صفحة المتحدث باسم الرئاسة المصرية على فيسبوك
السيسي يستقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في القاهرة، 15 سبتمبر 2026

زيارة بن سلمان إلى مصر.. السعودية تبحث عن مخرج من ضغط هرمز والحوثيين

أحمد سعداوي
منشور الثلاثاء 15 أيلول/سبتمبر 2026

زار ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان القاهرة، اليوم الثلاثاء، في زيارة عمل أُعلن عنها قبل ساعات من موعدها، بينما تواجه المملكة تصعيدًا متزايدًا من الحوثيين في اليمن، وضغوطًا متزامنة على أمنها وممرات تصدير النفط، وفي وقت لا تبدو فيه الولايات المتحدة مستعدة للتدخل العسكري المباشر لمواجهة الحوثيين.

وأعلنت رئاسة الجمهورية مساء اليوم الثلاثاء، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي استقبل بن سلمان، موضحة أن الزيارة تضمنت لقاءً ثنائيًا بين الزعيمين، تلاه اجتماع موسع بين وفدي البلدين، ثم "مأدبة غداء أقامها السيد الرئيس تكريمًا لضيف مصر الكريم والوفد المرافق له".

وفق البيان، تناولت المباحثات التطورات الإقليمية والتحديات الراهنة، حيث جدد السيسي "موقف مصر الثابت في دعم المملكة العربية السعودية وكافة الدول العربية في مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على ضرورة تكثيف التنسيق والتواصل فيما بين البلدين". 

كما تم التأكيد، وفق نص البيان، على الموقف المصري السعودي الحريص على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، حيث شدد السيسي "على دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، وللتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية".

لكن الإعلان المفاجئ عن الزيارة غير المرتبة مسبقًا، يطرح الكثير من التكهنات، خاصة أنها جاءت في توقيت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا واسعًا، وتتزايد فيه الضغوط على السعودية بفعل الهجمات الحوثية المتكررة، التي امتدت إلى أهداف عسكرية ومنشآت حيوية داخل المملكة، بالتزامن مع تعطل خط أنابيب شرق-غرب وتزايد المخاطر المحيطة بممرات تصدير النفط والملاحة في البحر الأحمر.

السعودية تحت ضغط مزدوج

تواجه الرياض في الوقت الحالي ضغطًا من جهتين؛ الأولى عسكرية وأمنية مع تكرار الهجمات الحوثية على مدن ومنشآت سعودية، والثانية اقتصادية تتعلق بقدرة المملكة على تصدير النفط في ظل اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب.

وخلال الأيام الأخيرة، كثف الحوثيون هجماتهم على السعودية، بالتزامن مع تقدمهم على الساحل الغربي لليمن واقترابهم من باب المندب وتهديد السفن وناقلات النفط، وإعلان السلطات السعودية حالة الخطر في عدة مدن، بينها ينبع وهي ميناء رئيسي لتحميل النفط على البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن لـ المنصة، إن زيارة بن سلمان تأتي "في وقت حساس للغاية"، مع تصعيد متزامن في أكثر من جبهة، سواء في الحرب الأمريكية الإيرانية أو في اليمن.

ويرى رخا أن السيطرة الحوثية على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن تثير مخاوف من انتقال التصعيد إلى حركة الملاحة في باب المندب، إلى جانب الهجمات على السعودية، معتبرًا أن هذه التطورات تجعل الملف اليمني وأمن البحر الأحمر من بين القضايا الرئيسية المطروحة للنقاش في القاهرة.

النفط.. طريق بديل تحت النار

ولا تنفصل المخاوف الأمنية عن أزمة الطاقة. ففي الأسبوع الماضي، تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي لهجوم أدى إلى توقفه، وهو الخط الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يوفر للرياض طريقًا لتصدير الخام بعيدًا عن مضيق هرمز الذي يسيطر عليه الحرس الثوري الإيراني ويمنع تسيير السفن السعودية من خلاله.

وقالت وكالة أسوشيتد برس إن الخط، البالغ طوله نحو 1200 كيلومتر، كان ينقل بين 2.6 و4 ملايين برميل يوميًا، أي ما يصل إلى نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية، وإن توقفه يحد من قدرة السعودية على استخدام مسار بديل عن هرمز.

وأدى الهجوم وتعطل الخط إلى ارتفاع أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت 109 دولارات للبرميل، بينما حذرت تقديرات من أن استمرار توقف الخط واضطراب حركة الملاحة في هرمز قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.

وتلخص هذه المعادلة جانبًا مهمًا من الضغوط التي تواجهها الرياض؛ هرمز مضطرب من الشرق، وباب المندب مهدد من الجنوب الغربي، والطريق السعودي البري البديل تعرض لهجوم.

وفي قراءة مشابهة، قالت فايننشال تايمز إن تقدم الحوثيين على الساحل اليمني والهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية يهددان طموحات محمد بن سلمان الاقتصادية، ويضيفان جبهة جديدة إلى الحرب الأمريكية الإيرانية، في وقت تتردد فيه إدارة ترامب في الانخراط عسكريًا بصورة مباشرة.

واشنطن.. دعم بلا حرب

وتأتي هذه التطورات بعدما طلب محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعدة عسكرية مباشرة في مواجهة الحوثيين، إذ نقلت CNN عن مصدر لم تسمه أن ولي العهد السعودي تحدث مرتين، الخميس، مع ترامب وحثه على توجيه ضربات للحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي لم يستجب.

الأمر نفسه ذكرته رويترز، مشيرة إلى أن واشنطن لم توافق على التدخل العسكري المباشر وأن ترامب قال السبت إن الحوثيين تواصلوا معه و"هم لا يريدون تدخلنا"، واكتفت واشنطن بتقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف.

وفي اليوم التالي، التقى بن سلمان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، لبحث التطورات الإقليمية وتصاعد الهجمات الحوثية، دون نشر تفاصيل ما جرى مناقشته. 

وهنا تبرز أهمية زيارة القاهرة؛ إذ لا تبدو الرياض أمام خيار عسكري واضح يمكن الاعتماد عليه بمفردها، بينما يؤدي استمرار التصعيد إلى رفع كلفة حماية المدن والمنشآت والطاقة والملاحة، أو البحث عن بدائل أو تهدئة للحرب الدائرة.

ويقول رخا إن النقاش بين القاهرة والرياض لا ينبغي وصفه بأنه بحث عن وساطة مصرية مباشرة مع الحوثيين، وإنما بحث عن البدائل الممكنة لاحتواء التصعيد، بالتنسيق مع أطراف أخرى في المنطقة.

ويضيف أن القاهرة ومسقط وبعض دول الخليج يمكن أن يكون لها دور في جهود احتواء الموقف، إلى جانب بحث تأثير أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران على الوضع في اليمن، في ظل الاتهامات السعودية بوجود دعم إيراني للحوثيين، مقابل نفي طهران ذلك.

هل يكرر ترامب سيناريو أفغانستان؟

ويزيد من تعقيد الموقف أن الحوثيين فتحوا قناة اتصال مع إدارة ترامب، في الوقت الذي تواصل فيه الجماعة هجماتها على السعودية.

وقال ترامب، بحسب تقارير أمريكية، إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وأبدوا رغبتهم في تجنب تدخل أمريكي مباشر، وهو ما يفتح أمام واشنطن مسارًا تفاوضيًا بالتوازي مع الضغوط العسكرية.

ويشبه هذا النهج، من زاوية أوسع، ما اتبعه ترامب خلال ولايته الأولى في عدد من الملفات، أي محاولة تجنب التورط العسكري طويل الأمد والبحث عن تسويات مباشرة مع خصوم الولايات المتحدة.

وفي تحليل فايننشال تايمز، قورنت قدرة الحوثيين على الاستمرار في القتال رغم الضغوط العسكرية بالقدرة التي أظهرتها حركة طالبان على الصمود أمام التفوق العسكري الأمريكي في أفغانستان والانسحاب الأمريكي، معتبرة أن ترامب يواجه الآن خيارًا صعبًا بين توسيع التدخل العسكري أو البحث عن تسوية تفاوضية.

لكن بالنسبة إلى السعودية، فإن أي تفاوض أمريكي حوثي لا يضمن بالضرورة وقف الهجمات على المملكة، خصوصًا أن الجماعة أعلنت في السابق تمييزها بين حركة الملاحة التي تستهدفها وبين المصالح السعودية.

إيران في الحسابات المصرية

في المقابل، تملك القاهرة قناة اتصال مباشرة مع طهران يمكن أن تصبح ذات أهمية في هذه الأزمة.

فقبل يومين وأثناء قمة بريكس في نيودلهي، التقى السيسي نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، ودعاه خلال اللقاء إلى بذل كل الجهود الممكنة لوقف التصعيد والتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام، كما شدد على ضرورة وقف أي اعتداءات على الدول العربية.

ويرى رخا أن هذا اللقاء سيكون حاضرًا في حسابات المشاورات المصرية السعودية، خصوصًا أن جزءًا من النقاش يتعلق بالصلة بين ما يحدث في اليمن والحرب الأمريكية الإيرانية.

ويتفق الخبير الاستراتيجي والمستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور محمد مجاهد الزيات مع أهمية هذا المسار، لكنه يستبعد أن تكون الزيارة مخصصة لطلب وساطة مصرية مباشرة مع الحوثيين.

ويقول الزيات لـ المنصة إن القاهرة تجري بالفعل اتصالات متعددة المستويات، وإن الحديث عن وساطة مع الحوثيين ليس دقيقًا، موضحًا أن أي دور مصري محتمل يمكن أن يمر عبر التواصل مع إيران باعتبارها الطرف القادر، من وجهة نظره، على التأثير في الحوثيين.

ويضيف أن توقيت الزيارة يفرض تنسيقًا مباشرًا بين مصر والسعودية باعتبارهما من ركائز الأمن القومي العربي، في ظل تطورات هرمز وباب المندب والهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية.

هرمز وباب المندب.. أزمة واحدة

ولا تنحصر أهمية ما يحدث في اليمن بالنسبة إلى القاهرة في أمن السعودية وحدها.

فمصر معنية مباشرة بأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب، باعتباره المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة باتت تتجاوز مجرد هجمات متفرقة؛ فالحوثيون تقدموا على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مواقع استراتيجية قريبة من باب المندب، بينما أدت هجمات أخرى إلى تعطيل طريق نفطي سعودي كان يمثل أحد البدائل المهمة في مواجهة اضطراب هرمز.

وتقول الجارديان إن سيطرة الحوثيين على جزر حنيش الكبرى والصغرى، بعد تقدمهم إلى ميناء المخا وجزيرة ميون، تعزز قدرتهم على التأثير في واحد من أهم طرق الملاحة العالمية.

وبذلك تتقاطع المصالح المصرية والسعودية عند ملف الملاحة، حتى وإن اختلفت درجة تعرض كل منهما للخطر؛ فالسعودية تواجه تهديدًا مباشرًا لمنشآتها ومدنها وصادراتها، بينما تخشى مصر من أن يؤدي إطالة أمد اضطراب البحر الأحمر إلى التأثير في حركة السفن العابرة لقناة السويس.

ما وراء اليمن

ولا يتوقع أن تتوقف مباحثات السيسي ومحمد بن سلمان عند اليمن والطاقة، إذ يحمل البلدان ملفات إقليمية أخرى مشتركة، أبرزها السودان وغزة ولبنان والقرن الإفريقي، إلى جانب العلاقات الثنائية.

ويشير الزيات إلى أن التطورات في السودان تمثل ملفًا مهمًا في الحوار المصري السعودي، خصوصًا مع مشاركة البلدين في جهود دولية وإقليمية تستهدف إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية.

كما تبقى غزة حاضرة في أي مشاورات مصرية سعودية، في ظل استمرار الحرب وتعثر جهود تثبيت ترتيبات سياسية وأمنية مستدامة للقطاع.

لكن أهمية هذه الملفات لا تلغي خصوصية توقيت الزيارة الحالية؛ فالتطورات في اليمن والطاقة والملاحة تأتي في لحظة تتداخل فيها أزمات المنطقة بصورة غير مسبوقة، من الحرب الأمريكية الإيرانية واضطراب هرمز إلى عودة التصعيد السعودي الحوثي وتهديد باب المندب.

ولهذا يرى الزيات أن الزيارة قد تمثل فرصة لإعادة تنشيط مستوى التنسيق السياسي بين القاهرة والرياض، بما في ذلك الأطر المؤسسية القائمة بين البلدين، وليس فقط التعامل مع أزمة عابرة.

أما رخا فيرى أن الملفات الإقليمية، وعلى رأسها اليمن وهرمز، في مقدمة المشاورات، يليها السودان وغزة وغيرها، على أن تظل العلاقات الثنائية جزءًا أساسيًا من جدول الأعمال.

وبينما لا توجد مؤشرات معلنة على أن محمد بن سلمان جاء إلى القاهرة طالبًا وساطة مباشرة مع الحوثيين، فإن الزيارة تضع أمام البلدين سؤالًا أكثر اتساعًا؛ كيف يمكن احتواء تصعيد يضغط على السعودية من الجنوب، ويهدد طرق تصدير النفط من الغرب، ويتزامن مع اضطراب هرمز، في وقت لا تبدو فيه واشنطن مستعدة لفتح جبهة عسكرية جديدة؟