Gemini
تظل المرأة متهمة حتى وإن كانت ضحية

من فتاة العتبة إلى مريم شوقي.. من يملك حق النظر واللمس في مصر؟

منشور الثلاثاء 17 شباط/فبراير 2026

في صبيحةِ أحد أيام رمضان عام 1992، وبينما كانت شاهيناز تحاول الصعودَ إلى سُلَّم الأتوبيسِ رقم 17 المتجه من ميدانِ العتبةِ إلى بولاق الدكرور، فُوجِئَت بيدٍ تجذبها وتلقيها إلى الشارع، ليُثَبِتها شخصان من ذراعيها، بينما امتدت يدا اثنين آخرين للاعتداء عليها. وبالرغم من صراخها المتصل في واحدٍ من أشد ميادين القاهرة ازدحامًا، لم تستجب الجماهير لإنقاذها. لاحقًا، وصل أمين الشرطة صلاح الدين حلمي الذي كان مارًا بالمصادفة لنجدتها، لكنَّ الاغتصاب كان قد تمَّ تحت مرأى ومسمع من الحشود. تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام إلا أن النتيجة كانت براءة المتهمين.

وفي أوائل فبراير/شباط 2026، تحرش شخص بمريم شوقي داخل الأتوبيس، فاستنجدت بالركاب مُوَثِقَةً ما يحدث بكاميرا الموبايل الخاص بها، إلا أنها قُوبِلَت بهجومٍ مضاد من الركاب، واتهمها أحدهم بأن ملابسها هي السبب. انطلقت حملات إلكترونية مدعومة للدفاع عن المُتحرش وإلقاء اللوم على مريم. 

أسباب مصطنعة

ثمة ما يُمكن أن نُطْلِقَ عليه أميّةً سوسيولوجيةً تسيطر على نقاشاتنا حول التحرش الجنسي في مصر؛ فكلما وقعت حادثة، ينزلق الخطاب العام تلقائيًا نحو الحتمية البيولوجية؛ تلك النظرة الاختزالية التي تُؤطر التحرش باعتباره فشلًا فرديًّا في كبت الغرائز. ويتم الدفع بأن السبب الرئيس هو ملابس المرأة أو سلوكها في الفضاء العام. يكتب الداعية المزعوم عبد الله رشدي في بوست على فيسبوك "ليس من الطبيعي أن تخرجَ فتاةٌ بملابس لا تصلحُ إلا للنومِ ثم تشكو من التحرش".

وفقًا لهذا المنظور الشائع، يُعَدُّ الرجل مجرد ضحية لهرموناته، أو كائنًا بيولوجيًّا تُحَرِكَه رغبةٌ جامحةٌ لا يملك السيطرة عليها. بينما المرأة في المقابل مثير خارجي تقع عليها مسؤولية إشعال فتيل هذه الغرائز. 

لا يُعتبر التحديق في النساء خرقًا لقواعدِ الذوق العام إنما استحقاق ثقافي ذكوري ضمني مأمون العواقب

في كتابه المرجعي طُرُق الرؤية/Ways of Seeing، يضع الناقد الفني والسوسيولوجي جون بيرجر يده على الجرح النرجسي للثقافة البصرية الحديثة: الانقسام الجذري بين من يملك الحق في الرؤية، ومن يقع عليه فعل الرؤية.

يؤسس بيرجر لمفهوم النظرة الذكورية/Male Gaze الذي بلورته لورا مولفي، النسوية البريطانية وصانعة الأفلام، باعتباره ليس فقط مُجرد توجيهٍ للعينِ، إنما يعمل كـبنية قوة تَحْكُم كيفية حضور الأجساد في الفضاء. وفقًا لهذه الديناميكية، تتلخص المعادلة الاجتماعية في عبارة بيرجر الشهيرة "الرجال يفعلون، والنساء يظهرن Men act, and women appear".

في هذا المسرح الاجتماعي الكبير، إن جازت التسمية، يتحدد دور الرجل بكونه الرائي/Surveyor؛ الفاعل الإيجابي الذي يمتلك سلطة المراقبة والتقييم. في المقابل، يتحدد وجود المرأة بكونها المرئي/Surveyed؛ الكائن الذي تكتسب هويته معناها فقط من خلال وقوعه تحت طائلة النظر.

يخلق هذا التقسيم انشطارًا في وعي الرجل بالمرأة، وفي وعي المرأة بذاتها، فهي تعيش تحت وطأة مراقبة مزدوجة: مراقبة الرجال لها، ومراقبتها المستمرة لنفسها بعيون الرجال، فتتحول إلى حارسة وسجينة لصورته في آن واحد، وهو ما ينكشف في شهادات ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي.

تتجلى خطورة هذه الديناميكية في الآلية الاجتماعية التي تمنح الرجل ما يمكن تسميته بالحق في النظر. في السياق المصري، وفي الشرق الأوسط عمومًا، لا يُعتبر التحديق/Staring في النساء خرقًا لقواعدِ الذوق العام بأيِ صورةٍ من الصور؛ بل على النقيض، يُتعامل معه كاستحقاق ثقافي ذكوري ضمني، وآمنٍ من العواقب.

عندما يُثبّت رجل عينيه على امرأةٍ في مكان عام، فإنه نادرًا ما يتم تحديه أو مساءلته؛ لأن الثقافة السائدة طَبَّعَت مع فكرة أن المجال العام هو فُرجة للرجال، وأن النساء اللواتي يعبرنه مادة بصرية متاحة للاستهلاك.

هذا الاستحقاق البصري هو الذي يُشَرْعن التحرش. فبمجرد ممارسة الحق المزعوم في النظر دون رادع، يجرد الرجل المرأة من كينونتها كذات/Subject إنسانية فاعلة لها مشاعر وحقوق، ويحولها إلى مجرد موضوع للرؤية/Object of Vision. هذا التحول من الذاتي إلى الموضوعي في النظر إلى المرأة هو بيت القصيد، فالتحرش لا يقع على إنسان، بل يقع على شيء. 

الوصاية على الفضيلة

يعد الحق المزعوم في النظر جزءًا من عقيدة الوصاية الذكورية على الفضيلة في عمق العقل الجمعي الذكوري في الشرق، لا يُنظر إلى المرأة في المجال العام ككائن مستقل بذاته، إنما كيان تحت الوصاية. وفقًا لهذا، يَمْنَح الرجل لنفسه حق القوامة المجتمعية؛ هو صاحب المجتمع والمسؤول عن ضبط إيقاعه الأخلاقي.

حين ترتدي الأنثى ما يُعتقد أنه مُلفت أو تضحك بصوت عالٍ أو توجد في الشارع في وقت متأخر؟ يتحول التحرش من جرم إلى تأديب

في كتابه هذه الشجرة يقول الكاتب والمفكر عباس محمود العقاد (1889-1964) " كل ما هو فردي روحي، أو اختياري إرادي، فهو أقرب إلى خُلق الرجل، وكل ما هو نوعي جسدي أو آلي إجباري، فهو أقرب إلى خُلق المرأة، فمداره على وحي الغريزة أولًا ثم على وحي الفهم والضمير... ومن هنا صح أن يُقال: إن المرأة كائن طبيعي وليست بالكائن الأخلاقي، على ذلك المعنى الذي يمتاز به خلق الإنسان ولا يشترك فيه مع سائر الأحياء. مِسَاكُ الأخلاق الأول عند المرأة هو الاحتجاز الجنسي الذي ألمعنا إليه فيما تقدم، وهو من الغريزة التي يتساوى فيها إناث الحيوان، وليس من الإرادة التي يتميز بها نوع الإنسان بجنسيه"؛ وهو الكلام الذي يكرره بصور عدة عبر أعماله.

تتجلى هذه الهيمنة في تقسيم النساء إلى فئتين بناءً على مدى امتثالهن للتصور الذكوري عن المحترمة التي تلتزم بقواعد الزي والسلوك والصمت، والمتمردة/المستباحة التي تخرق الكود المتفق عليه. هذا يجعل سلامة المرأة في الشارع منحةً مشروطةً وليست حقًا أصيلًا. هي آمنة طالما أنها غير مرئية أو متماهية مع التصور الأبوي الذي يشيئها، وطالما أنها لا تتحدى المعايير البصرية التي وضعها الرجل لما يجب أن تكون عليه الأنثى.

في فيديو مقتطع من برنامج ملفات الوحش يقول مقدمه نبيه الوحش؛ "أنا بقولها مرة تانية واللي يزعل يزعل. البنت اللي مبتحافظش على نفسها وبتدعو الناس إنها تعاكسها. إحنا قولنا البنت اللي قاطعة بنطلونها من ورا على مؤخرتها اغتصابها واجب قومي، والتحرش بيها واجب وطني".

ماذا يحدث حين تكسر المرأة الصورة النمطية؛ حين ترتدي ما يُعتقد أنه مُلفت، أو تضحك بصوت عالٍ، أو توجد في الشارع في وقت متأخر؟ هنا يتحول التحرش من جرم إلى إجراء تأديبي أو ما يُمكن تسميته وفق خالد منتصر ومُنتقدي التيار السلفي نظرية الحلوى المكشوفة.

لم تعد هذه المرأة ضحيةً في عقل المتحرش، وربما في عقل المجتمع المتواطئ معه، إنما أصبحت جانية دنَّست قدسية المجال العام. يُصبح التحرش هنا رد فعل مشروعًا وعقوبة فورية تُوقع على الجسد الذي تجرأ على الخروج عن النص.

يفسر هذا لماذا نجد في كثير من الأحيان التحرش مصحوبًا بوعظ أخلاقي أو شتائم تمس الشرف. وهو ما شاهدناه فيما قاله المتحرش عن مريم شوقي "أنتي تعرفي إيه عن الدين؟ شوفي الأول إنتي لابسة إيه!".

يستحضر هذا أحد حوادث التحرش، قبل سنوات في عام 2015 لسمية عبيد، التي عُرفت بفتاة المول. تعرضت سمية للتحرش في أحد المولات، وأصرت على تسليم الجاني للشرطة، وحُكم عليه بالسجن. في المُقابل شَهَّرت ريهام سعيد، في برنامجها على قناة النهار بالفتاة، واعتبرت أن السبب هو "لبسها الضيق" الذي يشجع الشباب على التحرش.

تتطلب مُقاومة التحرش إعادة تحويل التركيز من الإنسان ككائن بيولوجي غريزي إلى مفهوم الشخصانية personhood أي ذات واعية، حرة، ومسؤولة، تمتلك كرامة غير قابلة للاختزال أو الانتهاك. ووفق هذا الإطار، لا يعود التحرش فعلًا يمكن تفسيره بيولوجيًا أو تبريره ثقافيًا، بل يصبح اعتداءً مباشرًا على الإنسان بوصفه غاية في ذاته لا وسيلة لإشباع الغرائز أو فرض الهيمنة.

إن إعادة النظر وتأطير وترسيخ مفاهيم المجتمع عن الإنسانية والشخصانية ربما تكون طريقًا يُمكن الخروج بواسطته ليس فقط من أزمة التحرش الجنسي المتفشية لكن أيضًا من أزمات العنصرية والطائفية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.