كيف تستفيد مصر من فتح الصين أسواقها للواردات الإفريقية؟
بينما تخيم أجواء الحرب التجارية على العالم، أعلنت الصين قبل أيام عن إعفاء كافة الواردات من 53 دولة إفريقية من الجمارك، بدءًا من مايو/أيار 2026.
يمثل هذا أحد الشواهد على تحولات كبرى في الاقتصاد العالمي، فالصين تستكمل عملية إعادة تشكيل الاقتصاد الإفريقي ليصبح شديد الارتباط بها، كما أنها تسعى إلى الحد من الاعتماد على التصدير محركًا أساسيًّا للنمو.
كيف يمكن لمصر الاستفادة من هذه الفرصة؟ أمامنا مساران، إما أن نستغل هذا الإعفاء في تصدير منتجات منخفضة القيمة، أو أن نحتل مكانة أكثر تميزًا في سلسلة القيمة العالمية.
ربط الصين بإفريقيا.. تجارة في مقابل الاستثمارات
تحوّلت الصين إلى أكبر شريك تجاري لإفريقيا منذ ما يقرب من العقدين باستحواذها على نصيب ضخم من صادرات الدول الإفريقية إلى العالم، وكذلك واردات القارة من العالم الخارجي.
لم تأت هذه العلاقات التجارية الراسخة من فراغ، إنما هي انعكاس لديناميكية في العلاقة تفرض القرب الشديد على الجانبين، فمن ناحية تحتاج الصين للصادرات الإفريقية، بالنظر إلى أن معظمها من المواد الخام، وهي صادرات مناسبة لكيان صناعي هائل الحجم.
ومن ناحية، تحتاج إفريقيا إلى الماكينات والمعدات الصينية، وأيضًا إلى الاستثمار الصيني المباشر في المرافق والبنية الأساسية المرتبطة بالتجارة والنشاط الاستخراجي، وتذهب الصين للاستثمار هناك حتى تضمن استمرار تدفق المواد الخام إليها.
تمثل الصين نحو 17% من وارداتنا والغالب عليها أنها سلع مرتفعة
القيمة
في ظل هذه الديناميكية، نما نصيب الصين من التجارة الإفريقية بسرعة كبيرة على حساب شركاء القارة التقليديين، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وباتت بكين واحدًا من أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر هناك، مضاعِفةً إجمالي استثماراتها من 10 مليارات دولار في 2009 إلى 42 مليارًا في 2023 بما يضعها في المرتبة الخامسة بعد الدول ذات الوجود التاريخي في القارة: هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا.
ويبدو الحضور الصيني مدهشًا، إذ إن استثماراتها في إفريقيا كانت تنمو بوتيرة شديدة السرعة خلال السنوات الأخيرة.
لماذا تفتح الصين أسواقها؟
لنعد إلى قرار الرئيس الصيني فتح أسواق بلاده (ذات المليار وأربعمائة مليون نسمة) للواردات الإفريقية، لماذا؟
الإجابة لا تخلو من السياسة والاقتصاد معًا.
هذا التعهد سياسي بامتياز، ويتصل بالتنافس الأمريكي الصيني الآخذ في الاحتدام، إذ تريد بكين الاستثمار في مركزها التجاري الراسخ تجاه القارة من خلال زيادة تلك الروابط بتشجيع الواردات الإفريقية، خاصة وأن جلها من المواد الخام التي يحتاجها اقتصاد صناعي مثل اقتصادها.
من جهة أخرى، تريد الصين أن تستورد أكثر، بعدما تحوّل فائضها التجاري الضخم، 1.2 تريليون دولار، إلى نقمة في نظر بعض الاقتصاديين الذين يروجون لخفض هذا الفائض حتى لضمان تنوع أكبر في مصادر النمو الاقتصادي، بحيث يشارك الطلب المحلي في خلق النمو ولا يرتكز الاعتماد على الصادرات لدرجة تعرض الاقتصاد للخطر حال توقف التجارة العالمية لأي سبب.
كذلك يدعو هؤلاء الاقتصاديون إلى تحفيز نشاط الاستيراد، على أمل أن يسهم ذلك في تشجيع الدول المصدرة على الحصول على حصيلة صادراتهم باليوان بما يجعل من العملة الصينية عملة التبادل التجاري مع شركائها الكثر، ومن ثم الدفع بتدويل العملة الصينية في مقابل هيمنة الدولار.
الخلاصة من هذا كله أن للصين دوافع سياسية واقتصادية متصلة بلحظة الصراع مع الولايات المتحدة من جهة، والتحول الهيكلي في الاقتصاد الصيني من جهة أخرى، لفتح أسواقها لمزيد من الاستيراد من اقتصادات الجنوب العالمي، وإفريقيا تأتي في المقدمة، فهل يمكن الاستفادة من هذا؟
ماذا عن مصر ؟
تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لمصر، لكن الديناميكية السائدة في إفريقيا لا تتكرر، فنحن لا نحظى بوفرة في المواد الخام مثل بعض البلدان الإفريقية، ولهذا غالبية تجارتنا معها هي استيراد وليس تصديرًا.
تمثل الواردات الصينية نحو 17% من إجمالي وارداتنا من كل دول العالم، والغالب عليها أنها سلع مرتفعة القيمة مثل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والآلات والسيارات، بينما أهم الصادرات المصرية إلى الصين هي الفواكه والخضروات وبعض المعادن!
رغم هذا الأداء التجاري المحبط، فالمفاجأة أننا نستطيع الاستفادة من الإعفاء الصيني الأخير، إذ لدينا الفرصة للدخول في ديناميكية العلاقة بين إفريقيا والصين عبر بوابة الاستثمار.
تشير تقارير إلى أن القاهرة كانت أكبر متلقٍ عربي للاستثمارات الصينية خلال بعض السنوات، وما يميزها هو عدم تركزها، خلافًا للأمريكيين والبريطانيين، في القطاعات الاستخراجية، بل إن جانبًا كبيرًا منها يذهب للتصنيع (وهو بالمناسبة عكس نمط الاستثمار الصيني في غالب الاقتصادات الإفريقية).
التحدي سيكون تحديد وتحسين وضع المنتجين المصريين في سلاسل القيمة التي تقودها شركات صينية كبيرة
تحتاج الصين لنقل جزء من نشاطها الصناعي إلى مصر، وربما المثال الأبرز على ذلك المنطقة الصناعية المصرية-الصينية (تيدا) التي تأسست مؤخرًا في المنطقة الاقتصادية في قناة السويس، وتراهن الحكومة عليها لجذب صناعات خاصة المرتبطة بالطاقة المتجددة.
يمثل "تيدا" واحدًا من الأمثلة الواعدة على تعميق العلاقة بين الجانبين، فهو يقوم على أساس نقل الصين لجانب من العملية الإنتاجية إلى مصر، بمعنى أن تتحول مصر لجزء من سلسلة القيمة التي تبدأ من الصين وتنتج سلعًا تُصدر إلى كافة دول العالم، أو يُعاد توجيهها إلى السوق الصينية في حال اتجاه الصين إلى الاستهلاك كمصدر للنمو أو كجزء من عملية إعادة التصدير.
وتستهدف بعض سلاسل القيمة الصينية إنتاج سلع نهائية تغذي السوق الصينية ذاتها، على أن تكون بعضٌ من مراحل إنتاجها في بلاد مثل مصر، ساعتها سنستفيد من إعفاء الصادرات الذي أعلنت عنه بكين مؤخرًا.
جرى هذا مع جيران الصين الجنوبيين مثل كمبوديا ولاوس وفيتنام، بل وفي إفريقيا في بلدان مثل إثيوبيا وكينيا ممن احتلت حلقات في سلاسل القيمة الصينية، لا سيما في الصناعات كثيفة العمالة مع ارتفاع الأجور في الصين.
يفتح هذا مجالًا أمام الموردين المصريين -حال تهيئة الظروف- لاحتلال مثل هذه المواضع التي تتيح تبادلًا تجاريًا مع الصين في السلع الوسيطة التي باتت تشكل نحو 43% من إجمالي التجارة العالمية، بما ينسجم مع غلبة سلاسل القيمة على الإنتاج والتوزيع في العقود الماضية. فلا ينتظر أحدهم أن تتوسع مصر في تصدير سلع نهائية إلى السوق الصينية التي تنتج كل شيء.
لذا سيكون التحدي اللاحق تحديد وتحسين وضع المنتجين المصريين في سلاسل القيمة التي تقودها شركات صينية كبيرة، والاستثمار في شراكات مع القطاع الخاص المصري (بما في ذلك التعليم والتدريب اللذان لا يحظيان بأي أولوية حقيقية كما نعلم جميعًا) مع تحسين شروط التفاوض مع الجانب الصيني فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا والمهارات للموردين المصريين.
ساعتها فقط يمكن لمصر أن تجني ثمار النفاذ إلى الأسواق الصينية بدون جمارك بشكلٍ يضمن نقلةً نوعيةً في محتوى ما ننتجه ونصدره للعالم، وبما يعظّم من العائد المنتظر لبلد بأهمية مصر، التي تظهر بجلاء في استراتيجية الصين الحزام والطريق.