تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اتجاهين متناقضين بشأن الحرب مع إيران؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه ترامب ومساعدون له إلى إعلان نهاية الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، تبقي وزارة الحرب الأمريكية عشرات الآلاف من القوات في الشرق الأوسط وتستعد لتمديد انتشارها حتى عام 2027.
ونقلت رويترز عن أربعة مصادر أمريكية لم تسمها أن مساعدين كبارًا لترامب يسعون إلى منع تصعيد الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، خشية أن يؤدي التصعيد إلى زيادة الخسائر الانتخابية للحزب الجمهوري.
وبحسب المصادر، يدرس مسؤولون في البيت الأبيض إمكانية تكثيف العمل العسكري بعد الانتخابات، بما يعني أن ضبط مستوى التصعيد خلال الأسابيع المقبلة قد يكون مرتبطًا جزئيًا بالحسابات السياسية الداخلية، وليس فقط بتطورات الميدان.
وتأتي هذه المساعي في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطًا انتخابية متزايدة بسبب الحرب وتداعياتها الاقتصادية. وأظهر استطلاع حديث لرويترز بالتعاون مع مؤسسة إبسوس أن نسبة تأييد ترامب بلغت 33%، فيما لم يؤيد سوى 36% من الأمريكيين طريقة تعامله مع الحرب على إيران، مع تصاعد القلق من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
في الاتجاه نفسه، كشفت وول ستريت جورنال أن ترامب يناقش سرًا مع كبار مساعديه إمكانية إعلان انتهاء الحرب، فيما يميل الرئيس، وفق مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم الصحيفة، إلى هذا الخيار.
لكن إنهاء العمليات العسكرية لا يعني، وفق التصور المطروح، التخلي عن الضغط على طهران؛ إذ يعتقد ترامب أن استمرار الضغوط الاقتصادية يمكن أن يدفع إيران في النهاية إلى تفكيك برنامجها النووي أو يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني.
ويبدو هذا الطرح متسقًا مع رسائل ترامب الأخيرة، إذ قال عبر منصته تروث سوشيال أمس الأربعاء "يعجبني وضعنا الحالي كثيرًا؛ إذ نمتلك سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، بينما ينهار اقتصادهم تمامًا. إنهم يكتفون بمواجهة ما لا مفر منه. متى سينتفض الشعب الإيراني ويخوض المعركة؟".
البنتاجون يمدد تواجد قواته
لا يعكس المسار العسكري بالضرورة استعدادًا أمريكيًا لإنهاء الحرب في الأجل القريب، فحسب وول ستريت جورنال، مدد وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث فترات انتشار وحدات عسكرية في الشرق الأوسط، في خطوة تشير إلى استعداد البنتاجون للتعامل مع الصراع باعتباره قابلًا للاستمرار حتى العام المقبل.
ووفق الصحيفة الأمريكية، تحتفظ الولايات المتحدة بنحو 50 ألف جندي في المنطقة، إلى جانب 19 سفينة حربية، بينها حاملتا طائرات و13 مدمرة، فضلًا عن وحدات للدفاع الجوي وأسراب مقاتلات وقوات مظلية.
ولا تقتصر مهمة هذه القوات على الدفاع؛ فهي تشارك في اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وحماية السفن التجارية في مضيق هرمز، وفرض حصار على المواني والمناطق الساحلية الإيرانية، بينما تبقى مستعدة لتنفيذ ضربات أوسع إذا قرر ترامب التصعيد.
وتشير الصحيفة إلى أن بعض وحدات الدفاع الجوي مددت فترة انتشارها من تسعة أشهر إلى 12 شهرًا، بينما تجاوز انتشار وحدات أخرى العام، ما يفرض أعباء إضافية على القوات ويؤخر أعمال الصيانة والتحديث.
ويعني ذلك أن واشنطن لا تتعامل مع خيار إنهاء الحرب باعتباره المسار الوحيد، بل تحافظ في الوقت نفسه على قدرة عسكرية كبيرة تسمح لترامب بالعودة إلى التصعيد إذا فشل الضغط الاقتصادي أو قرر تغيير أهداف الحرب.
لقاء الرئيس الصيني حجر زاوية
لكن وسط حسابات واشنطن لإدارة الحرب، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في الصين التي تعارض استخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية كوسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات.
وقالت وزارة الخارجية الصينية في أغسطس/آب إن العقوبات الأحادية والضغط الاقتصادي "ليسا حلًا"، محذرة من أن "الحرب الاقتصادية والضغط الأقصى" يزيدان التوتر ويهددان النظام الاقتصادي والمالي العالمي. كما أكدت بكين أن تعاونها مع إيران يجري في إطار القانون الدولي، وأنها ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها وحقوق شركاتها.
وتكتسب المواقف الصينية أهمية خاصة مع كون بكين من أبرز شركاء طهران التجاريين، في وقت تسعى فيه إدارة ترامب إلى إحكام الخناق الاقتصادي على إيران والضغط على الدول التي تواصل التعامل معها.
ويأتي ذلك قبل لقاء مرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج في واشنطن في 24 سبتمبر/أيلول الجاري، بحسب ما أعلنه ترامب، في قمة تأتي وسط خلافات تجارية وأمنية بين أكبر اقتصادين في العالم.
ومن ثم، قد يجد ترامب نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فإدارة الحرب تحتاج إلى إبقاء الضغط العسكري قائمًا، بينما تتطلب الانتخابات تجنب تصعيد واسع قد يزيد أعباء الحرب وأسعار الطاقة على الناخب الأمريكي، في حين ترفض الصين الانضمام إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي على طهران.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن لقاء ترامب وشي سيقود إلى تغيير في السياسة الأمريكية تجاه إيران، لكن توقيت الزيارة يجعلها محطة مهمة لاختبار قدرة الرئيس الأمريكي على الجمع بين الضغط على طهران وعدم الاصطدام مجددًا مع بكين بعد حربهما الأخيرة المتعلقة بالرسوم الجمركية.