لا تزال تداعيات استقالة وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي على خلفية الحكم القضائي الصادر بسحب كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتلوين" من الأسواق، متواصلةً؛ إذ تحولت الأزمة مؤخرًا من ساحة الجدل الأكاديمي والسياسي إلى مواجهة قانونية ونقابية بعد دخول كلٍّ من نادي القضاة ونقابة الصحفيين على خطها.
وشهدت الساعات الماضية تصعيدًا لافتًا بعد دخول "نادي قضاة مصر" طرفًا مباشرًا، بإعلانه التقدم ببلاغ للنائب العام ضد الكاتبين الصحفيين والإعلاميين مصطفى بكري ومحمد الباز، بالتزامن مع تحركات نقابية مكثفة لاحتواء الأزمة وتجنب تصعيد جنائي قد يطال عضويها.
كانت محكمة النقض، أصدرت حكمًا غير قابل للطعن، بإدانة جيهان زكي بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية، وإلزامها بسحب كتابها من الأسواق، بعد أن تضمن اقتباسًا "حرفيًا غير مبرر" من كتاب "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، ودفع 100 ألف جنيه على سبيل التعويض لكاتبته سهير عبد الحميد، الصحفية بالأهرام.
وعلى خلفية هذا الحكم، أعلن رئيس مجلس الوزراء، في اليوم التالي، قبوله استقالة الوزيرة، وهي الاستقالة التي عزاها المجلس، نقلًا عن الوزيرة المستقيلة، إلى "رفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية".
بلاغ ضد "تجاوز الحدود"

بكري مستضيفًا الباز بحلقة برنامجه حقائق وأسرار، 10 يوليو 2026لم يكن بلاغ النيابة العامة وحده هو الإجراء المعلن في بيان نادي القضاة، بل تضمن البيان، الذي حصلت المنصة على نسخة منه أيضًا الإشارة إلى شكوى قدمها مجلس إدارة النادي ضد الإعلاميين إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، متهمًا إياهما بـ"التجاوز في التعليق على الأحكام القضائية والتدخل في شؤون العدالة".
وأوضح مجلس إدارة النادي، برئاسة المستشار محمد رفعت جبر، المنتخب حديثًا، أن البلاغ جاء على خلفية ما تضمنته حلقة برنامج "حقائق وأسرار" المذاعة يوم الجمعة الماضي على قناة صدى البلد، من تناولٍ اعتبره النادي متجاوزًا للحدود التي رسمها الدستور والقانون للتعليق على الأحكام القضائية، ومنطويًا على تدخل غير جائز في شؤون العدالة، فضلًا عما اعتبره النادي "تعريضًا بالسلطة القضائية وتشكيكًا في نزاهة الأحكام النهائية والباتة الصادرة عنها".
وأضاف نادي قضاة مصر أن ما ورد في البرنامج تضمن، حسب البيان، تعمدًا لإثارة الرأي العام تجاه إحدى سلطات الدولة، بما من شأنه النيل من هيبتها وزعزعة الثقة العامة فيها، بالمخالفة لما أوجبه الدستور والقانون من احترام استقلال السلطة القضائية وصون حجية الأحكام القضائية.
وشدد النادي في بيانه على أن حرية الرأي والتعبير ليست حقًا مطلقًا ولا يجوز اتخاذها ذريعة للمساس باستقلال القضاء، مهيبًا بوسائل الإعلام توخي الدقة والمسؤولية المهنية فيما ينشر عن القضاء والقضاة.
"لجنة محايدة"
شهدت الحلقة محل الشكوى تبني مقدم البرنامج مصطفى بكري خطًا دفاعيًا عن مسيرة الوزيرة المستقيلة، مستضيفًا رئيس مجلس إدارة جريدة الدستور الكاتب الصحفي محمد الباز، الذي وجه بدوره رسائل دعم للوزيرة بوصفها من "أكفأ القيادات"، معتبرًا أن استقالتها تعكس "نموذجًا راقيًا في إدارة الخلاف" لتجنب إحراج الحكومة.
ورغم تأكيد الباز في بداية حديثه على احترام الأحكام القضائية، فإنه اعتبر أن القضية الفنية للكتاب "لا تزال خاضعة للنقاش والجدل"، داعيًا إلى تشكيل "لجنة أخرى محايدة" للحكم في القضية بعيدًا عن المسار القضائي، ومشككًا في فرضية قيام الوزيرة بالسرقة الأدبية من الكاتبة سهير عبد الحميد.
كما رجح الباز فرضية وجود "محرر للكتاب" قد يكون هو من ورط الوزيرة باجتزاء فقرات دون علمها، معتبرًا أن إثارة القضية تنطوي على مبالغات قد تفقد الساحة الثقافية قيمة هامة.
تحركات نقابية
في المقابل، أكد مصدر نقابي مطلع بنقابة الصحفيين لـ المنصة، أن مجلس النقابة تبنى تحركات فعلية لإدارة الأزمة مع نادي القضاة دفاعًا عن بكري والباز.
وأوضح المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن تدخل النقابة استهدف نقل الشكوى تحت مظلة النقابة وبحث تسويتها وديًا، تفاديًا لتصعيد القضية إلى عقوبات سالبة للحرية، وذلك استنادًا إلى تفاهمات سبق توقيعها مع النيابة العامة بشأن قضايا النشر تقضي باختصاص النقابة بالتحقيق مع أعضائها في قضايا النشر تأديبيًا.
ويعيد هذا البلاغ إلى الأذهان قضية إهانة القضاء الشهيرة عام 2014، حين تقدم نادي القضاة ببلاغات مماثلة ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي و19 آخرين من السياسيين والإعلاميين، بينهم علاء عبد الفتاح وتوفيق عكاشة، على خلفية تعليقهم على أحكام قضائية تخص محاكمة حسني مبارك، وهي القضية التي انتهت بصدور حكم بحبس المتهمين لمدة 3 سنوات.
وأضاف المصدر لـ المنصة أن التواصل المباشر مع نادي القضاة أسفر منذ الأمس، عن صدور اعتذار رسمي من الباز، معتبرًا أن هذا الاعتذار يمثل خطوة إيجابية وصيغة مقبولة للحل، وإن شابت صياغته بعض التحفظات الفنية.
ومع تصاعد الأزمة، نشر الباز بوستًا على صفحته بفيسبوك، قدم فيه اعتذارًا لنادي القضاة، جاء فيه "إيمانًا مني بأن احترام القضاء المصري وأحكامه العادلة، أود أن أؤكد أن ما صدر مني من تصريحات بشأن الحكم القضائي الصادر في القضية المتعلقة بالدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة السابقة، لم أقصد منه، بأي حال من الأحوال، الإساءة إلى قضاء مصر العادل، أو التشكيك في أحكامه، أو الانتقاص من حجيتها".
وتابع "ولذلك، أُبدي اعتذاري الشديد عن أية كلمات وردت في مداخلتي مع الإعلامي مصطفى بكري في برنامج حقائق وأسرار على قناة صدى البلد، مؤكدًا احترامي وتقديري وإجلالي لقضاء مصر العادل والنزيه".
وحول مدى قبول مجلس إدارة نادي القضاة لاعتذار الباز، أو محاولات نقابة الصحفيين التدخل لحل الأزمة، أكد مصدر قضائي بمجلس إدارة النادي لـ المنصة، أن الساعات الأخيرة لم تشهد تواصلًا مباشرًا بين الباز ونادي القضاة، لافتًا إلى أن وساطة نقابة الصحفيين والرد عليها لا يزال محل دراسة من قبل النادي ولم يتم الرد عليها أو اتخاذ قرارات بشأنها حتى موعد نشر هذا الخبر.
تحقيق نقابي
لكن وفي ظل موقف المدافع عن الباز بصفته عضوًا منتسبًا بها، كشفت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، مساء أمس، عن صدور قرار من مجلس نقابة الصحفيين، بإحالة الباز للتحقيق النقابي في شكوى مقدمة منها.
وأوضحت الكاتبة الصحفية الحاصلة على حكم التعويض وسحب الكتاب في مواجهة وزيرة الثقافة، تفاصيل شكواها ضد الباز، مؤكدة لـ المنصة أنها منفصلة تمامًا عن أزمته مع نادي القضاة وتعود إلى 26 فبراير/شباط الماضي "ردًا على مانشتين نشرهما الباز بجريدة الدستور حملا تشهيرًا وإساءة.. حمل أولهما بعنوان لماذا كذبت سهير عبد الحميد، واتهمني فيه إن أنا بدّعي على الدكتورة جيهان زكي إنها سرقتني، رغم إنه كان معايا وقتها حكم محكمة أول درجة الصادر من المحكمة الاقتصادية".
وأضافت أن الباز في العدد التالي نشر تقريرًا بعنوان "لماذا سرقت سهير عبد الحميد" واتهمها فيه "بالجهل وسرقة فكرة كتابي عن قوت القلوب الدمرداشية من رواية سابقة لهالة البدري، رغم أنني نشرت حلقات سابقة عن السيدة في مجلة نصف الدنيا منذ عام 2005 أي قبل صدور رواية البدري".
من جهته، أكد المصدر النقابي معلومة صدور قرار إحالة الباز للتحقيق؛ موضحًا أن مجلس النقابة اتخذ القرار قبل صدور البيان التصعيدي الأخير لنادي القضاة، غير أن النقابة فضلت التريث في إعلانه رسميًا لتجنب إعطاء انطباع بالاستقطاب أو الدخول في مواجهة ثنائية متبادلة، معقبًا "فضلنا عدم الإعلان في تلك اللحظة حتى لا يبدو الأمر وكأن كل طرف يسعى لتصفية الحسابات مع الطرف الآخر".