سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مصر
ترامب يصافح السيسي في قمة G7 بفرنسا، 2019

مصر تثمن والسودان تدعم وساطة ترامب في "سد النهضة".. وخبراء يحذرون من "صفقة في البحر الأحمر"

محمد سليمان
منشور السبت 17 كانون الثاني/يناير 2026

ثمنت مصر مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستئناف الوساطة مع إثيوبيا، وصولًا إلى حل "مسؤول ونهائي" لمسألة تقاسم "مياه النيل"، معربة عن تطلعها للعمل معه خلال المرحلة المقبلة، وبينما أبدت السودان ترحيبًا ودعمًا لوساطة ترامب، لم تصدر أي تعليقات رسمية عن أديس أبابا حتى موعد النشر.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتوسط فيها ترامب لحل أزمة سد النهضة، ففي فترة ولايته الأولى استضافت واشنطن مفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان لكنها لم تصل لاتفاق، وقتها قال ترامب إن مصر "قد تفجر السد".  

وهو ما كرره بشكل آخر مساء أمس، وقال ترامب، في خطاب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي إن حل توترات سد النهضة على رأس أولوياته، معربًا عن أمله في ألا يقود هذا الخلاف إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا.

وأضاف الرئيس الأمريكي إنه لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر منفردةً على موارد النيل، وأن تلحق الضرر بجيرانها في هذه العملية.

وتابع أنه بالخبرة الفنية المناسبة، والمفاوضات العادلة والشفافة، ودور الولايات المتحدة الفعال في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم لجميع دول حوض النيل.

وأشار إلى أن هذا الاتفاق سيضمن إطلاق كميات متوقعة من المياه خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الممتدة لمصر والسودان، مع تمكين إثيوبيا من توليد كميات كبيرة من الكهرباء، والتي يمكن ربما منح جزء منها، أو بيعها، لمصر و/أو السودان.

وبدوره، ثمن الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر بوست على حسابه بفيسبوك، المبادرة الأمريكية، وجهود ترامب "المقدرة" في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما ثمن اهتمام ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري.

وأضاف أن التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف هي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري.

وأضاف أنه بعث خطابًا إلى ترامب مؤكدًا خلاله موقف مصر وشواغلها ذات الصلة بالأمن المائي، وكذلك دعم القاهرة لجهوده والتطلع لمواصلة العمل عن كثب معه خلال المرحلة المقبلة.

وفي السياق، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، اليوم، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره البوسني المدين كوناكوفيتش، حرص مصر على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل لتنفيذ مبادئ القانون الدولي ومبدأ الإخطار المسبق وعدم إحداث ضرر.

وقال عبد العاطي، إذا تحدثنا عن إجمالي الموارد المائية لمنطقة حوض النيل فهي تبلغ 1600 مليار متر مكعب تسقط سنويًا في حوض النيل، وإذا توسعنا بإضافة دول مثل الكونغو الديمقراطية يصبح الرقم 7 آلاف مليار متر مكعب، وبالتالي فليس هناك نقص في موارد المياه إذا أحسنا استخدام الموارد.

وأكد ما ذكره الرئيس ترامب عن أهمية الابتعاد الكامل عن أي حلول أحادية، مشددًا على أن مصر منفتحة انفتاحًا كاملًا للتعامل مع دول حوض النيل واستخدام الموارد المائية.

ومن ناحيته، رحب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، عبد الفتاح البرهان، بالمبادرة الأمريكية.

وكتب البرهان، عبر حسابه على إكس، "حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم".

ولم تصدر أديس أبابا أي تعليقات رسمية بشأن مبادرة ترامب حتى عصر اليوم، رُغم أن رئيس الوزراء، آبي أحمد نشر بوست على إكس عن افتتاح مشروعات في جنوب البلاد.

المبادرة ليست أول الجهود

ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض تحدث مرارًا عن سد النهضة، وأشار منتصف العام الماضي إلى جهود لحل تلك المشكلة "قريبًا جدًا"، وحذر من مخاطره على مصر، وقال إن الولايات المتحدة "موّلت بغباء سد النهضة".

لكن حديثه هذه المرة يحمل عرضًا مباشرًا للوساطة يكتسب أهميته كونه يأتي وسط تصاعد الصراع في البحر الأحمر بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بـ"دولة صوماليلاند" على البحر الأحمر، والتي أبرمت في وقت سابق اتفاقًا مع إثيوبيا بشأن منفذ بحري، فضلًا عن تطابق الروئ المصرية السعودية بشأن التوترات في اليمن وعدم استخدامها لتحقيق مستهدفات إسرائيلية للسيطرة على مضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

اتفاق واشنطن 

ويرى وزير الري الأسبق، الدكتور محمد نصر علام، أن المبادرة الأمريكية لن تؤدي لحل الأزمة ما لم تتوافر  لدى إثيوبيا إرادة سياسية جادة، فـ"الكرة في ملعب إثيوبيا" على حد قوله.

وأشار علام لـ المنصة، إلى أنه سبق التفاوض بين الدول الثلاث تحت إشراف وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي وصولًا لاتفاق واشنطن عام 2020، ووقعت عليه مصر بالأحرف الأولى فيما تراجعت إثيوبيا عن الحضور للتوقيع.

وأردف بالقول هذا يعني أن هناك مسودة اتفاق بالفعل، ويبقى على إثيوبيا التوقيع عليها لتنتهي الأزمة، إذا أرادت.

ويربط علام بين المبادرة المبادرة الأمريكية والصراع في منطقة القرن الأفريقي ويؤكد أهمية التوصل لاتفاق بشأن سد النهضة لتحقيق الاستقرار في القرن الإفريقي والحفاظ على مصالح الدول الكبرى في المنطقة، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

النهر مقابل البحر

وفي ختام حديثه عن المبادرة، أعرب ترامب عن أمله في ألا يؤدي هذا النزاع المفهوم حول سد النهضة إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، وهو ما لم يستبعده عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور عدلي سعداوي، لكنه عدّه "آخر الحلول" المطروحة على الطاولة؛ نظرًا لارتباط مياه النيل بحق البقاء والحياة للشعب المصري. 

وقال سعداوي لـ المنصة، إن الدولة المصرية لا تملك خيار التنازل عن حصتها المائية، وهو أمر تدركه الإدارة الأمريكية الحالية التي ترى في استقرار مصر مفتاحًا لاستقرار المنطقة بالكامل.

وهددت مصر باستخدام "كافة الوسائل المتاحة" للدفاع عن مصالحها المائية، وقال وزير الخارجية المصري، في تصريحات تليفزيونية نهاية العام الماضي، المسار التفاوضي مع الجانب الإثيوبي "انتهى ووصل إلى طريق مسدود"، مشددًا على حق بلاده كاملًا في استخدام الوسائل المتاحة طبقًا لما يكفله القانون الدولي للدفاع عن نفسها ومصالحها المائية".

بدوره، شدد سعداوي على ضرورة فصل جهود الوساطة الأمريكية بشأن سد النهضة عن أي "صفقات" تتعلق بمنافذ بحرية سيادية، مضيفًا أن إثيوبيا قد تربط حل أزمة سد النهضة على نهر النيل الأزرق بالوصول إلى منفذ بحري عبر صوماليلاند.

وأكد أن منح إثيوبيا، ومن ورائها إسرائيل، حق الوجود العسكري في البحر الأحمر يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري وتضييقًا على قناة السويس.

وتتهم إثيوبيا مصر بـ"التلويح باستخدام القوة وتبني حملة لزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي"، مؤكدة أن هذه الجهود "لم تُخضع إثيوبيا يومًا"، فيما تؤكد القاهرة أن أمنها المائي خط لا يمكن المساس به وستتخذ كافة الإجراءات لضمان حمايته. 

اتفاق ملزم

وقال الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي، إن الإجراءات الإثيوبية الأحادية في ملء وتشغيل سد النهضة تنتهك مبادئ القانون الدولي، وبخاصة عدم التسبب في ضرر ذي شأن.

وأضاف مهران لـ المنصة، أن القانون الدولي يشدد في هذا الصدد على التفاوض بحسن نية والتوصل لحل توافقي يحترم حقوق جميع الأطراف. ونوّه بأن عدم مشاركة بيانات تشغيل السد ألحق ضررًا بالفعل على دولتي المصب مصر والسودان.

أضرار مصرية - سودانية

ومطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اجتاحت فيضانات غير مسبوقة السودان، تزامنًا مع فتح إثيوبيا "بوابات الطوارئ" في مفيض سد النهضة، ما تسبب في إعلان الإنذار الأحمر بـ6 ولايات شملت العاصمة الخرطوم والنيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق، حيث تأثرت القرى والمناطق الزراعية والمناطق السكنية. 

وفي الشهر نفسه ارتفعت مساحة أراضي طرح النهر المغمورة بمياه النيل في محافظتي المنوفية والبحيرة إلى 1261 فدانًا.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت مصر فتح مفيض توشكى لاستيعاب زيادات "غير منضبطة" في كميات المياه الواردة من سد النهضة، محذرة من استمرار "النهج العشوائي" لأديس أبابا في إدارة منشأة بهذا الحجم على نهر دولي.

وذكرت القاهرة، في بيان لوزارة الري، أن غياب الضوابط الفنية والعلمية في تشغيل السد الإثيوبي؛ عرض مجرى نهر النيل لتقلبات غير مأمونة التأثير.

بعدها، قال الرئيس السيسي خلال كلمة مُسجلة في الجلسة الافتتاحية لأسبوع القاهرة الثامن للمياه، إن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي "أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا في ما يتعلق بنهر النيل"، وستتخذ كل التدابير لحماية مصالحها وأمنها المائي.

وفي مارس/آذار 2024 أقرّ وزير الري هاني سويلم بتأثر مصر بسد النهضة، لكنه أكد أن "الدولة المصرية قدرت تتعامل معاه بتكلفة ما"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن "اتفاقية إعلان المبادئ بتقول لو تسبب السد في أضرار لدول المصب، فيه ثمن لازم يندفع، ولازم مصر هتطالب به في يوم من الأيام".

وتعاني مصر عجزًا في المياه، إذ تتمثل احتياجاتها بنحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، فيما تتراوح الحصة المتوافرة بين 60 و61 مليار متر مكعب سنويًا، من بينها 55.5 مليار متر مكعب حصة مصر من مياه النيل.