AP Photo/Armin Durgut
احتفالات خارج البرلمان الصيربي بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش، بهزيمته في الانتخابات البرلمانية 26 أكتوبر 2026.

بعد حكم 12 سنة وسيطرة على الإعلام وتخوين المعارضة.. طلاب صربيا يهزمون فوتشيتش

قسم الأخبار
منشور الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أقر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بهزيمة حزبه الحاكم في الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها في سبتمبر/أيلول الماضي، معلنًا تقدم القائمة المدعومة من الطلاب، في تحول سياسي لافت أعقب نحو عامين من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وفتح الباب أمام تغييرات محتملة في المشهد السياسي الصربي، ويمكن أن ينتقل صداها إلى أوروبا التي تشهد مؤخرًا احتجاجات واسعة قوامها الطلاب.

وقال فوتشيتش، أمام حشد من أنصاره، "ما زلنا لا نملك النتائج ​النهائية، لكن بناء على ​عينة من الأصوات... من الواضح أننا ⁠خسرنا هذه الانتخابات، وفازت ​قائمة الطلاب، وستحصل على ما بين ​135 و140 مقعدًا، في حين سنحصل نحن على 105 مقاعد، ولم يدخل أي ​حزب آخر إلى البرلمان".

وعقب الإعلان، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع الرئيسية في العاصمة بلجراد ومدن صربية أخرى للاحتفال بفوز القائمة المدعومة من الطلاب، مرددين هتافات من بينها "انتصرنا" و"لقد انتهى عهده".

وفي المقر الانتخابي للقائمة، ألقى الأستاذ بجامعة بلجراد رادومير سايتشيتش كلمة لـ"القائمة الطلابية"، قال فيها "عزيزتي صربيا، الليلة يُسمع صوت الشعب.. الليلة نحتفل بالنصر، وغدًا نبني المستقبل"، وسط تصفيق ودموع فرح وعناق بين المحتفلين.

من الجامعات إلى مواجهة السلطة

بدأت الحركة الطلابية احتجاجاتها بعد انهيار سقف محطة للسكك الحديدية في مدينة نوفي ساد عام 2024، وهو الحادث الذي أودى بحياة 16 شخصًا وأثار غضبًا واسعًا، في ظل مؤشرات على ارتباط الكارثة بعيوب في أعمال البناء ومخاوف من الفساد والإهمال.

وانطلقت الاحتجاجات في صورة اعتصامات داخل الجامعات، قبل أن تتسع وتستقطب دعم قطاعات متنوعة من المجتمع، لتتحول تدريجيًا إلى تحدٍ سياسي لحكم فوتشيتش، الذي تولى رئاسة الوزراء عام 2014 ثم رئاسة الجمهورية عام 2017.

ولم تقتصر مطالب المحتجين على المساءلة عن الحادث، بل امتدت إلى الاعتراض على الفساد وطريقة إدارة مؤسسات الدولة، في مواجهة حكومة يتهمها منتقدوها بتوظيف مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام لخدمة الحزب الحاكم وتضييق المجال أمام المعارضة.

ومع اتساع الحركة، انتقل الطلاب من الاحتجاج في الشوارع والجامعات إلى خوض المنافسة الانتخابية عبر قائمة مستقلة، مستفيدين من الزخم الشعبي الذي راكمته الاحتجاجات، ومن تراجع الثقة في الحزب الحاكم لدى قطاعات من الناخبين.

مقامرة فوتشيتش

اكتسبت الانتخابات أهمية خاصة لفوتشيتش، بعدما استقال من الرئاسة في سبتمبر الماضي، قبل نحو سبعة أشهر من انتهاء ولايته الثانية والأخيرة، إذ لا يسمح له الدستور بالترشح لولاية رئاسية ثالثة. وكان يسعى إلى ضمان فوز حزبه بالأغلبية البرلمانية، بما يتيح له العودة إلى رئاسة الوزراء ومواصلة قيادة الحكومة.

وخلال العقد الماضي، بنى فوتشيتش صورته السياسية على تقديم نفسه قائدًا قويًا يدافع عن المصالح الوطنية، مستندًا إلى ما حققته البلاد من نمو اقتصادي وتحسينات في البنية التحتية. كما تعهد بمواصلة مساعي انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي، وزيادة المعاشات التقاعدية ورواتب العاملين في القطاع العام، وتعزيز الاستثمار في الرعاية الصحية الحكومية.

لكن هذه الصورة واجهت تحديًا متزايدًا مع اتساع الاحتجاجات الطلابية، التي نقلت الاستياء من أداء الحكومة إلى مواجهة مباشرة مع الحزب الحاكم. وجاءت الانتخابات لتختبر قدرة فوتشيتش على تحويل رصيده السياسي والاقتصادي إلى أصوات، في مواجهة حركة لم تنشأ من داخل الأحزاب التقليدية، بل من الجامعات والشارع.

قائمة طلابية بلا خبرة حكومية

على الجانب الآخر، ضمت قائمة "الطلاب ينتصرون" أطباء وممثلين وأكاديميين وشخصيات من خارج الأطر الحزبية التقليدية، كثير منهم لا يمتلك خبرة سياسية أو حكومية سابقة. ورغم ما حققته القائمة من زخم انتخابي، لا يزال من غير الواضح من سيتولى رئاسة الوزراء إذا تأكدت النتائج، أو كيف ستترجم القائمة مطالب الحركة الاحتجاجية إلى سياسات حكومية.

وخاض الطلاب الانتخابات في ظل اختلال واضح في موازين القوى، إذ يتمتع الحزب الحاكم بنفوذ واسع على وسائل الإعلام والإعلان، إلى جانب اتهامات باستخدام مؤسسات الدولة والوزارات في الدعاية السياسية. كما واجهت الحركة اتهامات من خصومها بأنها مجرد "دُمى تحركها قوى أجنبية"، وهي اتهامات رفضها أنصارها.

وفي مواجهة ذلك، اعتمدت القائمة على جهود التعبئة المباشرة، فنزل أعضاؤها إلى الشوارع وتحدثوا مع المواطنين عن برنامجهم، ووسعوا تحركاتهم إلى المناطق الريفية التي طالما عُدت من معاقل فوتشيتش الانتخابية، كما قدموا أنفسهم باعتبارهم بديلًا مناهضًا للحكومة، رافعين شعار "صربيا أم المافيا؟"، في محاولة لربط المنافسة الانتخابية بمطالب مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين.

ويضع الفوز، إذا أكدته النتائج النهائية، القائمة الطلابية أمام اختبار مختلف عن الاحتجاج؛ إذ يتعين عليها الانتقال من التعبئة الشعبية إلى بناء ائتلاف قادر على إدارة الحكومة، وصياغة برنامج واضح، والتعامل مع مؤسسات دولة ما زال الحزب الحاكم يتمتع داخلها بنفوذ واسع.