تصاعدت ردود الأفعال حول القرار البريطاني بحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية؛ وفي الوقت الذي كشف موقع أكسيوس عدم معارضة الرئيس الأمريكي للقرار، ردت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.
ووقَّعت بريطانيا على بيان مشترك إلى جانب 11 دولة أخرى هي؛ فرنسا وكندا وفنلندا وآيسلندا والدنمارك وأيرلندا والنرويج وبولندا والسويد والبرتغال وإسبانيا، أعلنت فيه أنها ستفرض أو تدرس فرض قيود على التجارة مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي.
وفي أغسطس/آب الماضي أعلنت إسرائيل مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية شرق القدس في الضفة الغربية المحتلة، ضمن "مشروع E1"، وهو ما أدانته بريطانيا وحلفاؤها، معتبرين أنه "يقوّض إمكانية حل الدولتين".
حيثيات القرار البريطاني
وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند في كلمته أمام مجلس العموم، أمس الثلاثاء، إن بلاده ستفرض حظرًا على استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، على أن يدخل نظام العقوبات الجديد حيز التنفيذ خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر.
وأشار إلى أن الحكومة قررت حظرًا جديدًا على تراخيص الأسلحة وغيرها من الصادرات التي "تساهم بشكل مادي في الاحتلال"، لافتًا إلى أن نظام عقوبات شامل ضد الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات مثل البناء أو التمويل للمستوطنات الإسرائيلية وحظر الإعلان عنها في المملكة المتحدة.
ولفت إلى فرض عقوبات شخصية على أفراد رئيسيين متهمين بالترويج للعنف الذي يمارسه المستوطنون.
وشدد الوزير على أن العقوبات ستستهدف المستوطنات والتوسع الاستيطاني، وليس إسرائيل نفسها، مؤكدًا استمرار بريطانيا في دعم التجارة مع إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967.
وقال إن "الحكومة البريطانية لا تريد الاكتفاء بإدانة الاستيطان، وإنما الانتقال إلى إجراءات عملية"، لافتًا إلى أن "لندن ترفض أن تكون متفرجًا على تدمير فرص حل الدولتين".
ورغم إعلان هذا الموقف أكد الوزير أنه لا يعني تبني حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المعروفة باسم "BDS".
ومن المفترض أن تحظر العقوبات الجديدة المنتجات التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية سلعًا زراعية مثل التمور والأفوكادو والمانجو والعنب والأعشاب الطازجة، إلى جانب النبيذ وزيت الزيتون وبعض المنتجات الاستهلاكية.
الرد الإسرائيلي
لم يتأخر الرد الإسرائيلي على الإعلان البريطاني، إذ قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن حكومته قررت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة ممثلين بريطانيين في مركز الدعم والتنسيق الدولي الخاص بغزة في كريات جات.
وأعلن الوزير إنهاء مشاركة بريطانيا في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومنع 12 بريطانيًا من دخول إسرائيل، بينهم سياسيون ونواب بريطانيون.
ووصف الوزير الإسرائيلي التحرك البريطاني بأنه "تشويه أخلاقي" وتدخل في الشؤون الداخلية لإسرائيل وفي العملية الانتخابية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
وأكد الوزير أن "الإجراءات المتخذة ضد إسرائيل لن تمر دون رد"، مشددًا على أن بلاده قد تتخذ خطوات مماثلة ضد دول أخرى إذا رأت أنها تتحرك ضد المصالح الإسرائيلية.
وفي رده على القرارات الإسرائيلية، قال وزير الخارجية البريطاني اليوم، إن ما قامت به إسرائيل "مؤسف" و"ضار"، لافتًا في تصريحات إلى أن حكومة بلاده "توقعت حدوث ذلك".
وحول ما إذا كانت بريطانيا مستعدة لرد إسرائيلي أكثر حزمًا، خاصة فيما يتعلق بالتعاون التجاري والأمني، قال "أنا على ثقة بأن تعاوننا الأمني مع إسرائيل سيستمر".
بريطانيا ليست وحدها
وجاء القرار البريطاني بالتزامن مع بيان مشترك من 12 دولة أخرى، أعلنت فيه أنها ستفرض أو تدرس فرض قيود وطنية أو أوروبية على التجارة مع المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ووصف البيان المشترك الوضع في الضفة الغربية بأنه "يتدهور بسرعة"، مع ارتفاع مستويات عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات بشكل "غير مسبوق".
ودعت الدول الموقعة على البيان الحكومةَ الإسرائيلية إلى وقف التوسع الاستيطاني، وضمان محاسبة المسؤولين عن عنف المستوطنين.
وأكدت الدول في بيانها أن الهدف من تحركها حماية حل الدولتين ومنع الخطوات التي تقود إلى ضم الأراضي الفلسطينية أو التهجير القسري للفلسطينيين.
ومن جانبها أعلنت فرنسا وكندا عزمهما فرض حظر على استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، فيما قالت الدنمارك وفنلندا وآيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد إنها ستدعم اتخاذ مزيد من الإجراءات.
ولا يوجد اتفاق أوروبي شامل على حظر موحد على البضائع الإسرائيلية القادمة من المستوطنات، إذ سبق واتخذت دول أوروبية مثل أيرلندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا وهولندا، خطوات مماثلة، وتختلف طبيعة الإجراءات من دولة إلى أخرى، فيما ترفض دول مثل ألمانيا فرض عقوبات تجارية أوسع.
فيما لم يعلن البيت الأبيض موقفًا واضحًا بخصوص القرار البريطاني الجديد، كشف موقع أكسيوس، أن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أطلع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الخطوة قبل إعلانها، لافتًا إلى أن ترامب لم يبدِ اعتراضًا عليها.
ومن جانبه قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الثلاثاء، إن بلاده "لن تفعل ما فعلته بريطانيا"، لافتًا إلى أن واشنطن "لا تريد إجراءات قد تزيد التوتر في الضفة الغربية في ظل الظروف الإقليمية الحساسة".
ورغم ذلك، انتقد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، العقوبات البريطانية بشدة، معتبرًا أنها "تمييز ضد اليهود"، وأشار أكسيوس إلى أن البيت الأبيض نأى بنفسه عن تصريحات السفير، مشيرًا إلى أن "مواقفه لم تكن منسقة مع البيت الأبيض أو وزارة الخارجية".
ترحيب فلسطيني
ومن جانبها رحبت السلطة الفلسطينية بالعقوبات البريطانية، مؤكدة أنها "خطوة في مواجهة التوسع الاستيطاني وانتهاكات القانون الدولي"، وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح إن "القرار يعكس موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يستحق التقدير، وتشكل ضغطًا مهمًا على حكومة الاحتلال المتطرفة، لإعادة النظر في سياساتها القائمة على العدوان والعنصرية وانتهاك القانون الدولي".
وكذلك رحبت حركة حماس بالقرار، غير أنها اعتبرته "غير كافٍ"، وطالبت باتخاذ إجراءات دولية أوسع ضد إسرائيل.
ورحبت مصر بالقرار البريطاني، ودعمت بحسب بيان وزارة الخارجية البيان المشترك الصادر عن وزراء خارجية 12 دولة بشأن حماية حل الدولتين، وما تضمنه من توجه لاتخاذ إجراءات وطنية وأوروبية لتقييد التجارة في السلع مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، والمطالبة بالوقف الفوري للتوسع الاستيطاني ومحاسبة مرتكبي أعمال العنف من المستوطنين.
ورحب الأردن كذلك بالتحرك، معتبرًا أن الإجراءات تستهدف سياسات إسرائيلية ترسخ الاحتلال وتقوض حل الدولتين.
وأشادت جامعة الدول العربية بالتحرك الأوروبي، مؤكدة أنه "يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو التصدي لمنظومة الاستيطان الإسرائيلي غير القانونية، واستعادة نهج المحاسبة، وعدم غض الطرف عن السلوك المارق لحكومة الاحتلال".
ومن جانبه رحب رئيس البرلمان العربي محمد اليماحي، بالخطوة البريطانية والبيان المشترك لوزراء خارجية 12 دولة أوروبية، معتبرًا أنها خطوات "تمثل انتقالًا مهمًا من الإدانة السياسية إلى التحرك العملي في مواجهة منظومة الاستعمار والضم التي تكرسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي".