اقترحت وزارة الخزانة الأمريكية، أمس الجمعة، توقيع عقوبات تنظيمية تتضمن حظر وصول بنك مصر بدولة الإمارات، إلى المؤسسات المالية الأمريكية أو استخدام خدمات المراسلة المصرفية معها، على نحو يهدد تدفقات الدولار الأمريكي به، بعد تصنيفه كمؤسسة مالية مصدر "قلق رئيسي بشأن غسل الأموال" لتسهيله تدفقات مالية مرتبطة بجهات إيرانية، حسب بيان للوزارة الأمريكية.
وتأتي هذه التضييقات ضمن عملية أطلقتها السلطات الأمريكية في 24 أغسطس/آب الجاري، بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب، تحت اسم "النبذ الاقتصادي" للنظام الإيراني، والتي تستهدف، حسب وزارة الخزانة الأمريكية "قطع كل شريان حياة اقتصادي يدعم هذا النظام الاستبدادي حتى تقف طهران وحيدة".
وفي المقابل، ومع إقراره بتضرر الاقتصاد الإيراني جراء المواجهات العسكرية الأخيرة، أكد وزير الاقتصاد والمالية الإيراني، علي مدني زاده، استعداد حكومة بلاده الكامل لمواجهة موجة العقوبات الأمريكية الجديدة، مؤكدًا أن طهران كانت تتوقع هذه الضغوط منذ فترة طويلة، وأعدت خططًا طويلة المدى لامتصاص آثار التضييق المالي الأمريكي.
وأكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنه من المقرر أن تشمل العقوبات المقترحة بحق البنك المصري فرض حظر شامل يُلزم جميع البنوك والمؤسسات المالية داخل الولايات المتحدة بوقف فتح أو حفظ أي "حسابات مراسلة مصرفية" لصالح بنك مصر بالإمارات أو نيابة عنه.
وتُعرَّف حسابات المراسلة المصرفية بوصفها الآليات والقنوات المالية التي تفتحها البنوك الأجنبية لدى بنوك داخل أمريكا لتمكينها من إجراء التحويلات والتسويات المالية الدولية بعملة الدولار.
وبموجب التضييق المقترح، ستُجبر المؤسسات الأمريكية والأجنبية على تطبيق إجراءات تدقيق ورقابة استثنائية لمنع تمرير أي معاملات تحويلات مالية تعبر النظام المالي الأمريكي إذا كانت تخص فروع بنك مصر بالإمارات، حسب نص القرار.
من جانبه، أرجع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت خلفيات القرار إلى تعهد وزارته بقطع كل شريان اقتصادي متبقٍ للنظام الإيراني ووضع حد نهائي لتهديداته.
وحذَّر بيسنت في بوست على إكس، من أن الكيانات والمؤسسات التي تمكن طهران من مواصلة أنشطتها لن تتمتع بحق الوصول إلى الدولار الأمريكي والنظام المالي العالمي، معقبًا "بنك مصر (الإمارات) قرر اختبار ذلك بالطريقة الصعبة، واليوم نتخذ الخطوة الأولى لمحاسبته على دعمه المستمر للنظام الإيراني".
وحسب وثيقة التحقيقات التي انتهت إلى اقتراح فرض العقوبات، استندت الخزانة الأمريكية إلى رصد أنشطة واسعة لما يُعرف بـ "مصارف الظل الإيرانية"، والتي وصفتها بأنها "شبكات مالية غير رسمية تعتمد على شركات وهمية ومكاتب صرافة خارجية لتسييل مبيعات النفط الإيراني وتجاوز العقوبات وتوفير الدولار".
وذكرت الوثيقة أن خمسة فروع لبنك مصر بالإمارات مكّنت 103 شركات وهمية إيرانية من تنفيذ معاملات بنحو 1.8 مليار دولار بين يناير/ كانون الثاني 2024 ويونيو/ حزيران 2026.
وتضمنت التحقيقات أمثلة لشركات مثل "Alpa Trading FZCO" التي اتهمتها بتمرير 32 مليون دولار لشراء معدات لصالح وزارة الدفاع والحرس الثوري الإيرانيين، وشركة "Naba Alzaki" بـ 29 مليون دولار، فضلًا عن معاملات لشركة "Midas Oil Trading" التي نسبت تابعيتها لشبكات مالية مرتبطة بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
وحددت الوثيقة الرسمية الصادرة عن الخزانة الأمريكية نطاق العقوبات؛ حيث نصت على أن حظر "بنك مصر الإمارات" يقتصر حصرًا على الفروع الخمسة الواقعة في دبي وأبوظبي والشارقة ورأس الخيمة، مع استثناء كامل ومطلق للمركز الرئيسي لبنك مصر داخل مصر وكافة فروعه وعملياته في أي دولة أخرى خارج الإمارات.
ووفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، لا تعد تلك العقوبات نهائية ولم يبدأ سريانها بعد، بل تظل حتى الآن "مسودة تنظيمية"، تُتيح القواعد المنظمة لها مهلة 30 يومًا لتلقي التظلمات بشأنها من الأطراف المتضررة قبل إقرارها النهائي ونشرها في السجل الفيدرالي.
وإلى ذلك، قال بنك مصر، في بيان أصدره، اليوم السبت، إنه يتعامل مع الإجراءات المعلنة وما تتضمنه من بيانات وتقديرات بمنتهى الجدية والاهتمام، معلنًا أنه يعكف على دراستها بصورة دقيقة سيتواصل بعدها مع وزارة الخزانة الأمريكية للحصول على مزيد من المعلومات وتعزيز التعاون، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة وتقديم رده إلى الجهات المعنية خلال المدة المحددة.
وعبَّر البنك عن احترامه الكامل للأطر التنظيمية والقانونية ذات الصلة، والتزامه بكافة القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبناء مع الجهات المعنية، منوهًا إلى أن فرعه في الإمارات يواصل تقديم خدماته المصرفية لعملائه وفقا للقواعد والإجراءات السارية.
وكان البنك المركزي المصري أصدر بيانًا رسميًا، أمس، أعلن فيه دخوله في اتصالات ومباحثات مباشرة مع الجانب الأمريكي، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية، للتعامل مع الإجراءات الصادرة.
وفيما بدا أنه محاولة لطمأنة عملاء البنك في الداخل، كرر البنك المركزي، التأكيد على ما تضمنته القرارات الأمريكية بشأن اقتصار نطاق العقوبات المحتملة حصريًا على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات المتعلقة بالمراسلين بعملة الدولار الأمريكي فقط، مشددًا على عدم امتداد أثر هذه القرارات إلى بنك مصر الرئيسي داخل مصر أو أي من فروعه الخارجية الأخرى في العالم، مؤكدًا على قوة وصلابة المركز المالي للبنك وكافة البنوك العاملة في القطاع المصرفي المصري.