مدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهدنة مع إيران لأجل غير مسمى مضطرًا، ومن طرف واحد، بعد مقاطعة الأخيرة لجولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد كان مقررًا لها أمس، لكن التحركات في مضيق هرمز والتجهيزات العسكرية لم تتوقف من الجانبين تحسبًا لاندلاع المواجهة مجددًا.
فقبل ساعات من انتهاء الهدنة الموقعة في الثامن من أبريل/نيسان الجاري والتي كانت تمتد حتى اليوم الأربعاء، أعلن ترامب مساء أمس، تمديد الهدنة من طرف واحد، بداعي "تمكين البلدين من مواصلة المحادثات أو حتى ترد إيران".
وتراجع ترامب عن تهديداته بشن مزيد من الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية التي لوّح بها في وقت سابق من اليوم نفسه، وقال في بوست على تروث سوشيال، إنه وافق على طلب من باكستان التي تتوسط في المفاوضات "لإيقاف الهجوم على إيران حتى تنتهي المناقشات بالموافقة أو الرفض".
حاول ترامب في البوست، تصوير مقاطعة طهران المفاوضات على أنها "انقسام حاد تشهده الحكومة الإيران"، معتبرًا أنه "أمر متوقع". وقال إنه وافق على طلب تمديد الهدنة إلى أن يتسنى لقادتها وممثليها التوصل إلى اقتراح موحد، مؤكدًا في الوقت نفسه استمرار الحصار الأمريكي للمواني الإيرانية ومضيق هرمز.
لم ترد طهران على وجود انقسام في الموقف الإيراني، لكن وكالة تسنيم للأنباء، التابعة للحرس الثوري، قالت أمس إن "هناك حالة انسجام منقطعة النظير تسود بين الحكومة والبرلمان والحرس الثوري وقاليباف (محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان)"، مؤكدة أن "جميع مفاصل السياسة في إيران مجمعة على الصمود في وجه الزيادة في الأطماع الأمريكية".
واليوم، قالت الوكالة نفسها إن طهران لم تطلب تمديد وقف إطلاق النار وهددت مجددًا بكسر الحصار الأمريكي بالقوة، وقال مهدي محمدي مستشار قاليباف، إن إعلان ترامب "ليست له أهمية تذكر"، معتبرًا أنه "حيلة لكسب الوقت لشن هجوم مباغت"، واصفًا الحصار الأمريكي بأنه عدوان عسكري مستمر، وأنه "حان الوقت لأن تأخذ إيران بزمام المبادرة".
وهذه المرة الثانية التي يتراجع فيها ترامب عن تهديداته باستئناف الحرب وتدمير محطات الطاقة والبنية التحتية في اللحظات الأخيرة، بعد تراجعه الأول قبيل إعلان اتفاق الهدنة الحالية، رُغم حديثه عن أن "حضارة بأكملها ستنهار ما لم يتم التوصل إلى اتفاق".
لماذا التمديد؟
من ناحيتها، كشفت CNN كواليس خاصة بقرار تمديد الهدنة نقلًا عن مصادر لم تسمها، وقالت إن ترامب اجتمع مع فريقه للأمن القومي، أمس الثلاثاء، في البيت الأبيض قبل سفر الوفد الأمريكي المفاوض بقيادة جيه دي فانس نائب الرئيس إلى باكستان، في ظل المقاطعة الإيرانية للمفاوضات.
وأضافت الشبكة الأمريكية أن الاجتماع ضم كلًا من فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، وطلبوا من كبير الوسطاء من باكستان عاصم منير قائد الجيش، الحصول على رد إيراني قبل الصعود على الطائرة لكن لم يصل أي رد، فقرروا منح طهران مهلة للدراسة.
وذكرت الشبكة نفسها في تقرير آخر نقلًا عن خبراء وثلاثة أشخاص لم تسمهم وصفتهم بـ"المطلعين على التقييمات الداخلية الأخيرة لمخزون وزارة الدفاع"، إن الحرب التي امتدت 39 يومًا استنزفت الجيش الأمريكي بشكل كبير في مخزونه من الصواريخ الرئيسية، وخلق "خطرًا وشيكًا" يتمثل في نفاد الذخيرة في صراع مستقبلي إذا ما نشب في السنوات القليلة المقبلة.
وأوضحت أن الجيش الأمريكي استهلك ما لا يقل عن 45% من مخزونه من صواريخ الضربات الدقيقة، وما لا يقل عن نصف مخزونه من صواريخ ثاد المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية، ونحو 50% من مخزونه من صواريخ باتريوت الاعتراضية للدفاع الجوي خلال الأسابيع السبعة الأخيرة من الحرب.
معركة المضيق مستمرة
لكن في مقابل تمديد الهدنة، تبقى التحركات العسكرية في مضيق هرمز متواصلة، إذ تواصل أمريكا حصارها المضيق والمواني الإيرانية باعتبار أنها تُكبِّد طهران خسائر يومية تُقدر بنصف مليار دولار، في المقابل، احتجز الحرس الثوري لأول مرة منذ بداية الحرب، سفينتين في المضيق اليوم الأربعاء، بسبب "مخالفات بحرية"، قبل أن يقتادهما إلى السواحل الإيرانية، حسب رويترز.
وذكر الحرس الثوري أنه احتجز السفينتين MSC Francesca، وEpaminondas بسبب "الإبحار بدون ترخيص والتلاعب بأنظمة الملاحة"، مضيفًا أن ذلك "يعرض السلامة البحرية للخطر".
ونقلت رويترز عن مصادر في قطاع الأمن البحري وهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية لم تسمها، أن ثلاث سفن حاويات على الأقل تعرضت لإطلاق النار في مضيق هرمز اليوم الأربعاء، بينها سفينة ترفع علم ليبريا وأخرى ترفع علم بنما.
وفيما يدخل ضمن الاستعدادات الأمريكية لاسئناف الحرب حال فشلت المفاوضات، ذكرت رويترز نقلًا عن خمسة مصادر لم تسمها أن الجيش الأمريكي أدخل تكنولوجيا أوكرانية مضادة للطائرات المسيرة في الأسابيع القليلة الماضية في قاعدة الأمير سلطان الجوية الأمريكية رئيسية في السعودية؛ لوقف الهجمات الإيرانية.
وفيما لم يُحدد سقف لنهاية مهلة الحصول على رد إيراني على المفاوضات، تزداد الأمور غموضًا بشأن مستقبل الهدنة وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة.