تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الونش يرفع عربة ترام الإسكندرية خلال عمليات تطويره، 2026

عربة ترام بين مخالب الونش.. ماهرون في إنجاز ما لا نريد!

منشور الثلاثاء 3 آذار/مارس 2026

سيبقى الشِعر ضرورةً ما بقيت رغبتنا في الإمساك بجوهر الأشياء. بوسع الشعر الجيد أن يستقطر في كلمات قليلة مجلدات من النثر ويجعلنا نفهم العصي والغامض، لهذا أذهب إلى الشعر كلما اتسعت الحيرة.

هكذا وجدتني هذا الصباح أستل من رف الشعر بمكتبتي ديوانًا لوليد خازندار، وهو شاعر أنصح القارئ بأن يأخذ خطوة باتجاهه، فيبحث عنه ويقرأه، لأنه كشاعر لا يفعلها، فهو يكتب قصيدته فحسب كأن الشعر فعل سري يخصه وحده. في ديوان "أفعال مضارعة" وجدت الكثافة التي تفسر وتُقطِّر الواقع:

عزمُك عزمُك، قد وصَلنا

لم تَبْقَ أمامَنا

غيرُ المتاهةِ هذه، بَعدَها، حَسْبُ، صحراءُ.

الصحراء التي يعنيها وليد خازندار يتسع تأويلها لتشمل الخريطة من المحيط إلى الخليج، وربما تشمل الكرة الأرضية، ويمكن أن تضيق فتصبح غزة، وقد تنبأ الشاعر بما وصلت إليه غزَّة بعد حرب الإبادة الصهيونية، فهو غزاوي، اضطر للعيش في الكثير من البلاد باستثناء فلسطين، لكنني مصري، وكنت الليلة أحلم بأنني في مكان آخر!

حلم ليلة شتاء 

كنت في مدينة ما، بدولة ما. لديَّ رغبة غير واعية في عدم العودة إلى القاهرة. وقد جعلتني تلك الرغبة أتجاهل موعد سفري، وبعد ساعات من الإقلاع الفعلي للطائرة بدأت أحاول كتابة رسالة إلى شركة الطيران لتأجيل رحلتي، على أمل يائس بأن تقبل الشركة عذرًا لتخلفي عن الرحلة، ولا أضطر لشراء تذكرة عودة جديدة.

الحياة لا تقبل الفراغ وفي غياب المؤسسات التي تراقب أعمال السلطة التنفيذية وتحد من جموحها كان لفيسبوك أن يتقدم ويملأ الفراغ

استغرقت محاولة كتابة الرسالة الليل بطوله، كلما عثرت على قلم أجده جافًا يشرخ سطح الورقة دون أن يكتب، أطوح به بعيدًا وأبحث عن غيره فأجده على الحال نفسها، أبحث عن ثالث فيخط حرفًا متقطعًا، وتلوح إمكانية الكتابة لكن الورقة ليست بيضاء، ثم أنتبه إلى أن الرسالة التي أريدها إلكترونية، وأتعجب كيف أزعجت نفسي بالبحث عن أقلام لا تكتب وأوراق ملطخة بكتابة أخرى؟!

مددت يدي إلى تليفوني، لكن المفاجأة أنه كان من نوع أريكسون أول تليفون محمول امتلكته قبل ثورة الهواتف الذكية والإنترنت!

عيب الكوابيس أن حجم الخوف والحزن فيها لا يتناسب مع حجم الصعوبة التي نواجهها، تصوراتنا غير الواعية عن الأزمة هي التي تخلق رعبها؛ لهذا قد يفوق حزن وغضب خسارة تذكرة عودة حزن العجز عن الفرار من وجه الموت أو العجز عن إنقاذ طفل من أمام جرَّافة أو دبابة إسرائيلية.

الميزة الوحيدة لعجز الكوابيس أننا نستيقظ فجأة فتنقطع الأحزان والمخاوف. وهكذا انتهت فجأة أحزان ليلة طويلة سببها العجز عن كتابة رسالة بسيطة من سطرين، لكن الصبح لم يأت بفرحة النجاة، كما في كوابيس أخرى، حيث تذكَّرت حزن الصحو السابق على النوم، الذي تسبب في الكابوس وجعل تفسيره سهلًا.

للأسف، مصنع كوابيسي ليس بعيدًا، ومواده الخام ليست من ذكريات قديمة فحسب؛ المصنع قريب، يُدبِّر وقوده من حزن وآلام النهار نفسه. وكنت قد نمت على متابعة آخر تطورات مذبحة ترام الرمل كما تجلت في الصفحات الشخصية وجروبات فيسبوك المخصصة للكفاح ضد مشروع تطوير العنوة.

سلطة ما لا يريده الناس

بات فيسبوك بديلًا لصحافة وتليفزيون وبرلمان ومحاكم الناس، لأن الحياة لا تقبل الفراغ، وفي غياب المؤسسات التي تراقب أعمال السلطة التنفيذية وتحد من جموحها كان لهذه الوسيلة الجماهيرية أن تتقدم وتملأ الفراغ.

في كل سوابق تطوير العنوة نرى أفعال العمال وعلينا أن نُخمِّن وجود الآمر والحكمة من الفعل وعلته

والسلطة التنفيذية نفسها لم تعد مجرد كيان يتمتع بالشطط والتنفيذ الجزافي لقرارات مصيرية، بل صارت بلا وجه، متعالية وخفية كالله، علينا أن نؤمن بوجودها كما نؤمن بالله الذي نعرفه من خلال جمال الكون.

وإن كنا لا نرى السلطة فإنها تتجلى من خلال قراراتها وأفعالها، يديرها أفراد ماهرون في معرفة ما لا يريده الناس لتنفيذه، ولديهم أدواتهم تجعلنا نستحضر عظمتهم، من آلات جز الأشجار وجرافات رفع القضبان التي يقودها عمال مسيرون كالملائكة أو كالشياطين يطيعون الأوامر، عندما يعملون يفقدون طبيعتهم البشرية التي جعلت آدم يجادل خالقه، لكنهم يستردون آدميتهم عندما تنتهي وردية عملهم فيكتشفون أنهم ارتكبوا خطيئة بحق أنفسهم.

هؤلاء العمال هم من بين أكثر المتضررين بإلغاء وسائل النقل العقلانية التي تناسب دخولهم الهزيلة، ومن بين أكثر المتأثرين صحيًّا ونفسيًّا من اختفاء الأشجار، وأنهم من الفئات التي لن يتسنى لها شرح ما تعنيه كلمة "شجرة" أو كلمة "عشب" لأطفالهم، لأنها بهذا المعدل ستختفي إلا من كمباوند بالمدينة أو قرية مصيفية، وكلاهما ليس في مقدور هؤلاء العمال.

في كل سوابق تطوير العنوة نرى أفعال العمال وعلينا أن نُخمِّن وجود الآمر والحكمة من الفعل وعلته. وعندما تتزايد الحيرة نجد على الأكثر بيانًا على صفحة فيسبوك لمحافظة أو هيئة، الذي صار ساحة يلتقي فيها من يجهلون بعضهم بعضًا الحاكم الذي يأمر والمحكوم المستغرب الأوامر، ومن المنصة ذاتها تستمد الصحافة والتليفزيون أخبارهما وتتشجع أحيانًا فتوسع من طوقها قليلًا عندما ترى الغضب الفيسبوكي.

حجج السلطة

في أزمة ترام الرمل هذه، أرسلت الصحافة إشارة حياة، فنشرت بعض زوايا رأي وبعض تغطيات استخدمت الصور التي يستخدمها ناشطو القضية على صفحاتهم على فيسبوك، وهي صور المسار الأخضر للترام بعشبه وزهوره وأشجاره إضافة إلى الصورة التي أصبحت أيقونية: صورة العربة المُعلَّقة بالهواء مثل ذبيحة في قبضة الونش.

ترام الإسكندرية، فبراير 2012

هذه الصورة بوسعها إزعاج نوم كل من له قلب بكوابيس الحزن والعجز، وقد صارت أيقونية لأنها تنطوي على مفارقة رهيبة؛ فالعربة والونش من مادة واحدة. لكن الإحساس بالحديد الأزرق الذي احتضن الناس على مدى 160 عامًا غير الإحساس بالحديد الأصفر الذي اقتحم سجادة الحشائش والزهور ليزيلها ويزيل الشجرة والترام، ويجرِّد الإسكندرية من حنانها.

أكبر الحجج في بيانات السلطة هي ادعاء تقادم المنظومة وعدم وجود قطع غيار، والقول بأن التطوير موصى به من بيتي خبرة فرنسي وألماني وأساتذة من جامعة الإسكندرية. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من أين تأتي سويسرا وألمانيا والبرتغال وكندا وبلاد الواق الواق بقطع غيار منظوماتها القديمة؟ وهل اجتمع بيتا الخبرة والأساتذة السكندريون هكذا على غير موعد ووجدوا ترام الرمل لطخة في جبين العصر فأوصوا برفعه فوق الكباري؟

ما أسماء الأساتذة لنعود إليهم ونناقشهم ويتحملوا أمام الرأي العام مسؤولية مشورتهم؟ وهل قدَّم بيت الخبرة الأجنبي استشارته تطوعًا لكي نُصدِّقه أم قبض وخطط لما أراده الزبون؟ ولماذا لا يعمل البيت الفرنسي الجاحد لصالح دولته فيوصي برفع تروماي باريس فوق الكباري ولماذا لا ينصح البيت الألماني حكومته بشعلقة شبكة ترام برلين المهولة فوق الكباري وإفساح ما تحتها للقمامة؟!

لماذا تتعامل الحكومة وكأنها في قضية "قايمة ونفقة" مع الشعب بتجري تخبي العفش؟!

من بين أصوات شعب الإسكندرية يبرز صوت المحامي محمد فتوح. محام يقف كل يوم أمام المحاكم ولم يزل يؤمن بالقانون. هذا فأل حسن. وقد رفع دعوى لوقف أعمال إزالة قطار الرمل، طاعنًا في الإجراء، وفي التقدير البخس لعربات وأسلاك وكل مكونات الشبكة العريضة التي طالتها كلمة "التخريد" أي بيعها خردة. وعاد محمد فتوح إلى متابعيه من جلسة هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري بالإسكندرية يوم الأحد 22 فبراير/شباط مستبشرًا بقبول الهيئة لدفوعه وقرارها طلب مستندات من هيئة الأنفاق، وتحديد جلسة قادمة بتاريخ 8 مارس/آذار، ثم استمر كغيره من الناشطين السكندريين في متابعة أعمال الهدم السريع دون انتظار لقرار المحكمة.

بعض أسى الرافضين لما يُسمى تطويرًا لم يخل من روح الفكاهة كعادة المصريين. إحدى المدافعات عن الترام وضعت صور التجريف المتسرع وتساءلت: لماذا تتعامل الحكومة وكأنها في قضية "قايمة ونفقة" مع الشعب بتجري تخبي العفش؟!

ما فعلته الكباري بالمدن

الكابوس الحقيقي أن التدمير الحضري الذي سيصاحب تغيير ترام الرمل ليس حالة خاصة، فتدمير البيئة الحضرية في القاهرة كان الأسبق، ولم تزل القاهرة وكل المدن عرضة لتقليص المساحات الخضراء في فضاءات المدن وحدائقها وإقامة مطاعم تستخدم أنوارًا ولافتات قامعة، في وهجها نرى ثقل يد السلطة وتحالفاتها.

أعادت أوروبا بناء الترام بعد دراسات استراتيجية عميقة أكدت حاجة البنية المرورية إلى هذه الوسيلة على سطح الأرض

استخسار الفضاء المجاني في الناس أمر مدهش، وما يجري ليس تقليص الفراغات القديمة فحسب، بل البناء الجديد. هياكل العمارات التي ترتفع على عجل حول المحاور المرورية والطرق الدائرية تقام لصق الطريق السريع، بلا مسافة كافية لطريق بطيء أو موقف سيارات وسياج زرع يمكن أن يقي عمارة كهذه من تريلا تفقد كوابحها، وبالأمس فقط شُقت هذه الطرق بهدم بيوت المواطنين العشوائيين الذين لم يتركوا فرصة لتوسعات!

سيضاف هذا العمران البخيل إلى مآسي مدننا وليس ببعيد ما صنعته الكباري بالقاهرة ويمكن معاينة آثاره الباهرة. الوجع حديث أحدث من أن يُنسى، لكن إذا ما قارنا ترامًا بترام؛ فيجب ألا ننسى أن القاهرة تمتعت بالترام أيضًا وصار اليوم كأنه لم يكن.

تأخرت عن الإسكندرية بعقود، حيث تأسس ترام القاهرة عام 1896، وظل الوسيلة الأساسية للنقل حتى حركة يوليو المباركة. لم يتأخروا كثيرًا وبدأ تفكيك أجزاء من شبكة وسط القاهرة عام 1965، واستمر التفكيك في الستينيات. ربما كان هناك عذر لأن التوجه كان عالميًّا بإفساح الطرق للسيارات، لكن الدول الأوروبية التي أزالت الترام بين الأربعينيات والستينيات مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وإنجلترا عادت في الثمانينيات والتسعينيات إلى تركيب الترام السطحي كما كان بعربات جديدة بعد دراسات استراتيجية عميقة أكدت حاجة البنية المرورية إلى هذه الوسيلة على سطح الأرض، ولم يزل مشروع الترام يتوسع في تلك الدول.

ترام ستراسبورج، فرنسا، 2009

مجرد مراجعة تجربتي ترام ستراسبورج وقطار مانشستر السريع تؤكد أن أوروبا مرت بما أقدمنا عليه وتراجعت عنه، وليس من الحكمة تكرار أخطاء الآخرين. وسوف تثبت الأيام أن بناء شبكات الترام في المدن الجديدة التي يمر بها المونوريل ضرورة لضمان تشغيله والاستفادة من الاستثمارات التي تكلفها المشروع.

فائض القوة في ذراع السلطة يعفي من التفكير في البداية، ويقطع فرصة المراجعات والتقييم اللاحقة، لهذا استمر القضم من الشبكة المصرية خلال الثمانينيات والتسعينيات، حتى انحسر الترام في شرق القاهرة، إلى أن أزيل نهائيًّا عندما تقرر تحويل العاصمة العريقة إلى ممر للجديدة، فانتهى الترام كأن لم يكن.

كل ما يجري الآن من عبث غير عقلاني بالعمران والنقل جذوره هناك، في يوليو 1952، الفرق الوحيد يتمثل في السرعة، هو محض الفرق بين الدورية الراجلة في الماضي والراكبة المستعجلة اليوم.

ليست لدينا القوة الاقتصادية التي تتمتع بها أوروبا وجعلتها قادرة على تصحيح خطأ في التقدير ارتكبته حكوماتها ذات يوم. هذه الوتيرة من الأخطاء لن يبقى معها في النهاية سوى محض صحراء، حذَّر منها الشاعر.

والأمل معقود على الاستجابة لنداءات إنقاذ ترام الإسكندرية، بل والعودة عن خطأ رفعه من القاهرة لأنه وسيلة نظيفة أثبتت كفاءتها على مر الزمن، ويجب بالتوازي إعادة النظر في سياسة تقليص الفضاء العام ونشر عشوائية المقاهي. ومهما ارتفعت الحكومة في السماء بوسعها ذات مرة أن تستجيب؛ فالله جل شأنه أعلى، وهو في علاه يستجيب للدعاء!