سكرينشوت من فيديو زيارة المحافظ لمستشفى قنا العام
محافظ قنا يتحدث لمدير المستشفى العام قبل إصداره قرارًا بإقالته، 22 يوليو 2026

بعد إقالته.. مدير مستشفى قنا لـ المنصة: نقص التوريد أجبر المرضى على شراء المستلزمات

محمد عبدالمطلب
منشور الخميس 23 تموز/يوليو 2026

قال مدير مستشفى قنا العام السابق ونقيب أطباء قنا محمد الديب إن نقص توريد المستلزمات الطبية عبر منظومة الشراء الموحد كان وراء اضطرار بعض المرضى إلى شرائها من خارج المستشفى، وذلك بعد أيام من قرار محافظ قنا اللواء دكتور مصطفى الببلاوي إقالته عقب جولة مفاجئة رصدت خلالها المحافظة "تردي الأوضاع الصحية" داخل المستشفى.

وقال الديب لـ المنصة، تعليقًا على ما رصده المحافظ خلال الجولة، " التقصير اللي في المستشفى أنا مجبر عليه ومش مخير فيه.. ونقص المستلزمات مش بإيدي"، موضحًا أن المستشفى كان يواجه تحديات تشغيلية تتعلق بنقص الإمدادات وتهالك البنية التحتية ومحدودية الإمكانات.

وكان محافظ قنا اللواء دكتور مصطفى الببلاوي ظهر في مستشفى قنا العام خلال جولة ميدانية، الثلاثاء الماضي، رصد خلالها افتراش عدد من المرضى الممرات الداخلية، واضطرار بعض المواطنين إلى شراء أدوية ومستلزمات طبية من خارج المستشفى، إلى جانب ملاحظات على مستوى النظافة وانتظام العمل داخل العيادات، قبل أن تعلن المحافظة  يقرر إقالة الديب من إدارة المستشفى.

وأظهر الفيديو الذي نشرته المحافظة على صفحتها على فيسبوك، وجوه عدد من المرضى وأفراد من الطاقم الطبي داخل المستشفى، كما ظهر المحافظ وهو يوجه انتقادات علنية لإدارة المستشفى بسبب ما قال إنه غياب للأطباء عن العيادات في بداية الجولة.

أزمة في التوريد

وأوضح الديب أن احتياجات المستشفى من الأدوية والمستلزمات الطبية تُحدد وفق متوسط استهلاك الأشهر الثلاثة السابقة، ثم تُرفع عبر منظومة الهيئة المصرية للشراء الموحد، التي تتولى التعاقد مع الشركات الموردة لتوفير الأصناف المطلوبة.

وأضاف أن الأزمة تبدأ عندما تورد الشركات كميات أقل من الاحتياج الفعلي للمستشفى، أو تتأخر في التوريد، بما يؤدي إلى نقص بعض الأصناف وعدم كفايتها لتغطية فترة الاستهلاك، مشيرًا إلى أن ذلك كان ينعكس على قدرة المستشفى على توفير المستلزمات المطلوبة لكل المرضى في الوقت المناسب.

وقال الديب إنه أرسل طلبات استعجال عبر منظومة الشراء الموحد، وخاطب مديرية الشؤون الصحية للإسراع في توريد الأدوية والمستلزمات، كما لجأ في بعض الأحيان إلى طلب أو شراء بعض الأصناف من مخازن وزارة الصحة حال توافرها، لضمان استمرار تقديم الخدمة الطبية.

وأضاف أن إدارة المستشفى كانت تضطر، في حال عدم توافر بعض الأدوية أو المستلزمات عبر منظومة الشراء الموحد أو مخازن وزارة الصحة، إلى مطالبة المرضى بشرائها من الخارج حتى لا تتأخر الجراحات أو الخدمات العلاجية.

وردًا على ذلك، قال مصدر مسؤول بمديرية الشؤون الصحية بمحافظة قنا، رفض الكشف عن هويته لحساسية موقعه الوظيفي، لـ المنصة إن ما أثاره الديب بشأن نقص المستلزمات الطبية بمستشفى قنا العام لا يعكس تقصير المديرية، مؤكدًا أن المديرية تتدخل بشكل مستمر لتوفير الأدوية والمستلزمات اللازمة للمستشفى عند الحاجة.

إلا أن مدير مستشفى قنا العام السابق محمد الديب أرجع عدم انتظام التوريد في بعض الأحيان إلى وجود مديونيات للشركات. وهو ما يتقاطع مع أزمة أوسع في منظومة توريد الأدوية والمستلزمات، إذ سبق أن كشفت المنصة في فبراير/شباط 2025 أن مديونية هيئة الشراء الموحد بلغت نحو 17.5 مليار جنيه لصالح شركتي مصر فارما وفارما أوفرسيز نظير أدوية موردة للمنشآت الطبية الحكومية، وأن تراكم المديونيات أدى إلى توقف بعض الشركات عن التوريد للمستشفيات ونقص بعض المستلزمات الطبية والدوائية.

كما سبق وناقش رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال اجتماعات حكومية، ملف مستحقات شركات الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل تعهدات حكومية بسداد جانب من هذه المستحقات.

وذكر تقرير نشره مدى مصر في سبتمبر/أيلول 2025 أن توجيهات رئاسية قلّصت صلاحيات هيئة الشراء الموحد، وحصرت دورها في الرقابة، بعد أن كانت منذ إنشائها عام 2019 الجهة الوحيدة المخولة بشراء الأدوية والمستلزمات الطبية لصالح الجهات الحكومية مقابل رسم يصل إلى 7% من قيمة المشتريات. وربط التقرير هذا التحول بتفاقم أزمات نتجت عن إدارة الهيئة واحتكارها عمليات الشراء، في مقدمتها تراكم مديونيات تجاوزت 40 مليار جنيه لصالح شركات الأدوية والمستلزمات الطبية، وتأخر سداد مستحقاتها، ما أضعف قدرتها على الإنتاج والاستيراد والتوريد، وساهم في غياب أدوية ومستلزمات من المستشفيات الحكومية.

وأضاف مصدر مديرية الشؤون الصحية بمحافظة قنا لـ المنصة أن مديرية الشؤون الصحية سبق أن رصدت، من خلال تقارير المرور والمتابعة، عددًا من أوجه القصور في إدارة المستشفى، من بينها اضطرار بعض المرضى إلى شراء مستلزمات طبية من الخارج، رغم عدم اتخاذ إدارة المستشفى إجراءات فعالة لتوفير تلك المستلزمات أو العمل على تعزيز الموارد المالية لصندوق الموارد الذاتية، الذي يتيح شراء الاحتياجات العاجلة حال عدم توافرها.

وأوضح أن مدير المستشفى أُحيل إلى التحقيق قبل جولة محافظ قنا الأخيرة مباشرةً، استنادًا إلى ما رصدته لجان المتابعة التابعة للمديرية من مخالفات إدارية، مشيرًا إلى أن الوقائع التي سجلها المحافظ خلال جولته المفاجئة ستُضاف إلى التحقيقات الجارية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات.

وأشار المصدر إلى أن مستشفى قنا العام يضم نحو 40% من إجمالي القوة البشرية للأطباء على مستوى المحافظة، وهو ما ينفي وجود عجز في أعداد الأطباء يمكن أن يبرر أوجه القصور التي ظهرت خلال الجولة.

وتابع أن المحافظ، خلال الساعات الأولى من جولته، رصد أن قسم الاستقبال كان في حالة إظلام، مع غياب عدد من الأطباء عن أماكن عملهم، كما تابع شكوى إحدى السيدات بشأن تأخر إجراء جراحة لنجلها. ولفت إلى أن وكيل وزارة الصحة أوضح للمحافظ أن الحالة لم تكن طارئة، إلا أن القصور تمثل في بقائها دون إجراء الجراحة منذ يوم الجمعة وحتى الثلاثاء، بعد تخلفها عن قائمتين للعمليات.

وأكد المصدر أن لجان الحوكمة والمتابعة التابعة للمحافظ رصدت كذلك عددًا من السلبيات المتعلقة بإدارة المستشفى، إلى جانب تدني مستوى النظافة داخلها، رغم أنها تُعد أكبر وأهم مستشفى حكومي بمحافظة قنا.

ونفى الديب، من جهته، ما قاله المحافظ في بداية الجولة بشأن خلو العيادات الخارجية من الأطباء، مؤكدًا أن العيادات كانت تعمل بصورة طبيعية، وأن عيادة الجراحة كان يعمل بها طبيبان أخصائيان وطبيب مقيم، وهو العدد المقرر وفق توزيع القوى البشرية، موضحًا أن الأطباء يوزعون بين العيادات والأقسام الداخلية حسب احتياجات العمل.

مبنى متهالك

وأرجع الديب جانبًا من التحديات التي تواجه المستشفى إلى تهالك البنية التحتية، موضحًا أن مبنى مستشفى قنا العام، المنشأ عام 1970، بات بحاجة إلى تطوير شامل في ظل محدودية طاقته الاستيعابية وزيادة أعداد المترددين عليه.

وقال إن شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي تحتاج إلى رفع كفاءة، وإن هذه الاحتياجات كانت معلومة للمحافظة ووزارة الصحة ومديرية الشؤون الصحية من خلال طلبات رسمية، مشيرًا إلى أن كلية الهندسة بجامعة جنوب الوادي أعدت، قبل شهرين، مقايسة لصالح وزارة الصحة لتطوير لوحة الكهرباء الرئيسية بالمستشفى، وأُرسلت إلى الوزارة والمحافظة، غير أن تنفيذ المشروع يتطلب إخلاء المبنى بالكامل، ما تسبب في توقف التطوير.

واطلعت المنصة على خطاب صادر عن الإدارة المركزية للشؤون الهندسية والتجهيزات بوزارة الصحة، بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2026، يفيد بأن المكتب الاستشاري المكلَّف بمعاينة مستشفى قنا العام انتهى، وفق تقرير مؤرخ في 22 أبريل/نيسان 2026، إلى "عدم جدوى أعمال التطوير بالمستشفى لقدم المبنى وحالته الإنشائية المتهالكة"، ووجود "العديد من الشروخ بالعناصر الخرسانية وتآكل بحديد التسليح"، مع تقارب تكلفة التطوير من تكلفة الإنشاء، وأوصى بـ"هدم وإعادة إنشاء مبانٍ جديدة للمستشفى".

أما بشأن النظافة، قال الديب إن الشركة المسؤولة عن أعمال النظافة تتبع تعاقدات مديرية الشؤون الصحية، وإن إدارة المستشفى سبق أن أعدت مذكرات بشأن أوجه القصور في أدائها، وجرى توقيع جزاءات وخصومات عليها وفق الإجراءات المتبعة.

وفي دفاعه عن فترة إدارته، قال الديب إنه تولى إدارة مستشفى قنا العام منذ عام 2015، وشهدت تلك الفترة استحداث خدمات طبية، بينها العناية المركزة للكبار والأطفال ووحدة القسطرة القلبية ووحدة المناظير. وأضاف أن العناية المركزة بدأت بثلاثة أسرة فقط، بينما تضم حاليًا 30 سريرًا، بينها 15 سريرًا جرى توفيرها بدعم من المجتمع المدني وتجهيزها بالأجهزة والمستلزمات الطبية.

لكن مصدر مديرية الشؤون الصحية قال إن وحدة القسطرة التي سعت إدارة المستشفى إلى تشغيلها متوقفة عن العمل في الوقت الحالي، مؤكدًا أن هذه الملاحظة، إلى جانب باقي الملاحظات، تخضع للفحص ضمن إجراءات المتابعة والمساءلة الجارية.

نقابة الأطباء ترد

ودخلت نقابة الأطباء على خط الأزمة، إذ استنكرت، في بيان، ما وصفته بتعنيف محافظ قنا لمدير المستشفى علنًا وإقالته من منصبه، وتحميله مسؤولية أزمات المنظومة الصحية، وتقدمت بشكوى ضد المحافظ إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، ووزيرة التنمية المحلية منال عوض.

وطالبت النقابة بالتحقيق في الواقعة، مؤكدة أن محاسبة المسؤولين يجب أن تتم وفق الأطر القانونية والإدارية، لا بدافع ما وصفته بـ"اللقطة" أو "الشو الإعلامي".

واعتبرت نقابة الأطباء تصوير جولة المحافظ داخل المستشفى مخالفة لقرارات وزارة الصحة المنظمة للتصوير داخل المنشآت الصحية، مؤكدة أن المسؤولين التنفيذيين يجب أن يكونوا أول الملتزمين بتطبيق قرارات الدولة واحترامها.

وقال مقرر اللجنة القانونية وعضو الهيئة التأديبية بالنقابة العامة للأطباء طارق منصور لـ المنصة إن ظهور وجوه المرضى وأفراد من الطاقم الطبي في الفيديو المتداول لجولة المحافظ يخالف قواعد الحفاظ على الخصوصية والضوابط المنظمة للتصوير داخل المستشفيات.

وكان قطاع مكتب وزيرة الصحة والسكان أرسل، في يناير/كانون الثاني 2021، قرارًا رسميًا إلى جميع المستشفيات بمنع التصوير "منعا باتا بكافة صوره" داخل المنشآت الطبية والمعامل والإسعاف وغيرها من الهيئات التابعة للوزارة، حفاظًا على خصوصية المرضى والعاملين بالقطاع الصحي والأطقم الطبية.