تصوير مصعب شاور بإذن خاص لـ المنصة
أهالي خربة المفقرة في مسافر يطا بالضفة الغربية يحرسون بيوتهم من هجمات المستوطنين

المقاومة بفتح الأعين.. رعاة "خربة المفقرة" ليسوا صيدًا للمستوطنين

منشور الثلاثاء 17 شباط/فبراير 2026

يجلس جلال العمور (47 عامًا) في ساحة وسط خربة المفقرة في مسافر يطا جنوبيَّ الضفة الغربية؛ تُعرف باسم "مركز الحماية أو الحراسة"، وهي مكان تحيط به إطارات الكاوتشوك المستعملة في وسطه موقدة نار حولها فرش وأغطية متاحة للجميع. فيما يتوافد الرجال منذ الساعة الرابعة عصرًا ليبدأوا نوبات حراستهم ضد اعتداءات المستوطنين.

"المستوطنين هون بيستولوا على كل إشي قدامهم" يقول العمور مـتحسرًا على "الطور/الكهف الذي كان يأويه مع زوجته وأبنائه الخمسة حتى طرده منه أحد المستوطنين بحماية جيش الاحتلال واستولى عليه.

ويضيف لـ المنصة "عمرت هذا الطور وعشت فيه" لكن في يوم من الأيام غاب العمور عن طوره وذهب في زيارة مع عائلته لخربة الفخيت المجاورة بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فاستغل المستوطن غيابه وكسر الباب واستولى عليه ليعود العمور ويجد بيته محتلًا، "أبلغت الشرطة الإسرائيلية لكن دون جدوى لم تفعل شيئًا ولا يزال المستوطن في الطور" يقول العمور.

وتتعرض الخربة بشكل متكرر لهجمات من مستوطني المستوطنات القريبة مثل أفيجاي ومعاون، تشمل تدمير خزانات المياه والاعتداء على المواشي. ويوضح العمور أن المستوطنين ومنذ سنوات طويلة لم يألوا جهدًا في تخريب ممتلكات المواطنين والاستيلاء عليها، حتى وصل بهم الأمر إطعام أغنامهم من أشجار كانت مزروعة في ساحة مدرسة المفقرة الصغيرة.

وخربة المفقرة منطقة جبلية قاسية من تجمعات مسافر يطا الـ19، يعيش فيها تجمع سكاني فلسطيني صغير، يعتمدون في حياتهم على تربية الأغنام والزراعات البسيطة. وبسبب منعهم من البناء يضطرون للعيش في كهوف جبلية أو بيوت من الصفيح.

ضد الاحتلال

صورة للطور الذي استولى عليه المستوطنون، خربة المفقرة، الضفة الغربية، يناير 2026

تعيش نحو 20 عائلة في خربة المفقرة ويعتمدون بالدرجة الأولى على الزراعة وتربية المواشي كدخل أساسي لهم قبل الإبادة عام 2023.

وتقع مسافر يطا إلى الجنوب من مدينة يطا جنوب الضفة الغربية ما بين الشارع الالتفافي 317 إلى خط الهدنة 1949 من الجنوب، وهي واحدة من أكثر المناطق استهدافًا من قبل الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين.

وهي موجودة ضمن مناطق "ج" التابعة أمنيًا وإداريًا لسلطات الاحتلال، وتبلغ مساحتها 57 كم مربع، وتتكون من 23 خِربة وقرية ما بين أهالي يطا والبدو الذين هُجروا من مناطق بئر السبع والنقب.

وإلى جانب ذلك كله أقام المستوطنون، وبرعاية الحكومة الإسرائيلية، أكثر من 16 بؤرة ومستعمرة تشكل حزامًا حول المنطقة. هذا إلى جانب إعلان مساحة 32 ألف دونم من مسافر يطا كمنطقة تدريب عسكري (مناطق إطلاق نار)، في حين لا يُستخدم لأغراض التدريب العسكري سوى 3% من مجمل المساحة المعلنة.

ويوجد في المنطقة المعلنة للتدريب العسكري 17 تجمعًا فلسطينيًا، معظمها موجود قبل احتلال الضفة الغربية عام 1967 وهي: جنبا، والمركز، وحلاوة، و خربة الفخيت، وخربة التبانة، وخربة المجاز، وصفي الفوقا، وصفي التحتا، ومغاير العبيد، وطوبة، وخلة الضبع، والخروبة، وخربة المفقرة، وخربة صرورة، و الركيز، و بير العد. 

لم تكن اعتداءات المستوطنين طارئة على أهالي مسافر يطا بمن فيهم سكان خربة المفقرة، لكنها اتخذت بعد السابع من  أكتوبر 2023 منحىً أكثر شراسة وعنفًا وهي تطرب بالحائط لكل القوانين الدولية على مرأى ومسمع من النشطاء الأجانب الذين يُقيمون بشكل شبه دائم في المنطقة، هذا عدا عن سياسة هدم المنازل ومنع البناء ومصادرة الأراضي وبناء بؤر استيطانية جديدة في المنطقة بشكل لافت.

وبناء على ما عاشه العمور وعدد آخر من المواطنين، قرروا حراسة أرضهم وممتلكاتهم وألا يغيبوا عنها مهما كان السبب، وأصبحوا يتناوبون على مدار اليوم في سبيل حماية ممتلكاتهم وأنفسهم.

حراسة ليل

فكرة حراسة الخربة ليست جديدةً إذ اعتادت العائلات هناك عليها منذ سنوات بشكل متقطع وعند الضرورة، لكن مع تصاعد ما يُسمَّى بالاستيطان الرعوي، حيث ارتفعت عدد المستوطنات الرعوية من 12 مستوطنة إلى 20، ليستبيح المستوطنون ومواشيهم كل ما يعترض طريقهم، ويستولون على كل ما تقع عليه أعينهم، دون أن يملك أحد القدرة على ردعهم. بل إن مجرد الحديث معهم أثناء تنفيذهم السرقة يُعدّ ممنوعًا، وقد يفضي إلى السجن. وعند تقديم شكاوى ضدهم إلى الشرطة أو الجيش الإسرائيلي، لا يُتخذ أي إجراء يُذكر، بل يُقدَّم لهم الدعم اللازم.

كان الجيش في فترات سابقة يدعم المستوطنين بصورة مستمرة، وإن استجاب أحيانًا لشكاوى الفلسطينيين لردع بعض التجاوزات. لكن في الآونة الأخيرة تغيّر الوضع؛ إذ بات الدعم يُقدَّم للمستوطنين دون اكتراث بشكاوى الفلسطينيين أو بمعاناتهم.

تحولت فكرة الحراسة إلى ممارسة شبه منظمة وممنهجة بشكل روتيني تلقائي، يعطل كافة مناحي حياتهم الاجتماعية والاقتصادية. 20 رجلًا من الساعة الرابعة عصرًا حتى العاشرة مساءً يقتطعون من وقتهم ساعات طويلة من أجل الحراسة، وقد تأتيهم مساندة من نشطاء مقيمين في المنطقة، وبالتحديد في قرية التوانة وبعض أهالي الخرب الأخرى.

تتحول الحراسة إلى جلسات سمر تفتح أحاديث جماعية طويلة وقد ينأى البعض لأحاديث جانبية خاصة هكذا حتى تنتهي المناوبة الأولى من اليوم، فيما يلعب الأطفال في الساحة وبالقرب من الحراس في تلك الفترة الآمنة نسبيا وبعضهم يغفو على الفرشات المتاحة حتى يأتي أحد من عائلته وينقله لمكان سكنه، يقول العمور "لولا الحراسة اليومية لما تمكن هؤلاء الأطفال أن يلعبوا بهذه السهولة والأمان فالمستوطنون يعتدون على الجميع هنا بما في ذلك الأطفال".

أحد الأطفال يغفو بالقرب من حراس خربة المفقرة، الضفة الغربية، يناير 2026

في تمام الساعة العاشرة مساء تنتهي دورية العمور، فيعود إلى بيته ويستعد لعمله صباح اليوم التالي في بلدية قرية الكرمل، إحدى قرى مدينة يطا، مُسلّمًا مناوبة الحراسة لمجموعة أخرى.

وأثناء مهمة الحراسة، التقينا معاذ حمامدة (32 عامًا)، وهو متزوج وأب لطفلين. تبدأ نوبته اليومية في الساعة العاشرة مساءً وتستمر حتى الخامسة فجرًا. في الشتاء القارس يشعلون النار ليتدفأوا حولها، أما في أيام المطر فتغدو المهمة أشد قسوة وأكثر إلحاحًا، إذ يستغل المستوطنون سوء الأحوال الجوية للعودة إلى سرقة الممتلكات وتخريبها. لذلك قرر أهالي المفقرة أنه في الأيام الممطرة يجلس الحراس في مسجد الخربة، مع تناوب مجموعات منهم على فترات قصيرة للقيام بجولات تفقدية داخل الخربة، للتأكد من أن المستوطنين لن يقدموا على أي اعتداء خلال تلك الفترة.

سرقة وخراب ديار

الإنارة ضعيفة بالمفقرة لأنها تعتمد على ألواح الطاقة الشمسية بينما تكون شبه معدومة في فصل الشتاء خاصة بالليل لعدم وجود ساعات شمسية كافية لشحن الطاقة لذلك فإن غالبية هذه الأيام ظلام دامس يقول حمامدة "النار مصدر الإنارة والدفء الوحيدين في هذه الليالي" .

قابلنا حمامدة بعد أن أنهى جولته التطوعية بالسيارة في خربة المفقرة والخرب القريبة حيث أوصل أبناء المدارس إلى منازلهم، "لأنه بالمسافر فيه اعتداءات مستوطنين مستمرة وفي مدارس بعيدة عن طلابها وما في سيارات تنقلهم".

يعمد المستوطنون إلى إطلاق أغنامهم لتختلط بأغنام الفلسطينيين تمهيدًا للاستيلاء عليها

منذ بدء الإبادة في قطاع غزة عام 2023، ومع تصاعد وتيرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، أصبح حمامدة ومئات غيره عاطلين عن العمل. فقد خسر بعضهم فرصه داخل الخط الأخضر بعد أن أوقفت سلطات الاحتلال تصاريح العمال الفلسطينيين العاملين هناك، وفقد آخرون مصدر رزقهم في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية في مسافر يطا، بعدما مُنعوا من زراعة أراضيهم أو رعي أغنامهم ومواشيهم.

وحسب التعليمات التي يفرضها المستوطنون على سكان مسافر يطا، يُحظر على الفلسطينيين تجاوز نطاق 50 مترًا حول مساكنهم، ما يجعل الرعي أو الزراعة أمرًا مستحيلًا. ونتيجة لذلك، باتوا مضطرين إلى شراء أعلاف مواشيهم على نفقتهم الخاصة، في وقت تتمتع فيه أغنام المستوطنين بمساحات شاسعة من المراعي.

وأي مخالفة لهذه التعليمات تقابلها إجراءات عقابية متعددة؛ إذ قد يعمد المستوطنون إلى إطلاق أغنامهم لتختلط بأغنام الفلسطينيين تمهيدًا للاستيلاء عليها، أو يطردونهم من المكان مباشرة، أو يعتدون عليهم بالضرب ويتلفون مزروعاتهم.

ويقول حمامدة إن ما يسهّل مهمة الحراسة في ساعات الليل المتأخرة حتى الفجر أن غالبية السكان أصبحوا عاطلين عن العمل بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبالتالي لن يتأثروا إن سهروا ليلًا وناموا نهارًا. ويضيف "كل اللي بنعمله هو حماية اللي ضلّ من ممتلكاتنا".

يسكن حمامدة في بيت صغير مبنيّ من حجارة الجبل المصنوعة يدويًا بشكل غير منتظم، وسقفه من الزينكو/الصفيح. بعد أن يصلي الفجر يعود إليه لينام بضع ساعات، قبل أن تبدأ مهمته الثانية في إيصال الطلاب إلى مدارسهم. هكذا تمضي أيامه على مدار الأسبوع بلا عطلة، حتى إنه لا يغادر المفقرة إلا لهذه المهمة. يتجنب المشاركة في المناسبات الخاصة بأهالي مسافر يطا، وتذهب زوجته إلى بيت أهلها في مدينة يطا من دونه، إذ يرى أن مهمته في حماية الخربة وحراستها تتقدّم على أي شيء آخر.

وعن أجواء السهر والحراسة يروي حمامدة "تتفاوت الفعاليات والأنشطة التي يمكن القيام بها في تلك الليالي الطويلة، ففي بعضها يغلب الصمت على الجميع ونحدق بوجوه بعضنا أو بهواتفنا وفي ليالي أخرى نلتف حول كبار السن الذين يشاركوننا الحراسة برغم سنهم وتعبهم ويبدأون برواية قصص أيام زمان بما في ذلك ما بعد احتلال المنطقة كيف كان الجيش يعتدي عليهم بحجة الاقتراب من الأماكن العسكرية لتدريب الجيش وكيف كانت مهمة الزراعة صعبة في ظل شح المياه وانعدام المواصلات و مقارتنها بما يحدث اليوم".

ويضيف "ما اختلف اشي، شح المي مستمر، وصعوبة المواصلات موجودة واعتداءات المستوطنين ومطامعهم ما اختلفت".

أحد مواطني المفقرة يجلس ضمن مجموعة حراسة الخربة، الضفة الغربية، نوفمبر 2025

"وفي ليالٍ أخرى وحين يغلب التعب والنعاس بعضنا، فنتناوب على نوم ساعتين لكل واحد منا، فقد طالت أيام الخطر والحراسة بلا جدوى" قبل أن يستدرك "وياريت بعد كل هذا مالصين (ناجين) من اعتداءات المستوطنين واتهامات جيش الاحتلال إلنا بنكون قاعدين وبنشرب شاي بيجي الجيش بيصير يقول يرمي تهم علينا". ويتساءل مستنكرًا "معقول في سنة 2026 لسة في ناس عايشة بكهوف ومش بأمان وبتحرس حالها ليل نهار عشان تحمي ممتلكاتها؟".

ورغم الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعيشها سكان المفقرة، يُعدُّ إطعام الحراس واجبًا جماعيًا يلتزم به الجميع. يجلب كل شخص ما تيسّر في منزله من طعام، ويتقاسمونه سويًا؛ يشوون البطاطا (البطاطس)، ويُعدّون الصاجية وقلاية البندورة، ويغلون الشاي والقهوة، في مشهد يعكس تضامنًا بسيطًا لكنه ضروري للبقاء.

في المقابل، يؤكد السكان غياب أي دعم حكومي رسمي، على خلاف ما يُروَّج له بشأن مساندة صمود المواطنين في المناطق المهددة بالمصادرة، بحسب تعبيرهم.

يوصف معظم سكان مسافر يطا بالشعوب الأصلانية (البدو) التي منحتها الأمم المتحدة حق تقرير المصير والحكم وعدم الاعتداء على ملكية أراضيهم، إلا ان الاحتلال الاسرائيلي لا يأبه بتلك الشعوب ولا بالحقوق. لا استقرار ولا عمل ولا أي من مقومات العيش الكريم لدى سكان المفقرة ومسافر يطا عمومًا، ومع ذلك يستمرون في الصمود على أراضيهم وحراستها مهما كان الثمن.