صفحة جهاز مسقبل مصر للتنمية المستدامة على فيسبوك
لافتة للرئيس عبد الفتاح السيسي بأحد مشروعات جهاز مستقبل مصر، 15 فبراير 2026

"مستقبل مصر" أمام النواب.. صلاحيات واسعة تخل بـ"الحياد التنافسي" وتضغط على الموازنة

مصطفى العيسوي
منشور الأحد 12 تموز/يوليو 2026

يناقش مجلس النواب، غدًا الاثنين، مشروع قانون "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، بعد نقاشات ساخنة داخل اللجنة التشريعية أسفرت عن إدخال تعديلات جوهرية على النص الحكومي المقدم، وسط استمرار تحفظات قوية من قوى المعارضة، بسبب الامتيازات الاستثنائية والواسعة التي يمنحها مشروع القانون للجاهز.

ويستهدف مشروع القانون تحويل الجهاز إلى هيئة اقتصادية ذات طبيعة خاصة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، مع منحها صلاحيات واسعة لإدارة أصول الدولة، وتأسيس مناطق للتنمية المستدامة، فضلًا عن إنشاء صندوقين جديدين هما "أهرامات النيل" و"داعم"؛ لتمكينه من تسريع تنفيذ المشروعات القومية وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.

في المقابل، يرى معارضون داخل البرلمان أن المشروع يمنح الجهاز صلاحيات استثنائية تتجاوز الهيئات الاقتصادية الأخرى، وتثير تساؤلات حول مدى كفاية الرقابة على أعماله وحدود اختصاصاته.

أعباء مالية وضغوط على الخزانة العامة

برزت علاقة جهاز مستقبل مصر بالخزانة العامة للدولة على رأس نقاط الجدل في مشروع القانون، وفي هذا الصدد، تشير رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية النائبة إيرين سعيد إلى أن المادة الثامنة من المشروع تعد نموذجًا لعلاقة غير متوازنة مع مالية الدولة، معقبة "إحنا فينا اللي مكفينا، ما ينفعش ندوس على الخزانة العامة".

وتنص المادة الثامنة من مشروع القانون على تحمل الخزانة العامة سداد حصة صاحب العمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي التي يلتزم بها الجهاز.

ويأتي هذا في وقت يحذر فيه خبراء ومراقبون من تفاقم الدين العام خلال السنوات الأخيرة، بينما تأمل الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي الجاري 2026-2027 إلى 78.1% مقارنة بـ81.2% في العام السابق.

حسب إيرين سعيد، انتهت اللجنة التشريعية إلى تعديل المادة الثامنة، وكذلك حذفت المادة 71 من القانون، والتي كانت تنص على أن "تتحمل الخزانة العامة قيمة الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الدمغة ورسم تنمية الموارد للدولة (...) وذلك في مقابل ما يؤول من الجهاز إلى الخزانة العامة من أصول أو حقوق أو عوائد مالية".

وفي 2023، أنهت مصر كافة الإعفاءات الضريبية للجهات التابعة للدولة، بما فيها التابعة للقوات المسلحة، التزامًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، والذي أسفر عن تحصيل ضرائب بقيمة 67.4 مليار جنيه من الجهات المعفاة سابقًا في العام المالي 2024-2025.

لكن مشروع قانون الجهاز جدد الجدل حول تلك الإعفاءات، إذ ترى إيرين سعيد في تصريحات لـ المنصة أنه "ليس من المنطقي أن تتحمل الخزانة ضرائب كيان استثماري يحقق عوائد، بل يجب إلزامه بسداد الرسوم والضرائب المستحقة عليه".

في مقابل الحد من إعفاء الجهاز من الضرائب، لا يزال الجهاز يتمتع بامتيازات استثنائية تمنع الأيلولة التلقائية لإيراداته إلى الخزانة العامة، وفي هذا السياق، تشير إيرين إلى رفض اللجنة التشريعية تعديل المادة 72 التي تنص على عدم سريان القوانين المنظمة لأيلولة نسبة محددة من أرصدة الهيئات إلى الخزانة العامة على الجهاز، مع منح رئيس الجمهورية سلطة تقرير أيلولة نسبة من الفوائض بما لا يتجاوز 20% كحد أقصى من صافي فائض العمليات الجارية لمناطق التنمية المستدامة، وهو الحد الأقصى الذي طالبت المعارضة بإلغائه دون استجابة.

إخضاع الجهاز للرقابة

وإلى ذلك، تركزت اعتراضات الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي حول مشروع القانون على غياب الرقابة البرلمانية على آلية نقل الأصول العامة إلى الصندوق السيادي التابع للجهاز، والمقترح تحت اسم "أهرامات النيل".

ويوضح رئيس الهيئة البرلمانية للحزب النائب محمود سامي الإمام لـ المنصة، أن مشروع القانون يمنح رئيس الجمهورية سلطة نقل ملكية أي أموال أو أصول عامة (مستغلة أو غير مستغلة) مملوكة للدولة أو جهاتها التابعة إلى هذا الصندوق السيادي.

وفي هذ السياق، تؤكد إيرين سعيد أن هذه الأصول هي جزء من المال العام المملوك للدولة، ما اعتبرته يفرض أن تصدر قرارات نقلها مُسبَّبةً تسبيبًا واضحًا، عوضًا عن إخضاعها لرقابة البرلمان لضمان الشفافية وحماية المال العام.

وتنفيذًا لذلك، أدخلت اللجنة التشريعية تعديلات مهمة فيما يخص الرقابة البرلمانية على نقل الأصول، تضمنت تعديل المادة 26 من مشروع القانون لربط إنشاء مناطق التنمية المستدامة وأيلولة الأراضي والمنشآت داخلها للجهاز بموافقة مسبقة من مجلس النواب.

ويصف الإمام انتزاع هذا الشرط بأنه "أحد أصعب التعديلات التي نجح البرلمان في فرضها"، لكن إيرين سعيد تستدرك بالإشارة إلى أن الجهاز لا يزال يتمتع بامتيازات واسعة تجعله بمثابة "الحاكم الفعلي للمنطقة، دون أي سلطة رقابية لوزارة أو محافظة أو هيئة حكومية أخرى عليه".

مخاوف اقتصادية وتصادم مع "الحياد التنافسي"

وامتدت التعديلات البرلمانية لتشمل جوانب دستورية؛ حيث أوضح رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد محمد عبد العليم داود لـ المنصة، أن اللجنة التشريعية أعادت صياغة المادة 28 من المشروع، التي كانت تمنح مجلس إدارة الجهاز سلطة زيادة الرسوم داخل مناطق التنمية بنسبة تصل إلى 5% سنويًا، لمخالفتها المادة 38 من الدستور التي تحظر فرض الرسوم وتعديلها إلا بقوانين، لينتهي الأمر بوضع حد أقصى للزيادة لا يتجاوز القوانين السارية.

كما استحدثت اللجنة المادة 29 لحسم أيلولة الرسوم والمستحقات الناتجة عن المشروعات للجهاز وآلية تحصيلها بعد إغفالها في النص الحكومي.

لكن إيرين تقول إن "الخلاف على القانون لم يعد دستوريًا بقدر ما أصبح اقتصاديًا، في ظل اتساع الصلاحيات التي يمنحها القانون للجهاز".

وتضيف أن الجهاز يتمتع بصلاحيات واسعة، تبدأ من حقه في الحصول على البيانات من مختلف الجهات الحكومية، مرورًا بإدارة مناطق التنمية المستدامة التي تتمتع بمزايا المناطق الحرة، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية والجمركية، وصولًا لسلطته في إصدار التراخيص وتنفيذ المشروعات.

وتعلق على هذه الصلاحيات بقولها "هذا التوسع في الاختصاصات يخل بمبدأ الحياد التنافسي ويضربه في مقتل ويتعارض مع الهدف المعلن للقانون المتمثل في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية".

تخارج أم توسع في نشاط الدولة؟

يعيد مشروع القانون هيكلة جهاز مستقبل مصر الذي بدأ عام 2017 تحت إدارة القوات الجوية، لينتقل من كونه مشروعًا تابعًا للقوات المسلحة إلى كيان مستقل بذاته.

ومع ذلك، يثير التوسع الكبير للجهاز في الاستحواذ على الأصول تساؤلاتٍ حول مدى التزام الحكومة بوعود "تخارج الدولة" من النشاط الاقتصادي المقطوعة لصندوق النقد الدولي ضمن برنامجه الحالي الذي ينتهي أواخر العام الجاري.

ويرى محمود سامي الإمام أن البيروقراطية المزمنة في مصر عطلت الاستثمار، ما برر منح الجهاز صلاحيات استثنائية لتحقيق نتائج سريعة أخفقت الأدوات التقليدية في إنجازها.

ويتفق معه داود في أن كفاءة التشغيل وإدارة الأصول هي الأهم، وهي غايات قد يحققها مشروع القانون.

في المقابل، تصر إيرين سعيد على أن القانون يتناقض مع فكرة التخارج، ويبقي الكيان تحت التبعية المباشرة لرئاسة الجمهورية مع إعفائه من ضوابط قانون الخدمة المدنية والحد الأقصى للأجور.

وتتسائل إيرين في هذا السياق "إذا كنت مستثمرًا محليًا أو أجنبيًا، فكيف سأنافس جهازًا عملاقًا يمتلك كل هذه الأصول والسلطات والبيانات؟"، محذرة من أن حجم الامتيازات الاستثنائية الممنوحة للجهاز يضعه في موقع لا يستطيع أغلب المستثمرين مجاراته، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار العام في البلاد.