صفحة البصارة- فيسبوك
أعمال إزالة مقابر الإمام

السيسي يدافع عن إزالة الجبانات التاريخية بـ"تسرب المياه".. وباحثان: التطوير سبب الأزمة

محمود عطية
منشور الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أرجع الرئيس عبد الفتاح السيسي إزالة مقابر القاهرة القديمة إلى تسرب المياه الجوفية إليها، قائلًا إن "المياه كانت داخلة في نسبة كبيرة من المقابر"، في وقت اتفق باحثان في التراث على أن أزمة المياه الجوفية لم تطل وقتها جميع المناطق التي شهدت عمليات هدم.

وتوسعت الحكومة في هدم للمقابر التاريخية بالقاهرة خلال السنوات الثلاث الماضية، ما استدعى حملات تنديد ومعارضة من أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ونحو 700 من المعماريين ونشطاء حقوق الإنسان والأفراد، طالبوا في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بضرورة التحرك العاجل لوقف الهدم، بوصف تلك الجبانات "جزءًا عزيزًا بل مقدسًا من تراثنا الثقافي وليست مجرد أحجار".

وخلال تلك الفترة، أقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بارتكاب الجهات التنفيذية أخطاء خلال عمليات الهدم ما أسفر عن قرار بوقفها، مؤكدًا حرص الحكومة على اتخاذ كافة الإجراءات التي تضمن الحفاظ على التراث، متعهدًا بـ"عدم تكرار أي أخطاء أو تجاوزات في هذا الشأن مستقبلًا".

لكن السيسي عاد ليبرر عمليات الهدم، خلال مشاركته بجلسة التنمية الحضرية والعمرانية، ضمن أعمال منتدى مصر 2026، أمس الثلاثاء، موضحًا أن وصول المياه الجوفية إلى مقابر في مناطق القلعة والسيدة نفيسة والسيدة زينب والإمام الشافعي، واضطرار أسر إلى وضع الرمال والطوب داخلها قبل دفن الجثامين. 

وأكد أنه طلب توثيق هذه الأوضاع إعلاميًا، قائلًا "قلت لهم طيب انزلوا وهاتوا الإعلام معاكم وادخلوا صوروا المقابر".

واعتبر السيسي أن ترك المقابر دون المساس بها كان يمثل "طرحًا مثاليًا"، مضيفًا "لكن الطرح الواقعي إنك أنت ما يصحش لا شرعًا ولا إنسانيًا ولا لدولة بتحترم ناسها إنها تقبل أنهم يرموا جثمان في المياه كدا ويسيبوه"، مشيرًا إلى أن الدولة أنشأت وتعمل على إنشاء نحو 70 ألف مقبرة بديلة، على ثلاث مراحل، في محيط حلوان ومدينة العاشر من رمضان، وتتحمل تكلفتها.

في المقابل، أقر الباحث في التراث إبراهيم طايع إن مشكلة تسرب المياه الجوفية إلى المقابر التاريخية بالقاهرة، قائمة منذ عقود في أجزاء من جبانات الإمام الشافعي، لكنه يؤكد في تصريحات لـ المنصة أنها لم تطل جميع المناطق التي شهدت عمليات هدم، بحسب رصده.

ويميز طايع، عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية والمهتم بتوثيق جبانات مصر، بين تضرر بعض المدافن بالمياه الجوفية، وبين اتخاذ ذلك مبررًا لإزالة مدافن في مناطق أخرى، قائلًا "المياه الجوفية لم تكن المشكلة الرئيسية في كل المقابر".

وفي أسباب ظهور المياه الجوفية في أجزاء من مقابر منطقة الإمام الشافعي، خصوصًا المدافن القريبة من عين الصيرة ومتحف الحضارة، وتسببها في تضرر وانهيار بعضها، يربط طايع بين تفاقم تلك المشكلة وبين أعمال التطوير التي تضمنت ردم أجزاء من بحيرة عين الصيرة، قائلًا إن المياه كانت تظهر في المدافن القريبة منها عقب أعمال الردم. وتابع، "عوضًا عن تراجع الصيانة والإنفاق على المقابر ما أسهم في تدهور حالتها، مقارنة بفترات سابقة كانت تُخصص فيها موارد من الأوقاف للإنفاق على بعض المدافن وصيانتها".

لكنه يشدد في كل الأحوال على إزالة مدافن في مناطق أخرى، بينها مناطق باتجاه الأباجية وشارع ابن الفارض، لم تكن متأثرة بالمياه، بحسب رصده.

وعما إذا كان الهدم هو الحل الوحيد للمدافن المتضررة وقتها، يرى طايع أن معالجة المشكلة كانت تستدعي الرجوع إلى المهندسين والمتخصصين لبحث سبل منع تسرب المياه وحماية المباني.

ويتفق مع ذات الطرح أيضًا أستاذ الطب المتفرغ بقصر العيني والباحث المهتم بتوثيق تاريخ وعمارة جبانات القاهرة مصطفى الصادق، مؤكدًا أن ظهور المياه الجوفية كان يختلف من موضع إلى آخر، ملخصًا مشاهداته بقوله "في حاجات فيها وفي حاجات مفيهاش"، مشيرًا إلى مجاورة متحف الحضارة للجبانات.

ولا يخفي الصادق تشاؤمه بشأن مصير ما تبقى من جبانات تاريخية، متوقعًا استمرار أعمال الهدم واتساع نطاقها، وقال "لو عندك قصر وبيت وهديت القصر.. سهل تهد البيت".

وبخلاف الأعوام الثلاثة الماضية، تعود موجات الإزالة المرتبطة بمشروعات الطرق داخل جبانات القاهرة إلى عام 2020، عندما طالت أعمال تنفيذ محور الفردوس أجزاء من مقابر الغفير بمنطقة جبانة المماليك، وأثارت اعتراضات من متخصصين في الحفاظ على التراث وأصحاب مدافن.

ومنذ ذلك الحين، توالت المطالبات بوقف الإزالات؛ والتي كان من بينها مناشدة أطلقها أكثر من 300 معماري وخبير تراث وشخصية عامة وممثل عن أصحاب المدافن الجهات المسؤولة وقف الهدم وسحب معداته وتقييم الأضرار وحماية العناصر المعمارية المتبقية.