تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
ميدان العتبة بالقاهرة؛ متحف الرثاثة

موقع الثقافة بين خيارات أهل الأمانة

منشور الثلاثاء 7 نيسان/أبريل 2026

في الأيام الأولى للعرض المسرحي يا أهل الأمانة على المسرح القومي لم أجد في نفسي دافعًا لتحريك قدم خارج عتبة البيت بسبب الحرب. لكنني بعد أيامٍ من الإنهاك العصبي، وجدتُ في الحرب نفسها الدافعَ لمشاهدة عرض مسرحي حتى أشعر أننا موجودون، ثم اكتشفت أن العرض ليس بعيدًا عن الحرب.

مبدئيًا، من أجل الذهاب إلى المسرح القومي في ميدان العتبة، لا بد من التأهب لحرب خاصة مع أغرب وأثقل ظاهرة عشوائية تحاصره، ولا يمكن فهم السكوت على احتلال الباعة لواحدٍ من أهم ثلاثة ميادين بالقاهرة إلا بوصفه عقابًا تتعرض له المدينة وسكانها دون اكتراث بقيمة أو معنى ودون تخوف من كوارث إنسانية قد تسببها هذه العشوائية، فأقل شرارة نار يمكن أن تتسبب في موت المئات بسبب التدافع فحسب.

منذ زمن لم أتمكن من الوصول إلى المسرح القومي، فأخذت أتكهن: أي الأبواب لا تزال مفتوحة، وضعت خططًا ورسمت مسارات، ثم تذكَّرت محطة المترو تحت المسرح حلًّا لتقليل الخوض في الزحام، وليتني ما تذكرت!

متحف الرثاثة

جانب من سوق العتبة في وسط القاهرة، يناير 2026

على مدار عمر المترو لم تدفعني الحاجة إلى التعرف على محطة أنفاق العتبة، حتى بعد افتتاح الخط الثالث الذي ألجأ إليه أحيانًا، أعبرها دون النزول فيها، لهذا صدمتي كانت كبيرة من فوضاها عندما قصدتها ليلة العرض.

من حيث التخطيط، هي الأصعب على فهم منطقها بين ما عرفت من محطات الأنفاق في حدود المدن التي زرتها، ومن حيث الصيانة والنظافة تبدو مكانًا مهجورًا في مدينة مدمرة، رغم الآلاف الذين يتخابطون في جنباتها وعدد أكشاك البيع بإضاءتها الفاجرة ورثاثة معروضاتها.

الممرات طويلة والتفافاتها غير منطقية يزيدها تعقيدًا إغلاق بعضها. كنت قد تحسّبت للصعوبة التي سأواجهها فوق الأرض عندما أقدمت على هذه المغامرة، فاخترت الذهاب قبل موعد العرض بنحو ساعة، لكن صعوبات ممرات المحطة تحت الأرض كادت تبتلع الساعة. في لحظة يأس أحسست أن دوراني العبثي لن ينتهي وسط عشوائية عنيفة يزيدها تهديدًا تناحر مكبرات الصوت في الأكشاك.

تبدو الفوضى التجارية في قلب هذه المحطة متحفًا للرثاثة، لكنها ليست منقطعة عن فوضى وعنف الشارع فوقها، بحيث يمكن اعتبارها النبع الذي يتفجر من تحت الأرض، فيغمر شوارع القاهرة بالرثاثة التجارية التي لم يستعص عليها مكان، ولم تترك ميدانًا أو ناصيةً دون انتهاك.

وجود الحديد ضروري كبديل عن القانون لمنع تقدم العشوائية إلى جنبات المسرح

سرت وراء بعض السائرين، يخذلنا انغلاق المخرج الذي قصدناه فنرتد إلى غيره، حتى أمسى الخروج إلى سطح الأرض غاية المراد مهما كانت المسافة بين المخرج وبوابة المسرح. وقد تحقق هذا أخيرًا بعد ضياع ثلثي الزمن الاحتياطي، وجدت نفسي فوق الأرض في المخرج القريب من شارع الجمهورية، وبقي أن أصارع وسط حشود سطح الأرض، وأخذت بين خطوة وأخرى أسأل من أتوسم فيه المعرفة عن الباب الذي يمكن النفاذ منه إلى المسرح القومي.

الحصار كاملٌ من جهة مسرح الطليعة ومسرح العرائس المعطلين تمامًا، لكن بوابة القومي لا تزال موجودة تحميها بوابة إضافية وقوس من السياج الحديدي اقتطع جزءًا من الميدان، لكن وجود الحديد ضروري بديلًا عن القانون لمنع تقدم العشوائية إلى جنبات المسرح. في الفناء الصغير خلف البوابة الحديدية يقف أمن المسرح يُرحب أفراده بالناجين من الميدان، ويرافقونهم إلى بر الأمان.

وصلت إذًا مع بداية العرض، كما وصل على مدار لياليه القليلة نفر من المشاهدين المحاربين، ولم يلبثوا أن تأكدوا أن الأمر يستحق عندما بدأ العرض وشعروا أنهم تلقوا مكافأة تستحق نضالهم.

حرب المسرحيين

أبطال العرض المسرحي "يا أهل الأمانة" على المسرح القومي

المعرفة بأحوال المسرح تجعل المرء متأكدًا من أن فريق العمل خاض حربًا ليجسده على الخشبة. وكونه معدًّا من نصوص فؤاد حداد يجعله في قلب الحرب، الحقيقية، حيث عبَّر هذا الشاعر الفريد عن الروح المصرية وقدرتها الفطرية على معرفة العدو من الصديق وترتيب منازل الأصدقاء والأعداء.

بدا العرض الذي أعده محمد رزق أكثر مناسبةً للحظة الحرب من خلال عبوره على محددات الوجدان المصري الديني والوطني ومركزية الكعبة والقدس ومكانة آل البيت في قلوب المصريين، وجعله من مصر البلد المؤهل لإنهاء قسمة المسلمين إلى سنة وشيعة، وهي البلد الذي عقد اتفاق سلام رسمي مع الصهاينة عمره يقترب من نصف القرن دون أن يتقبلهم الوجدان العام أو يعتبر وجودهم طبيعيًا، وهذا حديث آخر يطول.

المخرج أحمد إسماعيل، بعناده الناعم الطويل الذي مكَّنه من الاستمرار حتى الآن، وضع معالجة مسرحية مخلصة لرؤيته لمسرح مصري ينتصر لمفهوم "الفُرجة" الشعبي، وقد أتاح لكل ممثل وموسيقي ومغنٍ مساحته بصريًا وسمعيًا.

طاقة حب المسرح وصلت إلى المشاهد في كرسيه، سواء من الممثلين الكبيرين مفيد عاشور ويوسف إسماعيل ومعهما رحاب رسمي، أو من ألحان محمد عزت وغناء المطربين مصطفى سامي ونهى حافظ، ومعهما العازفون وأصوات أعضاء الكورس المميز، وقد نال كل عازف وكل مطرب مساحة أداء مقطع منفرد.

أمام فريق واحد مميز كهذا، يمكننا أن نكتشف بسهولة أن مرض المسرح لا يتسبب فيه المسرحيون أنفسهم، لكنهما الإهمال الإداري والإهدار الواضح للطاقات المسرحية اللذان يجب التراجع عنهما بأمانة ومسؤولية.

مبدئيًا لا يمكن لمجمع المسارح العريق بالعتبة أن يعاود نشاطه إلا إذا عاد الميدان ساحة آمنة بلا عشوائية

نال عرض "يا أهل الأمانة" ما يستحق من اهتمام نقدي، لكن ظروفه لم تكن حسنة ويجب ألا ينتهي أمره عند حد تلك الليالي الرمضانية المحاصرة بالعشوائية البذيئة خارج المسرح وحرب استهتارٍ بالمنطقة ومقدراتها بدأتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران. أتمنى أن يأخذ العرض فرصته وأن يجوب المحافظات وأن يُسجل تليفزيونيًّا، وأن يكون مناسبةً للتفكير في بداية بعث مسرحي يشمل تجديد المسارح، ويتضمن مبدأ تدوير المسرحيات على مسارح الأقاليم إنفاذًا لمبدأ العدالة الثقافية بين المصريين. والبنية المسرحية جاهزة في قصور الثقافة التي كاد قصور الفكر يلغيها مؤخرًا.

نحن نستطيع

تستطيع وزارة الثقافة في حدود قدراتها أن تضع بذرة بعث المسرح الضروري من خلال مبدأ مناقلة البنود التي تحت يديها، ومن بين أولها وضع الأولوية لخلق موسم لمسارح الدولة على حساب المهرجانات، بالأخص مهرجان المسرح التجريبي الذي كان إطلاقه عام 1988 في ظل تعثر المسرح الكلاسيكي نكتةً، وقد عاشت النكتة أكثر مما ينبغي.

يجب ببساطة إعادة تحديد الأولويات: المسرح المستدام للجمهور العام قبل المهرجان الموسمي لنخبة المسرحيين. لكنّ إمكانات وزارة الثقافة تقف عند حد معين تحتاج معه إلى أن يكون المسرح وتكون الثقافة خيار دولة، تضمن تمويل الإنتاج الثقافي وصيانة المنشآت الثقافية ووصول المتلقي آمنًا إلى هذه المنافذ، لأن الثقافة ليست كبسولات يبتلعها المتلقي، بل ظاهرة اجتماعية تتشابك مع سياسات العمران والاقتصاد، ونوعية الحياة التي يعيشها الناس.

مبدئيًا لا يمكن لمجمع المسارح العريق بالعتبة أن يعاود نشاطه إلا إذا عاد الميدان ساحةً آمنةً بدون عشوائية، وقد آن الأوان لإعادة صياغة الميدان إلى حالة قريبة من حالته قبل الثمانينيات بإزالة الإنشاءات العشوائية وبينها كوبري الأزهر الذي تراجعت قيمته منذ إنشاء النفق، وترميم العمارات والأبنية الحكومية بالمنطقة.

بالمسرح وبدون المسرح؛ هذا الميدان يفوق في أهميته قيمة ميدان التحرير، لأنه همزة وصل بين القاهرتين الفاطمية والخديوية، لكننا الآن بصدد الحديث عن المسرح، وعودة الميدان إلى حالته وبعث مسارحه سيكون حجر الأساس لبعث مسرحي تستحقه مصر ويجب أن تُجنَّد له الطاقات، لأن المسرح لم يعد مكانًا للتثقيف والترفيه فحسب، بل صار المكان الأخير الذي يُوحد المصريين، ابتداءً من الوقوف للسلام الوطني في بداية العرض، وانتهاءً بكونه مكانًا للاجتماع الراقي يرعى تقاليد المشاركة، ويخلق بمضمونه وجدانًا عامًا، بعد أن  فصلت المدرسة والكمباوند والمصيف بين الطبقات، وبعد أن قتلت فرص اللقاء في الميادين وفوق الأرصفة والحدائق التي تتناقص يومًا بعد يوم، وهذا يراه الرب غير حسن يا أهل الأمانة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.