انتقدت نسويات شاركن في مائدة مستديرة نظمتها مؤسسة المرأة الجديدة، مساء الثلاثاء، بعنوان "قانون الأحوال الشخصية إلى أين؟"، غياب الشفافية المرتبط بعدم إفصاح وزارة العدل أو الحكومة حتى الآن عن أي تفاصيل تخص مشروع القانون، وسيطرة حالة من التكتم والسرية على مراحل إعداد وصياغة للتشريع المرتقب.
الجلسة التي حضرها ناشطات نسويات، من بينهن محاميات بعدد من منظمات الممجتمع المدني وصحفيات، فضلًا عن النائب فريدي البياضي، شهدت غياب هاني جورجي المستشار القانوني للمجلس القومي للمرأة، والقاضية سالي الصعيدي عن وزارة العدل، رغم الإعلان كونهما متحدثين رئيسيين في النقاش، ما أثار تساؤلات حول مدى حرص الجهات الرسمية على فتح حوار مجتمعي حقيقي مع ممثلي المجتمع المدني حول القانون.
وتُعرف مؤسسة المرأة الجديدة نفسها باعتبارها مؤسسة نسوية دفاعية تدعم حقوق النساء في مصر، من خلال تطوير السياسات العامة وتقديم خدمات المساندة.
في بداية الجلسة، قالت رئيسة مجلس أمناء المؤسسة المحامية مها يوسف، إن قانون الأحوال الشخصية الساري والصادر عام 1920 "انتهت صلاحيته تمامًا ولم يعد قادرًا على مواكبة مستجدات العصر".
وأوضحت أن ذلك القانون صدر قائمًا على فلسفة الاحتباس مقابل النفقة "بمعنى إن الراجل هيصرف على الست وهي تقعد تخدمه في البيت وواجب عليها الطاعة، لكن هذا عكس الواقع العملي الآن ومش هنقول كم مليون أسرة تنفق عليها النساء".
مخاوف من "بالونات الاختبار"
وأشارت مديرة مؤسسة المرأة الجديدة إلى أن تعدد القوانين المكملة لقانون الأحوال الشخصية والمرتبطة بالنفقة والخلع والطلاق، أدت لصعوبة إلمام المواطن غير المتخصص بأحكام القانون، منتقدة غياب الشفافية حول المشروع الجديد الذي تحولت تسريباته في الإعلام إلى ما يشبه "بالونات الاختبار" حول ضوابط الخلع وسن الحضانة دون وجود مشروع حقيقي للنقاش، متسائلة "ولكن فين المشروع أصلًا اللي المفروض هيقوم عليه حوار مجتمعي وهنتناقش حوله؟!".
وأوضحت أن اللجنة التي شكلتها وزارة العدل في يونيو/ حزيران 2022، بناء على توجيهات رئاسية كان من المقرر أن تنجز عملها في أربعة أشهر، لكن مضى عليها سنوات وتلقت أكثر من 4 آلاف مقترح، دون أن يعرف المجتمع أي مقترح اعتمدت عليه لتقديمه للبرلمان.
ومن جانبه، أكد النائب البرلماني فريدي البياضي عدم وصول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين إلى البرلمان حتى الآن، مرجحًا دخوله خلال الأسابيع المقبلة، واصفًا "الخناقات" المثارة على السوشيال ميديا بأنها مجرد إرهاصات وتسريبات، مؤكدًا حرص البرلمان على خروج قانون متوازن لا يُناصر طرفًا على الآخر.
النائب فريدي البياضي خلال مشاركته بفاعلية قانون الأحوال الشخصية، 21 أبريل 2026وتابع البياضي "للأسف الحوادث الأخيرة مؤثرة في حالة الشجار، لو شافوا واحدة انتحرت يبقى نولع في الرجالة والعكس، لكن رغم كونها حوادث فردية فلا بد من أخذها في الاعتبار، والعمل على قانون عادل للأسرة كلها، يحمي الطرف الأضعف فيها وهم الأطفال ثم النساء ثم الرجل".
قانون جاهز للمسيحيين
وفي مقابل ذلك، كشف البياضي عن الانتهاء من إعداد مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين منذ عام تقريبًا بموافقة وتوقيع 6 كنائس مصرية، هي الأرثوذكس، الكاثوليك، الطائفة الإنجيلية، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، مشيرًا أن المشروع الجديد وضع تسهيلات في أكبر الأزمات التي تواجه المسيحيين وهي الطلاق.
ويغلق مشروع القانون، حسب البياضي، الباب أمام "تغيير المِلة" الذي ظل يُستخدم كبابٍ خلفي للطلاق، مع إضافة بنود لبطلان الزواج في حالات الغش والتدليس، وتسهيل إثبات الزنا عبر الرسائل الإلكترونية والمكالمات الهاتفية.
مطالب بتقسيم الثروة والرقابة الرقمية
وفي أعقاب ذلك، قدمت النسويات المشاركات توصيات للنائب البياضي لوضعها تحت بصر النواب وأخذها في الاعتبار حال مناقشة مشروع القانون، إذ شدَّدْن على عدم التنازل عن المكتسبات السابقة مثل الحق في الخلع أو سن الحضانة عند 15 سنة، مع رفض أي دعوات لتقليص هذه الحقوق أو ربط الحضانة بطاعة الزوجة، معتبرات تلك الدعوات "خطوات للخلف" تتعارض مع مبدأ الحوار.
وفي هذا السياق، شددت الحقوقية والمديرة السابقة لمؤسسة المرأة الجديدة، آمال عبد الهادي، على ضرورة إتاحة مشروع القانون للكافة لمدة لا تقل عن 7 أشهر لمناقشته، مطالبةً بأن تُبنى فلسفته على مبدأ الأهلية القانونية المتساوية للرجل والمرأة، تطبيقًا لصميم مواد دستور 2014، عوضًا عن ضرورة النص على تقسيم الثروة المحققة أثناء الزواج مناصفة عند الطلاق لمواجهة أزمة النفقات.
وفي سياق متصل، اقترحت المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية، انتصار السعيد، إنشاء منظومة رقمية لإثبات دخل الزوج لتحديد الحد الأدنى للنفقة، وتنظيم الزواج والطلاق تحت رقابة القضاء، على نحو يضمن عدم الاعتداد بالطلاق بالإرادة المنفردة، مع تمكين الحاضنة من الولاية التعليمية.
وتمسكت انتصار السعيد بالإبقاء على نظام الحضانة الحالي كما هو، مع ضرورة تطويره وفق مصلحة الطفل بعد انتهاء سن الحضانة، على أن يشمل ذلك التطوير نظام الرؤية والاستضافة بما يضمن تواصلًا حقيقيًا وآمنًا مع الطفل.
وفيما يخص تعدد الزوجات، شددت على ضرورة تنظيمه بضوابط قانونية صارمة، لافتة أن عند إثبات التعدد كأحد أسباب الطلاق للضرر تُواجَه النساء بتهكم وسخرية من مشاعرهن التي تأذت من هذا الزواج الثاني.
فيما حملت الناشطة النسوية وعضوة مبادرة "إنصاف" آية عبد الحميد الدولةَ مسؤولية النزاعات المرتبطة بالحضانة والنفقة "الدولة بترمي هذا العبء طول الوقت على الأفراد والمواطنين، ويظل صراعًا مفتوحًا داخل أروقة المحاكم، وهذا يتطلب تدخلًا مؤسسيًا رسميًا يضمن حماية الأطفال واستقرارهم".
وأشارت إلى أن الأزمات الاقتصادية التي قد يواجهها الطرفان بعد الانفصال تجعل من الصعب تحميل أي منهما المسؤولية الكاملة، متسائلة "أحيانًا بيبقى الطرفين فعلًا معندهمش فلوس.. فمين هيعمل إيه؟ والأطفال دي هتتعرض لإيه؟"، منتقدة ضعف دعم بنك ناصر الاجتماعي الذي وصفته بأنه "ملاليم ما تعيِّشِّ بني آدم"، داعية لتدخل مؤسسي يضمن حماية الأطفال وتوفير ميزانيات تدعم نظام النفقة من خلال تقليل تكلفة التقاضي وتوحيد القضايا.
وفي الأخير، دعت منسقة الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي فاطمة خفاجي، المؤسسات النسوية لتوحيد جهودها حول مقترح واحد لضمان وصول رؤيتهن بشكل واضح وتشكيل تكتل ضاغط تجاه مشروع معين "يوصل رؤيتنا بشكل واضح".
يذكر أن مصدرًا مُطلعًا بمجلس الوزراء قال لـ المنصة، نهاية الأسبوع الماضي، إن الحكومة تعكف حاليًا على المراجعة النهائية لمشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية، استجابةً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بتسريع إرسال قوانين الأسرة إلى مجلس النواب.
ويتزامن التحرك الحكومي مع حالة حراك واسعة قادتها الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، التي طرحت خلال الأيام الماضية حزمة من التعديلات الجذرية المقترحة، أبرزها إلغاء حرمان الأم المتزوجة من الحضانة، وتقييد تعدد الزوجات، وإقرار الولاية المشتركة.