع الأساسية.
واشترط داوود زيادة قيمة الدعم بشكل تلقائي ومستمر عند أي زيادة في أسعار السلع التي يجري صرفها على بطاقات التموين بالسعر الحر حال مضي الحكومة في تطبيق المنظومة الجديدة.
ونهاية العام الماضي، قال مصدر بارز بوزارة المالية في تصريحات سابقة لـ المنصة، إن المشروع الحالي لموازنة العام المالي المقبل 2026- 2027 خصص نحو 200 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، مبينًا أنها ستمنح المواطنين المسجلين في منظومة التموين المزيد من الحرية في اختيار السلع التي سيشترونها في مقابل قيمة الدعم.