فلسفة العلم بين التحقق وقابلية التكذيب
الوضعية المنطقية وكارل بوبر
هل يمكن أن نثق في العلم؟ كيف نميز بين العلم الحقيقي والزائف؟ كيف تحدث الاكتشافات العلمية الكبرى؟ تبدو هذه الأسئلة التي تتسرب لعقولنا بعد قراءة غرائب الأخبار العِلمية بسيطة، لكنها حيرت العلماء والفلاسفة على السواء، بل أنها جوهر ما نُسميه اليوم "فلسفة العلم".
منذ عصور الفلسفة اليونانية القديمة قُسمت المعارف العلمية إلى منهجين: أولهما المنهج الاستنتاجي/الاستنباطي/deduction الذي كوّن المنطق الأرسطي المستخدم في الإثباتات المنطقية والرياضية. ويبدأ بمقدمات عامة وينتهي إلى نتائج خاصة، فمثلًا إذا قلنا "كل رجال اليونان القديمة ذوو لُحى" كمقدمة، وأن "سقراط رجل عاش في اليونان القديمة"، لا بد لنا أن نستنتج أن "سقراط رجل ذو لِحَيِة".
هذا استنتاج صحيح إذا كانت المقدمات صحيحة. نسمي هذا النسق "المنطق الصوري" لسبب وجيه، هو أنه مَعني فقط بصورة التفكير وسلامة الوصول من المقدمات إلى النتائج. أي مَعني بصحة الاستدلال، ولا شأن له بصدق أو كذب الجملة وتطابقها مع الواقع. لذلك لا نستطيع استخدام هذا المنطق لمعرفة ظواهر العالم أو اكتشاف قوانين الطبيعة.
رؤيتك للغربان السوداء في الماضي لا تضمن رؤيتها سوداء في المستقبل
يأتي لنجدتنا هنا المنهج الثاني أو المنهج الاستقرائي/induction الذي يُمكّننا من اكتشاف قوانين الطبيعة عندما نُعمم بعض المشاهدات الخاصة. فمثلًا إذا عرّضنا مجموعة مختلفة من قطع الحديد للحرارة فوجدناها تتمدد، نستطيع من خلال الاستقراء تعميم النتيجة إلى قانون ينص على أن "قطع الحديد تتمدد بالحرارة"، مع أننا أجرينا تلك التجارب على عدد محدود من قطع الحديد، لكننا عبر الاستقراء نستطيع الحكم بأن القانون صالحٌ لكل قطع الحديد التي نعرفها.
لماذا نثق في هذا التعميم؟ أولًا السببية: أي أن لكل حدث سببًا، فسبب اندفاع الكرة في الهواء هو ركلها، وسبب تورم رأسك هو اصطدامها في الحائط.. إلخ.
وثانيًا الموضوعية، ففي تجربة تمدد الحديد لا يهم من الذي يراقب التجربة، أنت أو أي شخص آخر، فنتائجها لا تختلف باختلاف الملاحظ. هذان المبدآن يقودان إلى اطّراد العالم، أي تكرار النتائج نفسها إذا بدأنا بالمسببات نفسها، أيًا كان الراصد.
للمنهج العلمي خطوات محددة، أولاها المشاهدات المصحوبة بقياسات كَميّة دقيقة، وثانيها التعميم الاستقرائي، الذي يصاغ عبره قانون عام للظاهرة، وتوضع فرضيات ونموذج لعمل القانون، وثالثها التحقق من القانون والفرضيات والنموذج عبر اختبار اتساقها مع القوانين العلمية الأخرى المثبتة تجريبيًا.
كوّنت هذه الأفكار ما يعرف بفلسفات العلم الكلاسيكية التي ازدهرت بين القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، والتي وصلت لذروتها مع فلاسفة الوضعية المنطقية.
لكن هذا النسق به مشكلة قديمة، ففي القرن الثامن عشر قدّم الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم حججًا واضحة ضد الاستقراء. رفضه لأنه لا يمكن تأكيده منطقيًا، فهو يقفز من ملاحظات جزئية في الماضي إلى تعميمات عن المستقبل دون أي ضرورة عقلية. فرؤيتك للغربان السوداء في الماضي لا تضمن لك رؤيتها سوداء في المستقبل. كما أن أي محاولة لتبرير ذلك عبر مبدأ اتساق الطبيعة يوقعك في دائرة منطقية مفرغة لأنك تستخدم الاستقراء ذاته. لهذا اعتبر هيوم أن مصدر إيماننا بالاستقراء هو العادة والغريزة النفسية وليس العقل.
الوضعية المنطقية ومعيار التحقق
في عشرينيات القرن الماضي، ظهرت الوضعية المنطقية (Logical Positivism) حركةً فلسفيةً واعدةً دمجت بين التقليد التجريبي، الذي مثله ديفيد هيوم وإرنست ماخ، والتطورات الثورية في المنطق والرياضيات نتيجة لأعمال كل من برتراند راسل ولودفيج فيتجنشتاين الفلسفية. كوّنت هذه الحركة ما عُرف بحلقة فيينا (Vienna Circle) بقيادة موريتس شليك، وحلقة برلين بقيادة هانز رايشنباخ.
كان المشروع الرئيس للوضعية المنطقية هو تقديم فلسفة علمية يكون الخطاب الفلسفي فيها موثوقًا وذا معنى مثل العلم التجريبي نفسه. ولصياغة ذلك، طرحوا مبدأ التحقق/Verification Principle معيارًا للمعنى المعرفي.
حاول كارناب صياغة منطق استقرائي يحدد من خلاله درجات التأييد بشكل دقيق
وفقًا لهذا المبدأ، تكون القضية أو العبارة ذات معنى معرفي فقط إذا كان يمكن التحقق منها عن طريق الملاحظة التجريبية، فعبارة "السماء زرقاء اليوم" يمكن التحقق منها برؤية السماء، لكن عبارة "السماء بديعة اليوم" ليس لها معنى لعدم إمكانية التحقق منها! كذلك تقبلوا العبارات المنطقية، مثل التي ذكرناها في السابق بحكم معناها وشكلها المنطقي الدقيق وكذلك قضايا الرياضيات.
بهذا المعيار، رفضت الوضعية المنطقية القضايا الميتافيزيقية واللاهوتية والأخلاقية واعتبرتها خاليةً من المعنى المعرفي، أي لا تحتمل الصدق أو الكذب، معترفةً بأن لها فقط معنى انفعاليًّا أو تعبيريًّا.
لكن سرعان ما واجهت الوضعية المنطقية مشكلةً هيكليةً كبرى بعد أن تبين للجميع أن مبدأ التحقق غير قابل للتطبيق على النظريات والقضايا العلمية الأكثر نجاحًا! فالقوانين العلمية كـ"معدن الحديد يتمدد بالحرارة" هي قضايا كلية غير قابلة للتحقق التجريبي بشكل قاطع، لأننا لا نستطيع فحص عدد لا نهائي من قطع المعدن في كل زمان ومكان. بذلك لا نستطيع التمييز بين العلم الحقيقي والعلم الزائف لعدم قابلية معيار "التحقق" للتطبيق. هنا بدأت أزمة الوضعية المنطقية.
لمواجهة هذه المشكلة، قاد رودولف كارناب واوتو نيورات جناحًا تحرريًا داخل الحلقة بالدعوة إلى "تحرير التجريبية" واستبدال مفهوم التأييد (Confirmation) بمفهوم "التحقق" غير القابل للتحقق، فالقضية الكلية يمكننا تأييدها أو زيادة درجة صحتها مع كل اختبار ناجح لها، وإن لم نتمكن من التحقق منها بشكل قاطع، فكلما قمنا بتجارب على قطع حديد مختلفة ووجدناها تتمدد ازداد تأييدنا لقانون تمدد الحديد السابق، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع التثبت يقينًا من أن الحديد يتمدد بالحرارة دائمًا!
حاول كارناب صياغة منطق استقرائي يحدد من خلاله درجات التأييد بشكل دقيق، لكنه فشل في ذلك لاستحالة صياغته. مع ذلك وضع كارناب حجر الأساس لما يُعرف اليوم بنظرية التأكيد البايزية من خلال إصراره على جعل "درجة التأييد" مفهومًا كميًا واحتماليًا دقيقًا. اليوم تُستخدم نظرية التأكيد البايزية في مجالات علمية عدة، أبرزها: تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وفي العلوم مثل تحليل فاعلية اللقاحات والتشخيص الطبي، بل ونمذجة عمليات الإدراك البشري.
كارل بوبر ومبدأ القابلية للتكذيب
رغم تأثر الفيلسوف النمساوي الإنجليزي كارل بوبر (1902-1994) بالوضعية المنطقية في البداية، فإنه كان ناقدًا لاذعًا لها، حتى عُرف بأنه "المعارض الرسمي" لها. رأى بوبر أن مشكلة التحقق أو حتى التأييد لا تحل مشكلة كيفية تمييز العلم الحقيقي من الزائف، وهو ما يعرف بمشكلة الترسيم demarcation problem، أي ترسيم الحدود بين الحقيقي والزائف.
قدَّم بوبر حله الثوري، وهو مبدأ القابلية للتكذيب/falsifiability، فبدلًا من قابلية التحقق أو البحث عن أدلة تتحقق من صحة النظرية، يجب البحث عن إمكانية تكذيبها، فالنظرية تُوصف بأنها علمية إذا كانت قابلة للتكذيب تجريبيًا، أي إذا كان بالإمكان تحديد مشاهدات محتملة، ولو من حيث المبدأ، تثبت خطأها.
النظرية العلمية الحقيقية تخاطر بوجود "مكذبات محتملة" مثل نظرية أينشتاين في الجاذبية أو نظرية نيوتن في الحركة، كلاهما يمكنها التنبؤ بظواهر معينة يمكن رصدها وتكذيب النظرية أو تأييدها إلى حين، حتى تظهر تجارب أخرى تكذب النظرية وتظهر نظرية جديدة تؤيدها التجارب العملية إلى حين، وهكذا دواليك.
فنظرية كل البجع أبيض مثلًا قابلة للتكذيب برؤية بجعة سوداء واحدة، لكن ما يُسمى بعلم التنجيم لا تستطيع تكذيبه لأنه يستطيع تفسير أي سلوك للإنسان، بل السلوك ونقيضه! كذلك أكد بوبر على أن العلم لا يبدأ بملاحظات محايدة تؤدي عبر الاستقراء إلى نظريات، بل بمشكلات وفرضيات جريئة ثم محاولة تكذيبها.
لكن ماذا قدَّم بوبر لمشكلة الاستقراء؟ قدم حلًا مبدعًا، شيد المنهج العلمي دون وضع دور حقيقي للاستقراء! فقد صرح بأن خطوات المنهج العلمي تبدأ بفرضية أو تخمين/conjecture ثم محاولة دحضه/refutation. أي أن العلم لا يبدأ بملاحظات محايدة تؤدي عبر الاستقراء إلى نظريات، بل بمشكلات وتخمين وفرضيات جريئة ثم محاولة تكذيبها. بهذا حوّل الاهتمام من السياق النفسي للاكتشاف الذي يلعب فيه الاستقراء دورًا، أي كيف يكوّن العالم فرضيته؟ إلى السياق المنطقي للمنهج، أي كيف تُختبر الفرضية؟
رأى أيضًا أن القوانين العلمية ليست حقائق مؤكدة، بل "فرضيات مؤقتة" صمدت أمام المحاولات الجادة لتكذيبها. العلم يتقدم عبر سلسلة من العمليات التطورية وهي:
تخمينات جريئة --> اختبارات قاسية --> دحض الفرضيات الخاطئة --> ظهور مشكلات جديدة.
هذا هو نموذج بوبر لتطور العلم أو نموذج التخمينات والدحوض.
وهنا نعرض أحد أهم انتقادات بوبر، وهي أفكار الفيلسوف والفيزيائي الفرنسي بيير دوهيم (1861-1916) التي مثلت تحديًا جوهريًا لمشروع بوبر من خلال ما عُرف لاحقًا بـأطروحة دوهيم.
جوهر حجة دوهيم هي أن اختبار أي فرضية علمية تجريبيًا بمعزل عن الفرضيات الأخرى هو شبه مستحيل، للأسباب التالية: أولًا، الاختبار يتطلب فرضيات مساعدة فعندما نختبر نظرية ما، لا يمكننا اختبارها وحدها، بل نضطر لاستخدام مجموعة من الفرضيات المساعدة والافتراضات الخلفية، كافتراض أن أجهزة القياس تعمل بشكل صحيح. فإذا أجرينا تجربة وكانت النتيجة سلبية، فلا يمكننا منطقيًا أن نحدد في أي الأجزاء من المنظومة النظرية يقع الخطأ أو لا يعمل، فالنتيجة السلبية تعني أن واحدًا على الأقل من العناصر التالية خاطئ: إما النظرية الأساسية التي نختبرها أو إحدى الفرضيات المساعدة أو الافتراضات الخلفية!
لكن يرى دوهيم أن العلماء في الممارسة العملية يتخذون قراراتهم حول أي فرضية سيتخلون عنها بناءً على ما يسميه "الحس السليم". أي أن هناك عوامل غير تجريبية، كالبساطة أو التوافق مع نظريات أخرى راسخة، قد توجِّه العالم في اختياره للفرضية التي سيتخلى عنها، لكن لا توجد قواعد منطقية لتحديد ذلك!
من تاريخ العلم يمكننا أخذ مثال لهذا وهو اكتشاف كوكب نبتون. ففي القرن التاسع عشر لُوحظ أن مدار أورانوس لا يطابق توقعات قوانين نيوتن، فواجه العلماء خيارين منطقيين: إما تكذيب نظرية نيوتن، أو الشك في فرضية مساعدة، وهي أننا أخذنا في الاعتبار كل الكواكب المؤثرة على أورانوس. استخدم الفيزيائيون الحس السليم في عدم التخلي عن نظرية نيوتن الناجحة، فقرر العلماء تعديل الفرضية المساعدة وبحثوا عن الكوكب الجديد ووجدوه. هذا يوضح أن التكذيب المباشر للنظريات الأساسية نادر في الواقع العملي، وأن التكذيب كمقياس قد ينطبق أكثر على الفرضيات المساعدة للنظرية الرئيسية.
لكن رغم هذه الانتقادات، يبقى إرث كارل بوبر حيًّا ومؤثرًا، ويبقى معيار قابلية التكذيب أداة لتمييز العلم عن العلوم الزائفة، بل الأهم من ذلك أن فلسفته علمتنا التواضع المعرفي، وأن العلم ليس يقينًا، بل هو أقرب نموذج يعمل لدينا حتى إشعار آخر!

