تعكف الهيئة العامة للرقابة المالية، على إصدار قرار لسد بعض الثغرات القانونية في نشاط التمويل الاستهلاكي، وذلك على خلفية واقعة حصول مالك إحدى المدارس بالقاهرة الجديدة على قروض بأسماء أولياء أمور تلاميذ بالمدرسة دون علمهم، حسب 3 مصادر مطلعة على ملف شركات التمويل الاستهلاكي بالهيئة العامة للرقابة المالية.
وأمرت النيابة العامة، أمس الأحد، بحبس رئيس مجلس إدارة المدرسة الدولية بالقاهرة الجديدة احتياطيًا على ذمة التحقيقات، عقب تلقيها بلاغات من أولياء الأمور باكتشافهم ارتفاعًا مفاجئًا في مؤشرات مخاطرهم الائتمانية نتيجة قيد قروض بأسمائهم دون علمهم.
وكشفت التحقيقات، حسب بيان للنيابة العامة، عن استغلال المتهم لصور بطاقات الرقم القومي الخاصة بأولياء الأمور والمحفوظة بقسم شؤون الطلاب، واستخدامه مستندات تتضمن توقيعات منسوبة إليهم لإتمام إجراءات الحصول على تسهيلات ائتمانية تعليمية لصالح المدرسة.
وأظهرت تحقيقات النيابة العامة، بناءً على أقوال ممثل شركة التمويل المانحة، أن مالك المدرسة المتهم أبرم بصفته 839 عقدًا لتسهيلات ائتمانية بأسماء أولياء الأمور، بلغت قيمتها الإجمالية 321 مليون جنيهًا، استنادًا إلى البيانات والمستندات المقدمة منه؛ مما أسفر عن تحميل أولياء الأمور التزامات ائتمانية دون علمهم أو موافقتهم.
وتفتح هذه الواقعة ملف الرقابة المفروضة على شركات التمويل الاستهلاكي لحماية العملاء من تسجيل التزامات ائتمانية بأسمائهم دون علمهم، وما إذا كانت الإجراءات الحالية كافية لمنع تكرار مثل هذه الحالات، في وقت يتوسع فيه نشاط التمويل الاستهلاكي وتتزايد أعداد المتعاملين معه.
وتأتي تلك الواقعة، في وقت يشهد فيه قطاع التمويل الاستهلاكي معدلات نمو قياسية؛ حيث ارتفع إجمالي التمويلات لنحو 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025 مقابل 61.3 مليار جنيه في 2024، وبلغ عدد رخص الشركات العاملة 48 رخصة، بينما استفاد من التمويل أكثر من 10.8 مليون عميل خلال العام الماضي، بحسب أحدث إحصائيات الهيئة العامة للرقابة المالية.
تفويض خاطئ وضغوط "التارجت"
واستنادًا إلى اختصاص هيئة الرقابة المالية القانوني بمراقبة مدى التزام الجهات العاملة في مجال التمويل بالقواعد والمعايير المهنية، كشف مصدر مسؤول داخل الهيئة عن بعض تفاصيل الأزمة والثغرات التي استُغلت في الواقعة، وذلك من واقع تحقيقات مالية ورقابية تبنتها الهيئة إزاء الواقعة.
وقال المصدر لـ المنصة، الذي طلب عدم نشر اسمه، إنه تبين للهيئة أن شركة التمويل الاستهلاكي المشتركة في الواقعة أوكلت للمدرسة مهمة التحقق من هوية العملاء "بالمخالفة للوائح المنظمة لعمل هذه النوعية من الشركات".
وأوضح أن اللوائح تلزم شركات التمويل بتنفيذ إجراء التحقق من بيانات وهوية العملاء بنفسها، وتحظر تفويض الجهات الخارجية أو التجارية في جمع بياناتهم نيابة عن الشركة لضمان سلامة العقود ومنع أي تلاعب.
ولفت المصدر إلى أن إحدى أبرز خطوات التحقق من الهوية في هذا السياق تتمثل في "إرسال رسالة تحمل كود OTP على هاتف العميل يستخدم لمرة واحدة فقط، للتأكد من طلبه التمويل بنفسه"، غير أن شركة التمويل تقاعست عن أداء ذلك الدور وتركته للمدرسة.
وفي تحليل أسباب الأزمة على نحو أكثر عمومية، أرجع مصدر آخر الهيئة جذور الأزمة إلى ضغوط المستهدفات البيعية لدى الشركات؛ موضحًا لـ المنصة أن "شركات التمويل عادة ما تضع مستهدفات نمو لموظفيها تستلزك زيادات دورية في أعداد العملاء، خصوصًا في قطاع التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر المنتشر بصورة كبيرة حاليًا".
وأضاف المصدر الثاني، طالبًا عدم نشر اسمه، أن الموظف في بعض الأحيان يتبع أساليب خاطئة لإنجاز مهام عمله وتحقيق "التارجت" لاغتنام الحوافز والمكافآت على حساب المواطنين ووضعهم الائتماني عبر استغلال بياناتهم لتسجيل عملاء وهميين جدد.
ضوابط جديدة
ومع تأكيده على عدم تلقي الهيئة أي شكاوى سابقة تخص هذه الواقعة، عدّ مصدر مسؤول ثالث بهيئة الرقابة المالية، ظهور مثل هذه الوقائع "أمرًا طبيعيًا"، بالنظر إلى الحداثة النسبية لنشاط التمويل الاستهلاكي في مصر، قائلًا "ومن الطبيعي أن تظهر من وقت لآخر ممارسات خاطئة ومخالفات أو تجاوزات تستدعي تطوير آليات الرقابة وحماية العملاء".
وشدد المصدر، على أنه يجري في الوقت الحالي دراسة الواقعة داخل الهيئة؛ تمهيدًا لوضع آليات جديدة قد تصدر خلال الساعات المقبلة لمنع تكرارها.
وحول كيفية حماية المواطنين لأنفسهم والتأكد من عدم وقوعهم كضحايا لمثل تلك الوقائع، أوضح المصدر أنه يحق لكل مواطن الاستعلام عن موقفه الائتماني عبر بوابة مصر الرقمية لمعرفة ما إذا كانت أسمائهم مسجلة كضامن أو مدين في أحد التمويلات، مؤكدًا أن بعض المواطنين يجرون هذا الاستعلام بصورة دورية.
ولفت المصدر إلى أنه وفي حال اكتشاف أي تمويل مقيد دون علم المواطن، يمكنه تقديم شكوى لهيئة الرقابة المالية للتعامل معها وفق القواعد القانونية المقررة.
وفي كل الأحوال، أكد المصدر على أن الحصول على التمويل لم يعد قائمًا على مجرد تقديم بطاقة الرقم القومي؛ بل بات يتطلب إجراءات أكثر تعقيدًا، تتضمن الاستعلام عن عدة عناصر منها بيانات الرقم القومي، ورقم الهاتف المسجل باسم طالب التمويل، والاستعلام الائتماني (آي سكور)، إلى جانب التحقق من إدراج المواطن من عدمه على قوائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ماذا عن البنوك؟
وفي تعليقه على الفارق بين إجراءات البنوك وشركات التمويل، قال الخبير المصرفي والرئيس السابق لقطاع التمويل العقاري بالمصرف المتحد، أيمن محمد، إن "البنوك لا تسمح بمنح أي عميل قرضًا دون استيفاء المستندات والإجراءات الرسمية اللازمة، إلى جانب إجراء الاستعلام الائتماني/آي سكور، وحضور العميل بنفسه لإتمام التوقيعات اللازمة، فضلًا عن ارتباط التعاملات المصرفية بحساب العميل لدى البنك".
وأضاف محمد لـ المنصة، أن العميل مطالب أيضًا بإجراء استعلام ائتماني بصورة دورية للتأكد من عدم وجود أي التزامات أو تمويلات مسجلة باسمه دون علمه عبر بوابة مصر الرقمية.
وسبق للرئيس التنفيذى للبنك التجارى الدولى هشام عز العرب، وأن حذّر من التوسع فى إقراض الأفراد لأغراض استهلاكية، وقال "أنا قلق للغاية من توسع الأفراد فى الاقتراض من القطاع المالى غير المصرفى بدلًا من البنوك، وهو ما أصفه بالقطاع المصرفى الموازي".