"رأس الأفعى".. فزَّاعة وشمَّاعة درامية عن تاريخ حي لتنظيم يحتضر
من يتابع مسلسل رأس الأفعى عن وعي، ويضاهي ما ورد فيه بمغزى رسالته الراهنة، سيطرح رأسُه أسئلة من قبيل: هل لا تزال جماعة الإخوان تشكل خطرًا على السلطة والمجتمع بما يستوجب تذكير الناس بأفكارها وأفعالها عبر دراما تليفزيونية كُتبت قصتها وأعد لها السيناريو والحوار من ملفات جهاز "الأمن الوطني"؟ وهل سيكون لهذا المسلسل التأثير نفسه الذي تركته سلسلة الاختيار أو مسلسل الجماعة الذي كتبه الراحل القدير وحيد حامد في جزئين؟
ابتداءً لا ينكر الباحثون والسياسيون والنشطاء أن هذه الجماعة طالما مرت بمحن شديدة ظن الناس معها أنها مضت إلى غير رجعة، ورأوها واقفةً على باب الاحتضار، ثم بُعثت مجددًا أقوى مما كانت، ضمن ما أُطلق عليه "التطور الحلزوني للحركة السياسية الإسلامية".
تاريخ السقوط والصعود
لكن عموم الناس قد لا يتذكرون هذه التفاصيل، ولا يقفون على أن الجماعة اقتاتت على "المظلومية" وبالغت في شكايتها ونسجت حولها أساطير أحيانًا، واعتبرت المحنة منحة، وعاشت طويلًا في مرحلة تسميها "الصبر" دون أن تنسى سعيها إلى "التمكين"، وإلا كيف وصلت إلى الحكم بعد ثورة يناير 2011؟
لكن هذا لا يمنع من التساؤل: هل لا تزال الجماعة على توعكها الشديد، بعد سجن قياداتها وهروبهم إلى المنافي ومصادرة أموالها، قادرةً على أن تشكل خطرًا يستدعي تقديم مسلسل عن أحد أبرز قياداتها وهو محمود عزت، وإطلاق لقب "رأس الأفعى" عليه، وهو الآن يقبع مريضًا متهالكًا على باب الموت في زنزانته؟
قبل طرح هذا السؤال، ألا يجب أن تسأل السلطة نفسها: من الذي كان يعطي الإخوان قبلة الحياة وهم على مشارف الموت الاجتماعي والسياسي كل مرة؟ ومن الذي يكسبهم بأفعاله تعاطفًا من جديد؟ ومن الذي يُخلي الساحة أمامهم، دون قصد أو عن عمد، لتتاح لهم فقط، مع الجماعات الجهادية والسلفية، فرصة بناء "مجتمع عميق" في وجه "الدولة العميقة"؟
الإجابة معروفة، شاهد عليها أحياء من الساسة، ومسجلة في كتب التاريخ الحديث والمعاصر، أن السلطة الحاكمة في مصر هي من استعاد الإخوان. فبعد ترنح الجماعة باغتيال مؤسسها ومرشدها الأول حسن البنا، والتضييق عليها في أواخر أربعينيات القرن العشرين، جاء ضباط يوليو 1952 ليتفاهموا معها مرحليًا، كي يوظفوها جناحًا اجتماعيًا وقت أن كانوا مجهولين لهم في وجه الأحزاب القديمة، حتى توهم الإخوان وقتها أن الضباط يعملون لصالح جماعتهم، أو هم من الجماعة، وطالبوا بشراكة في السلطة، فوقع الصدام بين حلفاء الأمس مرتين في 1954 و1965.
على مدار ثلاثين عامًا صنع مبارك من جماعة الإخوان فزاعةً للداخل والخارج
وبعد أن ضعفت الجماعة، ليس عن مطاردة وإقصاء فقط، إنما لأن نظام الرئيس جمال عبد الناصر قدَّم للمصريين مشروعًا أغناهم سنوات عن النظر إلى طرح الإخوان أو غيرهم، وملك على الأغلبية أفئدتها وعقولها، جاء الرئيس أنور السادات ليستعيد الإخوان، وهو يبحث عن قوة اجتماعية يواجه بها اليسار المصري القوي وقتها، بشقيه الناصري والاشتراكي، ثم أوعز بقيام "الجماعة الإسلامية" وفتح أمامها الجامعات والمجتمع لتحاصر اليسار.
سمعت في إحدى الندوات المرشد الأسبق للجماعة مصطفى مشهور وهو يقول: حين طلب الرئيس السادات من المرشد الأستاذ عمر التلمساني إحياء الجماعة، طلب مني النهوض بهذه المهمة باعتباري عارفًا بالتنظيم. وكان بحوزتي كشكول يحوي أسماء الأعضاء العاملين خبأته في مكان سري، فلمَّا رحت أستعرض الأسماء، لم أجد على قيد الحياة منها سوى خمسمائة شخص، وحين اتصلنا بهم كي يعودوا، رفض بعضهم الامتثال، وقالوا إنهم قد طلّقوا السياسة إلى غير رجعة.
تحت سمع السادات وبصره أعاد الإخوان إحياء تنظيمهم، وجاء عبد المنعم أبو الفتوح ليضخ في أوردته دماء جديدة عفية، وألحق بالإخوان الآلاف ممن كانوا ضمن "الجماعة الإسلامية" ليعده البعض المؤسس الثاني لجماعة الإخوان.
بعد التضييق على الإخوان مرة أخرى في أواخر عصر السادات لاعتراضهم على اتفاقية السلام مع إسرائيل، عادوا على مهلٍ في عهد حسني مبارك، متخذين هذه المرة النقابات المهنية والاتحادات الطلابية والجمعيات الخيرية وسيلةً للتمدد الاجتماعي، والصعود السياسي المتمهل، فشاركوا مع الوفد في انتخابات 1984، ومع حزبي العمل والأحرار في انتخابات 1987، وطرحوا أنفسهم بديلًا لنظام مبارك الذي اضطر إلى إبرام صفقة معهم قبيل انتخابات 2005، في ظل الضغوط الأمريكية الشديدة عليه من أجل الإصلاح.
على مدار ثلاثين عامًا، صنع مبارك من جماعة الإخوان فزاعةً للداخل والخارج؛ حرص على الاستمرار فيما سبق لسلفيه، السادات وعبد الناصر، من محاصرة التيار المدني، الذي يطالب بتداول السلطة والتعددية الحقيقية والانتخابات النزيهة الحرة والحد من الإفراط في نمط الحكم الرئاسي والاهتمام بالحريات العامة ومحاربة الفساد، فانفتحت الساحة للتيار الديني، الذي يجعل من أي أذى يلحق به مظلمة، ويملأ أي فراغ اجتماعي أو فكري تتركه السلطة، ويستغل منابر الوعظ والعمل الخيري للتواصل مع الجماهير، حتى صار هو البديل لنظام مبارك، وهو ما ظهر عقب ثورة يناير.
هذه الفزاعة استمرت عقب الإطاحة بحكم الإخوان، مستندةً هذه المرة إلى شيء حقيقي لا يمكن إنكاره، إذ قصدت الجماعة إحداث اضطراب اجتماعي وسياسي بالعودة إلى العنف، وصارت معضلةً أمنيةً، فأزاحها نظام الحكم من خانة التحدي الذي يمكن التعامل معه سياسيًا بمراوحة بين الاستبعاد والاستيعاب، إلى خانة الخطر على الأمن القومي، بل صعد بتصوره هذه ليضع "الإخوان المسلمين" في خانة "العدو الاستراتيجي"، حتى لو لم يعلن ذلك بشكل واضح وفاضح.
المواجهة على الشاشة
في ظل التصور الأخير، صُودرت أموال الجماعة لحرمانها من الركيزة الاقتصادية التي تعتمد عليها وتوظفها للإبقاء على حظوظها الاجتماعية والسياسية. كما نُظمت حملات إعلامية صاخبة ضد أفكارها وتدابيرها، رأيناها في كتب ودراسات ومقالات وتغطيات صحفية بين الخبر والتقرير والتحقيق، ثم في برامج التفلزة والأفلام الوثائقية، امتدادًا للخطاب السياسي الرسمي، ولم يكن أغلب الناس في حاجة إلى هذا، إذ رأوا بأعينهم كيف تحول الإخوان من وعد إلى كارثة.
في رِكاب هذا كله من الطبيعي أن تُوظّف الدراما التليفزيونية جزءًا أصيلًا من الدعاية والخطاب المضاد للإخوان، فمنذ إطاحة حكمهم، حتى الآن، لا يخلو رمضان من مسلسل يتناول الجماعة، ولا يكتفي بالجانب الفني، حيث القصة والسيناريو والحوار، إنما أيضًا اللقطات الواقعية من الشارع التي تقدم وقائع ارتكاب الجماعة للعنف اللفظي والمادي، وبعض ما دار في المكاتب، والتسجيلات المصورة والهاتفية والرسائل الإلكترونية، وهو النمط الذي نراه متجسدًا في مسلسل "رأس الأفعى".
يركز المسلسل هذه المرة ليس على الفكر والسلوك الإخواني، بشكل عام، إنما يتخذ من قيادة إخوانية كانت لها يد طولى في إدارة التنظيم وتمكين الجناح القطبي المتشدد من مفاصله، وهو محمود عزت بطلًا دراميًا، حيث ركز المسلسل من خلاله على فترة زمنية محددة، وهي التي أعقبت إطاحة حكم الإخوان، دون غوصٍ في أعماق المشكلة، أو مناقشة أفكار الجماعة، أو توضيح موقف الرأي العام الآن منها.
في المرتين اللتين تحالفت فيهما الجماعة مع الضباط لم تكن نية الإخوان خالصة لصالح الشعب
وبينما يؤنسن المسلسل خصوم الإخوان، ويقدمهم في صورة طبيعية بهية، يشيطن الإخوان، ويضعهم أمام المشاهد منزوعي السياقات التي صنعتها السلطة لهم بعلاقة تفاوتت من التحالف إلى التفاهم، وانزلقت أحيانًا إلى التواطؤ، كي يظلوا طوال الوقت فزاعة لتخويف الآخرين، وشماعة يُعلق عليها أي إخفاق.
هل معنى هذا أن الإخوان لا يستحقون النقد؟ أو لا يتطلبون اليقظة في مواجهتهم؟ الإجابة هي: لا، فالجماعة مثلت طوال الوقت عقبة أمام التطور الديمقراطي، بتحالفاتها مع الضباط مرتين: 1954 لضرب الأحزاب، و2011 لتفريغ ثورة يناير من مضمونها المدني، ومحاولة تحويلها إلى مجرد وسيلة لإنفاذ مشروع "التمكين" الذي تتبناه الجماعة. وحين صعدت إلى السلطة مستغلةً ديمقراطية ما بعد ثورة يناير، راحت تتخذ من التدابير ما يدل على أنها ستغلق الباب خلفها، وهو ما كان الناس يعبرون عنه بمجاز يقول: اتخذ الإخوان من الديمقراطية سلمًا للصعود إلى السلطة، فلما صعدوا سحبوه خلفهم.
في المرتين اللتين تحالفت فيهما الجماعة مع الضباط لم تكن نية الإخوان خالصةً لصالح الشعب، رغم شعارهم "نحمل الخير لمصر"، إذ لم يفكروا في أي خير إلا لجماعتهم، وأخذوا يتصرفون على اعتبار أن الحكم تعويض عن ثمنٍ دفعوه، وكأن القوى الأخرى لم تدفع أثمانًا، وكأن الشعب نفسه لم يدفع الثمن الأكبر جراء ما لحق به من قهر وفقر.
إذًا نقدُ الإخوان ضرورة، ولو كان عند بقيتهم شيء من حصافة وحكمة لأدركوا أنهم جماعة لم تقم بأي نقد ذاتي على مدار تاريخها، فحتى كتاب مرشدها الثاني حسن الهضيبي دعاة لا قضاة كان مجرد جسر لعبور أزمنة أكثر منه تحول حقيقي في التفكير والتدبير.
فهل يقدم مسلسل "رأس الأفعى" هذا النقد المطلوب حقًا؟
شماعة منتهية الصلاحية
يثير المسلسل إشكاليتين؛ الأولى هي أن النقد المؤثر لأفكار الإخوان وأفعالهم لا يكون على هذا النحو العابر، لا سيما إن كان يستهدف إقناع مشاهد لم يعد يرى الأمور الآن مثلما كانت أيام حكم الجماعة وفي أعقاب إطاحته. فكثير من المصريين اليوم يتحدثون عن أن السلطة السياسية الراهنة تتخذ من الإخوان فزاعةً لتبرير قبضتها الأمنية الصارمة على المجتمع كله، أو شماعة تعلق عليها كل الإخفاقات الناجمة عن سوء الإدارة، وفشل السياسات العامة.
يرى قطاع عريض من الناس أن تنظيم الإخوان إن تم إحياؤه فسيكون هذا بيد السلطة نفسها
وإذا تتبعنا تعليقات الجمهور على الأخبار والإعلانات والمقاطع التي تبث على السوشيال ميديا من هذا المسلسل سنجد رفضًا للتعامل مع الإخوان على أنهم يمثلون الآن مشكلة مجتمع يعاني من الفقر والحرمان والقهر، لا سيما وأن كثيرين يقدرون أن تاريخ الإخوان إن كان لا يزال حيًا في أذهان من عاصروه عقب ثورة يناير، فإن التنظيم نفسه يحتضر، بعد إجراءات صارمة ضده، أدت إلى تشتته وانشقاقه واختبائه، وتشويه صورته.
ويرى قطاع عريض من الناس أن تنظيم الإخوان إن تم إحياؤه فسيكون هذا بيد السلطة نفسها، إما لأنها تعمق مظلوميته، فيستغلها هو في كسب تعاطف جديد، أو لأنها قد تلجأ مستقبلًا إلى التفاهم معه، مثلما حدث من قبل، لأي ظرف مشابه لما بعد يوليو 1952 مباشرة، أو خلال أيام السادات.
أما الإشكالية الثانية فتتعلق بتساؤل عما إذا كانت مواجهة الإخوان عبر المسلسلات صارت هي "الدراما الوطنية" للعهد الحالي، بعد اعتياد الناس على مسلسلات مستمدة من ملفات جهاز المخابرات العامة، مثل دموع في عيون وقحة ورأفت الهجان والسقوط في بئر سبع.. إلخ، أو حتى الدراما الهادفة التي واجهت التطرف الديني مثل مسلسل العائلة أو "الجماعة" لوحيد حامد، أو الأفلام السينمائية التي جسدت الحروب التي خاضها الجيش المصري ضد إسرائيل.
إن الفرق بين حماس المشاهدين لمسلسل صحاب الأرض، وما فيه من عمق فني وعظم فكرة ومعنى، وفتورهم إزاء مسلسل "رأس الأفعى"، يقدّم إجابات لمختلف التساؤلات والهواجس التي سبق ذكرها، وفيه أيضًا طلب لصناع الدراما في مصر: ألا يوجد في كل ما يحيط بمصر من مخاطر يتحدث عنها الساسة ليل نهار، ما يدفع إلى تقديم حتى لو مسلسل واحد عن كل هذا؟!
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.