لم يكن غريبًا ما لاقاه مسلسل "صحاب الأرض" الذي يُعرض تليفزيونيًا حاليًا من نقد وغضب إسرائيلي خاصة وأنه تجسيدًا صادمًا لمعاناة لا يزال الفلسطينيون يعيشونها جراء عدوان جيش الاحتلال، لكن ما خلقه العمل الفني من حالة بين الفلسطينيين أنفسهم كان لافتًا.
فمع كل حلقة تُعرض من العمل الرمضاني تتجدد الحلقات النقاشية بين الغزيين الذين انقسموا حول أهميته كتوثيق للذاكرة والاعتداءات الوحشية وممارسات الاحتلال في غزة، وآخرون معارضون لأسلوب الطرح وحدود الدراما، ومعتبرين أنه لم يقدم جديدًا عما نقلته وسائل الإعلام المختلفة خلال الحرب.
يتناول العمل الرمضاني محطات مفصلية من التاريخ الفلسطيني وقضايا الأرض والاقتلاع، والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة والانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، مسلطًا الضوء على أحداث واقعية وتحديات البقاء في غزة رغم العدوان والحصار الإسرائيلي.
تفاصيل دقيقة
يقول المواطن الغزاوي علي سليم الشاب العشريني إن المسلسل نقل تفاصيلًا دقيقة عاشها كما الآخرون خلال فترات النزوح القسري وعدم توفر العلاج في المستشفيات وكذلك تفاصيل دقيقة للقصف الإسرائيلي المتواصل والتدمير الواسع للأحياء والمباني والبُنية التحتية، وانعكاسها على الحياة اليومية للغزيين.
وأضاف سليم لـ المنصة "لن أنسى مشهد الحصول على كيس من الطحين في المسلسل تحت إطلاق النار والقصف، هذا مشهد عايشته وهو ينقل جزء من حالة الخوف والرعب بسبب القصف والجوع الذي عشناه".
وتعرض مئات الغزيين للقتل بيد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال توزيع المساعدات بمعرفة مؤسسة "غزة الإنسانية" الأمريكية، والتي اعتبرتها حركة حماس "مصائد موت"، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل بتدبير هذه الآلية ضمن سياسة ممنهجة للإبادة الجماعية ضد أبناء غزة.
ويستعيد الشاب الفلسطيني الذي عمل كمتطوّع خلال الحرب مع الفريق الطبي في مستشفى غزة الأوروبي جنوب شرق خانيونس في بدايات الحرب، قائلًا "دخل الفريق الطبي المصري عبر معبر رفح البري قبل إغلاقه"، مؤكدًا أنه لم يشهد مستوى مماثلًا من الالتزام الإنساني.
وتقول هند محمود، 34 عامًا، التي فقدت منزلها ومنزل عائلتها شرق مدينة غزة وتعيش حاليًا في خيمة غرب المدينة، لـ المنصة، إن المسلسل "ليس تمثيلًا بقدر ما هو استدعاء لذاكرة حقيقية عشتها خلال النزوح والتجويع وفقد أفراد عائلتي وبعضهم لا يزالون تحت الركام حتى اليوم".
معاناة أكبر من الدراما الرمضانية
لكن هذه المقاربة الدرامية لا تحظى بإجماع، إذ يقول ساهر الرملي، 29 عامًا، الذي فقد معظم أفراد عائلته في قصف استهدف منزلهم دون إنذار، إنه شاهد مقتطفات فقط من العمل عبر السوشيال ميديا، ولم يستطع المتابعة.
ويشرح الرملي لـ المنصة "ما عشته أكبر من قدرتي على المشاهدة، تفاصيل القصف، وعدم القدرة على انتشال الضحايا تحت الأنقاض أو دفنهم، لا تزال تلاحقني يوميًا، وبيتنا في منطقة تخضع لسيطرة الاحتلال، وأي محاولة للوصول إليه تقابل بإطلاق النار".
ويضيف أنّ ما عاشه خلال الحرب لا يزال يؤثر على تفاصيل حياته اليومية التي يحاول تجاوزها "أنا لليوم مش قادر أنسى تفاصيل لحظة قصف البيت، ولا تفاصيل عدم انتشالهم، ولا تفاصيل إنه لليوم أجسادهم تحت الركام ومش قادر أوصللهم لأن بيتنا في منطقة ما زالت تحتل السيطرة الإسرائيلية وأي حد بفكر يروح بتم إطلاق النار عليه".
ويرى أن تفاصيل الحرب تناقلتها معظم وسائل الإعلام العربية والدولية خلال عامين متواصلين، ولم تستطع إيقاف الحرب، حيث امتدت لتسفر عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، والكاميرات وشاشات التلفاز نقلت بالصوت والصورة صراخ الأطفال والنساء والشيوخ، متابعًا "لا أقلل من أهمية العمل الدرامي لكن لدينا مشاهد حقيقية نقلت ما حدث وما زال يحدث رغم إعلان وقف إطلاق النار قبل عدّة أشهر".
ويتفق سلمان عيسى، 38 عامًا، مع الرملي فيما يتعلق بتوثيق الحرب وتفاصيلها عبرّ وسائل الإعلام خلال الحرب، وأنها نقلت ما هو أقسى مما ينقله "صحاب الأرض"، ويضيف لـ المنصة "ممكن في تفاصيل بنقلها المسلسل مهمة لكن إحنا ما عنا قدرة نشوف حاليًا أي عمل درامي حول الحرب، جرحنا لسه نازف ومعاناتنا مستمرة".
ويشير عيسى، الذي لم يتابع العمل الدرامي بشكل كامل، إلى أن أغلب الغزيين ما زالوا نازحين في خيام بعدما فقدوا منازلهم ومُنعوا من العودة إليها مع عدم توفر بديل مثل الكرفانات للسكن، حيث لا تتوفر الكهرباء أو الإنترنت في الخيام نتيجة قطعها منذ بدء الحرب من قبل الاحتلال بالإضافة إلى التكاليف الباهظة للطاقة البديلة والإنترنت، الأمر الذي يمنع الغالبية من الغزيين من مشاهدة أو متابعة أي عمل درامي رمضاني.
وينتقد عيسى العمل الدرامي "إحنا لليوم بنعاني من القصف والقتل المتواصل، بنعاني من عدم توفر منازل آمنة، بنعاني من عدم توفر البضائع والمواد الغذائية بكميات حسب الاحتياجات وأسعارها المرتفعة، عن أي عمل درامي بدنا نشوف ونحكي، طيب مهو حياتنا كلها صارت مسلسل درامي صرلنا بنعيشه أكثر من سنتين ونص ولسة مستمر".
غضب إسرائيلي
ورغم أن الغزيين قد لا يكونون الجمهور المستهدف مباشرة للعمل، فإن آراءهم المنقسمة تكشف حساسية توقيت طرحه.
لكن اللافت هو التناول الإسرائيلي للمسلسل؛ إذ اعتبرت تحليلات في القناة الإسرائيلية 12 وصحيفة يديعوت أحرونوت أن العمل يعزز الرواية الفلسطينية للأرض والهوية، ورأت فيه جزءًا من "صراع الروايات" وتأثيره المحتمل على الرأي العام العربي، منتقدة ما وصفته بـ"ترسيخ صورة نمطية سلبية عن إسرائيل".
وأمس، نشرت متحدثة باسم جيش الاحتلال مقطع فيديو هاجمت فيه المسلسل، معتبرة أنه "ليس مجرد دراما، بل تحريض وتزييف للحقائق"، ومضيفة "الفن يكون رسالة بس لما يكون نظيف، غير كده يبقى غسيل عقول وتزييف حقائق، والمسلسل يقلب القاتل ضحية، والضحية متهمًا"، مُدعية أنّ الإسرائيلي الذي مارس القتل والتدمير طوال أكثر من عامين هو "الضحية".
وهو ما رد عليه مخرج العمل بيتر ميمي، من خلال بوست عبر فيسبوك، قائلًا "تزييف حقايق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة، عمومًا أنا دوخت علشان أجيب ممثلة تكون شبهك، والنصر لكل مظلوم".