ألقت قرارات الحكومة الأخيرة بشأن ترشيد استهلاك الطاقة بظلالها على الشارع المصري، فبينما تستهدف خطة الغلق المبكر للمحال التجارية والمقاهي تقليل الأحمال وتوفير الغاز الطبيعي لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة العالمية، برزت على الجانب الآخر تداعيات اقتصادية واجتماعية تمثلت في تراجع المبيعات بنسب تصل إلى 20%، وشكاوى من تحول الشوارع إلى الظلام.
ولليوم الثالث على التوالي، تطبق الحكومة قرارًا بغلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم اعتبارًا من التاسعة مساءً ضمن خطة للحد من استهلاك الكهرباء، لمواجهة الارتفاع القياسي في أسعار الطاقة عالميًا، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز الـ100 دولار للبرميل متأثرًا بتوترات الحرب.
المحال تصطدم بتراجع المبيعات
وعلى مستوى الأثر التجاري للخطة، أكد عضو بمجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية، أن نسبة مبيعات المحال التجارية المتأثرة بقرار الغلق المبكر تراجعت على مدى اليومين السابقين بنسب تراوحت بين 15% و20%، وذلك باختلاف نشاط كل منشأة، حسب تقديره.
وأوضح لـ المنصة أن تأثير القرار يختلف من قطاع لآخر؛ فمحال الملابس، على سبيل المثال، تعتمد بشكل كبير على المبيعات الليلية، عكس محال قطع غيار السيارات أو الأدوات الصحية التي تنشط نهارًا.
وأشار إلى لجوء بعض التجار لتبكير مواعيد فتح المحال لتعويض ساعات الغلق، إلا أن هذه الخطوة لم تؤتِ ثمارها لعدم اعتياد المستهلكين على التسوق صباحًا.
ولفت المصدر إلى التزام أغلب التجار بمواعيد الغلق خوفًا من الحملات التفتيشية المشددة، باستثناء قلة من المحال والمقاهي تلجأ للتحايل بإطفاء الإضاءة الخارجية والعمل في الخفاء، معلقًا "المخاطرة في الحالات اللي زي دي ملهاش أي لازمة، لأن ممكن صاحب المحل يقع عليه غرامة قيمتها تساوي أضعاف المكاسب اللي هيحققها خلال ساعات الغلق أو المحل بتاعة يتشمع خالص".
وكانت وزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض وجهت بالتدرج في تطبيق العقوبات على المخالفين، بدءًا بالإنذار الفوري وتحرير محضر، مرورًا بفرض غرامات تصل إلى 50 ألف جنيه، وصولًا إلى الغلق الإداري والتشميع.
ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة الدكتورة منال عوض، بضرورة التدرج في تطبيق العقوبات على المحال المخالفة لقرار الغلق المبكر، تبدأ بالتنبيه والإنذار الفوري مع توقيع محضر مخالفة، ثم فرض غرامة مالية مشددة تصل إلى 50 ألف جنيه، ثم الغلق الإدارى للمنشأة وتشميعها.
مواطنون يشكون الظلام
وبعيدًا عن لغة الأرقام، كان للقرار وقعه الخاص على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ تروي إيمان شعبان لـ المنصة تجربتها بمنطقة اللبيني التابعة لحي الهرم بمحافظة الجيزة، حين فوجئت بإغلاق المحال وتخفيف إنارة الشوارع قبل التاسعة مساءً "فجأة الشارع بقى ضلمة كُحل باستثناء نور بسيط في البقالة، حاسبت بسرعة وطلعت أجري على البيت".
وأضافت أن الكثير من المحال التجارية، خاصة في الشوارع الداخلية، لم تك تلتزم سابقًا بمواعيد الغلق المبكر، لكن الوضع هذه المرة يبدو مختلفًا.
وأشارت إلى أن تزامن غلق المحال، وأضوائها، مع الانخفاض الكبير في إضاءة الشوارع هذه الأيام سيجعلها تفكر مرتين قبل تكرار تجربة النزول إلى الشارع مساءً.
وفي حي دار السلام بمحافظة القاهرة لم يختلف المشهد كثيرًا، حيث أغلقت المحال التجارية والمقاهي بشارع الفيوم الشهير هناك، أبوابها في حدود التاسعة مساءً، بالتزامن مع إطفاء أعمدة الإنارة ليغرق الشارع، المكتظ بالمارة، في ظلام شبه تام.
مصطفى حسين، صاحب محل بيع الأحذية بالشارع، امتثل للقرار على مضض، كآخرين، بعد تأكيد من الحي وقسم الشرطة بتطبيق إجراءات قانونية صارمة على المخالفين.
"دي منطقة تجارية، قفل المحلات الساعة تسعة بيقتل حركة البيع والشرا، وبيضرنا في أكل عيشنا" يقول حسين لـ المنصة وهو يضرب كفًا بكف.
وإزاء هذا التغيير، يعتزم الرجل الخمسيني تبكير موعد فتح محله ساعة ليبدأ في الثانية عشرة ظهرًا بدلًا من الواحدة، لكنه لا يعول كثيرًا على تعويض حركة البيع نفسها "الناس في الوقت دا بتكون في أشغالها ودارستها، مين هينزل يشتري الصبح!".
وعلى بُعد كيلومترات قليلة، وبينما تشير الساعة إلى الحادية عشرة والنصف مساءً، جلس حسن محمد، عامل التوصيل العشريني، متكئًا على مقعد دراجته النارية المركونة أمام محل فطائر بحي المعادي بعدما عاد لتوه من توصيل طلب بأحد الشوارع القريبة.
حسن، الذي يعمل في توصيل الطلبات للمنازل منذ ثلاث سنوات تقريبًا، لم يلحظ تغييرًا يذكر في حجم الطلب مع بدء تطبيق القرار، لكن ما تغيّر كان شكل الشوارع، التي خفتت فيها الحركة مبكرًا، وانطفأت أضوائها إلا من كشافات السيارات وبعض المحال المستثناة من الغلق.
اعتاد حسن العمل من الثامنة مساءً حتى الثامنةً صباحًا، لكن صاحب المحل أبلغه وزملائه بتغيير مواعيد العمل ليغلق المحل أبوابه تمامًا عند الثانية صباحًا.
ويخشى الشاب العشريني أن تؤثر هذه القرارات على دخله، الذي يكفي بالكاد لسداد أقساط الجمعية وتدبير نفقات المعيشة.
طموحات حكومية.. وتباين في التقديرات
على المستوى الرسمي، تعوِّل الحكومة كثيرًا على هذه الخطة؛ إذ صرح مصدر بوزارة الكهرباء لـ المنصة أن الوزارة تستهدف خفض الاستهلاك بنحو 8 آلاف ميجاوات من إجمالي 29.4 ألف ميجاوات تُستهلك يوميًا.
وأوضح المصدر بنود خطة التوفير، قائلًا "سنوفر 3 آلاف ميجاوات من خلال ترشيد الاستهلاك داخل المؤسسات والوزارات وعمل الموظفين من المنزل يوم الأحد من كل أسبوع، بالإضافة إلى 5 آلاف ميجاوات يوميًا بفضل قرار الغلق المبكر للمنشآت والمحال التجارية".
في المقابل رجح مصدر ثانٍ بوزارة البترول أن ينحصر الوفر الكلي للخطة في خفض 5% فقط من استهلاك المواد البترولية ككل سواء المستخدمة في الوقود أو إنتاج الكهرباء .
وأشار، في تصريحات لـ المنصة إلى أن الخطة تهدف بالأساس للاستعداد لزيادة الاستهلاك المتوقعة في فصل الصيف تحسبًا لامتداد أمد الحرب العالمية.
وأوضح المصدر "متوسط الاستهلاك اليومي في مصر يبلغ نحو 42 ألف طن سولار، وحوالي 27 ألف طن بنزين، و6.3 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا، وهو رقم يرتفع صيفًا إلى 7.3 مليار قدم مكعب مع تشغيل أجهزة التكييف".
واعتبر المصدر المطلع على ملف الإنتاج بقطاع البترول أن خطة الترشيد كانت ستصبح أكثر فعالية لو شملت الحد من الغاز الطبيعي المورد للمصانع كثيفة الاستهلاك، والتي تحصل على الغاز بسعر مدعم لا يتجاوز مقارنة بالأسعار العالمية التي تتجاوز 21 دولارًا للمليون وحدة حرارية، مما يكبد الدولة خسائر فارق السعر.
وخلال سبتمبر/أيلول الماضي، ذكرت تقارير صحفية أن الحكومة أبلغت صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة زيادة سعر الغاز المورد لهم بحد أدنى دولارًا لكل مليون وحدة حرارية (بعد أن كانت تتراوح بين 4.5-5.7 دولار).
فيما ارتفع سعر خام برنت في العقود المستقبلية إلى مستويات قياسية فوق الـ100 دولار للبرميل، بسبب تأثير الحرب المباشر على حركة تداول الطاقة.